· المعارضة المسيحية تحصد عدة أرباح دفعة واحدة
· الخاسرون بشكل رئيسي هم "مسيحيو النظام"
كتب سعيد صيداوي:
من الطبيعي أن تكون نتائج الانتخابات النيابية التي بدأت مرحلتها الأولى في هذا الأسبوع في لبنان، تتويجا لعراك سياسي قارب حد الزلزال منذ اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وما تلاه من تداعيات أبرزها الانسحاب العسكري السوري من لبنان، وبالتالي ستكرس هذه الانتخابات رابحين وخاسرين·
وبمعنى آخر سيكون حدث الانتخابات المرتقب، إيذانا رسميا ببداية مرحلة جديدة من تاريخ لبنان السياسي، ووداعا لمرحلة أخرى انطوت عمليا بجلاء آخر جندي سوري عن أرض لبنان في النصف الثاني من شهر إبريل الماضي·
العنوان العريض للانتقال بين المرحلتين، هو بداية تداعي سلطة سياسية برموزها وخطابها، نشأت عمليا بعد الشروع باتفاق الطائف وبإجراء أول انتخابات نيابية في ظل هذه الوثيقة في صيف العام 1992، حينها كما هو معلوم صارت سورية وحلفاؤها في لبنان على اعتقاد مفاده أن المارونية السياسية في لبنان "عاندت العروبة" ومانعت في تكريس هوية لبنان القومية وسعت إلى شد لبنان في كل اتجاه يكون مع الطرف النقيض للقضية العربية·
منذ ذلك التاريخ وبالتحديد بعد إخراج العماد ميشال عون من قصر بعبدا تمهيد لنفيه الى باريس، صارت دمشق تتصرف وكأنها باتت طليقة اليد في الساحة اللبنانية، فبادرت الى وضع أساسات تقوم عليها سلطة سياسية موالية لها تماما·
وباعتبار أنه لم يكن لديها مشاكل كبرى مع الزعامات الإسلامية "ضمن الطوائف الثلاث" فإنها ركزت الجهود على إنشاء طبقة سياسية مسيحية جديدة، تنحاز الى مشروعها وتوالي توجهاتها، ولكن كان عليها المضي في رحلة إقصاء كل الزعامات المسيحية التاريخية "آل الجميل - وشمعون -" والناشئة بفعل الحرب الأهلية مثل سمير جعجع الذي اعتقل في العام 1995 بتهم شتى·
ولم يكن بمقدور الاعتراض المسيحي على كل هذا أن يؤدي ثماره أو يؤثر على مسار الأمور إلا في الآونة الأخيرة وبالتحديد بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أعقب هذا الحادث الجلل من انقلاب الطائفة السنية "تشكل نحو %35 من اللبنانيين" متحالفة مع طائفة الدروز "تشكل نحو 7%" على العلاقة مع سورية·
وبرغم أن لهذا الانقلاب مقدماته وتراكماته، لكن الثابت أنه ما كان بإمكان المعارضة المسيحية أن تكون أكبر الرابحين سياسيا، لو لم تتقدم الى صفوف المعارضة هذه الكتلة الشعبية الضخمة المتمثلة بالطائفة السنية بفعل الصدمة الناجمة عن اغتيال الحريري الذي تعتبره زعيمها شبه المطلق منذ صدور نتائج الانتخابات النيابية في عام 2000، والتي كشفت عن اكتساحه لكل المقاعد النيابية في العاصمة بيروت·
الربح المسيحي
الربح المسيحي من "انتفاضة" السنة على الوجود السوري، وعلى السلطة الدائرة في فلك هذا الوجود تمثل أولا بإخراج المعارضة المسيحية من الإطار الطائفي الذي تراوح فيه منذ بداية تحركها الكبير في سبتمبر عام 2000 وبالتحديد منذ أعلنت أنها تخطط لتحقيق تحرير لبنان من سورية ليكون معادلا للتحرير من الاحتلال الإسرائيلي الذي أنجزه حزب الله·
كذلك تمثل بالانفتاح "الإسلامي" على رموز المعارضة المسيحية وقواها وخصوصا بعد مظاهرة 14 مارس الشهيرة في ساحة الشهداء في وسط العاصمة بيروت·
ولعل الربح الأكبر قد تجسد بعودة العماد عون من المنفى الباريسي الذي قضى فيه ما يقرب من 15 عاما، ليستأنف في وطنه عملية حضور سياسي جعلته واحدا من القيادات المارونية البارزة وجعلت تياره المسمى بـ "التيار الوطني الحر" أحد أبرز القوى السياسية الحية في الشارع اللبناني· والمكسب الآخر الذي لا يستهان به، يتمثل في تحريك متجدد لقضية إطلاق زعيم تنظيم القوات اللبنانية المحظورة سمير جعجع، وقد شارفت المسألة على خواتمها رغم تأخرها الى ما بعد الانتخابات·
وبرغم حصد المعارضة المسيحية، أهدافا وأرباحا عدة دفعة واحدة، إذ استعادت حضورا سياسيا واسترجعت زعامات وقوى، إلا أنها عجزت لاحقا بفعل وقائع عدة عن تحقيق حلم راودها وهو استعادة دور متعاظم كان لها قبل العام 1975، عندما طالبت بالعودة الى قانون الانتخابات الذي عمل به من عام 1960 الى عام 1972، إلا أن تفاهما ضمنياً بين تيار الحريري وتيار النائب وليد جنبلاط من جهة وحركة أمل وحزب الله من جهة أخرى، أبقى على العمل بقانون 2000 الذي يجعل نحو أربعين مقعدا مسيحيا خاضعة للصوت الإسلامي·
ويرى المراقبون أنه إذا كانت الطائفة السنية قد خسرت باغتيال الحريري رمزا كبيرا واعدا فإنها بدت رابحة كبرى بعد الانسحاب السوري وصعود تيار الحريري الى الواجهة، مع الحديث المتعاظم في الكواليس السياسية، عن أن هذه الطائفة ستصبح هي عصب الحياة السياسية اللبنانية في الفترة المقبلة، خصوصا أن تحالفها مع جنبلاط، ومعظم رموز "لقاء قرنة شهوان" والتحالف الشيعي، سيبيح لتيار الحريري الحصول على نحو 40 مقعدا نيابيا، فيما التوقعات تشير الى أن الحلفاء المباشرين لهذا التيار سيحصلون على عدد مماثل، وهو إذا ما تم، حدث بالغ الأهمية يعني أن رمز هذا التيار يمتلك أكثرية نيابية مطلقة لم يحصل عليها من قبل أي زعيم لبناني، وفي المقابل فإن ثمة من يرى في بيروت أن هذه الطائفة وإن كانت لها مكانة سياسية كبرى في المعادلة الداخلية، إلا أنها خسرت دور المحامي عن عروبة لبنان والمدافع عنها·
أما الرابح الأكبر بلا منازع فهو النائب وليد جنبلاط، الذي صار في الآونة الأخيرة المحور الأساسي لحركة المعارضة واللاعب الأكبر في الصفقات السياسية التي عقدت لاحقا، وأكثر من ذلك فإن هذا الوضع فسح المجال أمامه ليكون رئيسا للائحة نيابية كبرى ستتعدى في عددها لائحته السابقة·
أما الخاسر بطبيعة الحال فقد شمل الطائفة الشيعية التي بدت خلال الأحداث والتطورات الأخيرة وكأنها خارج السياق الوطني، وفقد حزب الله بالخروج العسكري السوري سندا قويا لمقاومته إذ إن الوجود السوري أمن للبندقية المقاومة في السابق غطاء سياسيا أراح الحزب من عبء الدخول في اللعبة السياسية الداخلية·
أما الخاسرون بشكل رئيسي فهم ما اصطلح على تسميتهم "مسيحيو النظام" من رئيس الجمهورية الى كل الشخصيات والمواقع والقوى المسيحية التي أدرجت في خانة النظام·