
· يجب ربط استخدام القوة الأمريكية بالقيم
· الثورة الإيرانية.. درس لأمريكا من مخاطر التسويف في الإصلاح
بقلم: هنري كيسنجر*
حدث تقدم غير عادي في قضية الديمقراطية خلال الأشهر القليلة الماضية· فقد أجريت الانتخابات في كل من أفغانستان والعراق وأوكرانيا وفلسطين وأجريت انتخابات محلية في المملكة العربية السعودية وانسحبت القوات السورية من لبنان وفتح باب الترشيح لانتخابات الرئاسة في مصر·
ويعود جزء من الفضل في هذه التطورات الإيجابية الى سياسة الرئيس جورج بوش الشرق أوسطية واكتسبت زخما من خطاب التتويج لولايته الثانية الذي ركز على دعم الحريات في العالم، كهدف للسياسة الخارجية للولايات المتحدة·
لقد فسر الخبراء هذه الأحداث باعتبارها نصرا لـ "المثاليين" على "الواقعيين" في الجدل الدائر حول إدارة السياسة الخارجية·
وفي الواقع، فإن الولايات المتحدة ربما تكون الدولة الوحيدة التي يمكن فيها استخدام ما هو "واقعي" كصفة سلبية ويجب على أي واقعي حقيقي ألا يدعي أن القوة هي المبرر الوحيد للواقعية· كما يجب على أي مثالي ألا يوحي بأن القوة غير ذات صلة في سياق نشر المُثل· فالمسألة الحقيقية هنا هي إقامة توازن بين هذين العنصرين الأساسيين في أية سياسة· وترجيح كفة أحدهما على حساب الآخر سيقود إما الى الجمود أو التمادي·
والقيم تعتبر شيئا ضروريا لرسم الأهداف، والاستراتيجية تعمل على تطبيق هذه القيم من خلال ترتيب الأولويات وتحديد الجداول الزمنية· ويجب أن تبدأ الاستراتيجية بالإقرار أن أجندة الحرية لا تجعل التحليل الجيوسياسي غير ذي شأن·
فهناك قضايا يبدو أنها لا تحقق الأهداف الاستراتيجية لحملة بوش، فبروز الصين - على سبيل المثال - يمثل تحديا جيوسياسيا وليس أيديولوجيا·
وهناك مثال آخر هو علاقات الولايات المتحدة بالهند، فأثناء الحرب الباردة، لم تجد نيودلهي أي حافز لدعم قضية الديمقراطية ضد الشيوعية، ولم تكن لها مصلحة وطنية في قضايا مثل حرية برلين· أما اليوم، فإن الهند أصبحت شريكا استراتيجيا (للولايات المتحدة) ليس بسبب الهياكل المحلية المتساوقة مع الحرية، بل بسبب مصالحها الأمنية في جنوب شرق آسيا ومنطقة المحيط الهندي ومكافحة الإسلام الراديكالي·
مبادئ
ولكن الالتزام الواعي بقضية الحرية يجب أن يأخذ في اعتباره المبادئ التالية:
1 - عملية التحول الديمقراطي لا تعتمد على قرار ولا يمكن تطبيقها مرة واحدة، فالانتخابات - وإن كان مرغوبا فيها - ليست سوى البداية لعملية طويلة· كما أن الرغبة في قبول نتائج مثل هذه الانتخابات هي العقبة الأكبر، وإقامة نظام يمكّن الأقلية من أن تصبح أغلبية هو عملية أعقد من ذلك بكثير·
2 - الأمريكيون بحاجة الى فهم أن النجاحات لا تضع حدا لانخراطهم بل ربما تؤدي الى تعميقه، لأننا حين نتدخل نتحمل المسؤولية حتى عن النتائج التي لم نتوقعها· وعلينا التعاطي مع الانعكاسات بصرف النظر عن نوايانا في الأصل، ويجب ألا نتصرف وكأن التزاماتنا تتغير كما تتغير استطلاعات الرأي·
3 - الانتخابات ليست ضمانة حتمية لحدوث نتائج ديمقراطية· إذ يبدو أن حركات راديكالية مثل حزب الله وحماس قد تعلمت ميكانيكية الديمقراطية من أجل إضعافها وإقامة نظام يقوم على السيطرة المطلقة·
وباعتبار الولايات المتحدة الدولة الديمقراطية الأعظم في العالم، يجب عليها ربط القيم بالقوة والتغيير السياسي المؤسساتي بالاحتياجات الجيوسياسية، ففي الدولة التي ينبغي ملء الفراغ فيها وتوجد فيها قوات أمريكية، فإن قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الأحداث لا بد أن تكون كبيرة· وحتى في مثل هذه الظروف، فإنه ليس من الممكن التطبيق التلقائي لأنماط تبلورت عبر قرون في مجتمعات متجانسة كما في أوروبا والولايات المتحدة مقارنة بمجتمعات ذات تعددية إثنية ودينية كما في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا· ففي المجتمعات متعددة الإثنيات، فإن حكم الأغلبية يعني الاستعباد الدائم للأقليات ما لم تكن جزءاً من هيكل فيدرالي قوي ونظام يقوم على توازنات دقيقة· ولتحقيق ذلك من خلال مفاوضات بين أطراف تعتبر هيمنة المجموعات الأخرى تهديدا لوجودها، هو أمر شبه متعذر· ومع ذلك، فإن مثل هذه المفاوضات من شأنها أن تحدد درجة تحقيق الأهداف الديمقراطية في العراق، وبدرجة أقل، في أفغانستان·
ويعتبر لبنان مظهرا آخر لهذه الاعتبارات، فالانتفاضة التي أخرجت القوات السورية تمثل شهادة على نمو الوعي الشعبي، ولكن أيضا، انعكاس لبيئة استراتيجية متغيرة، وربما تعتقد سورية الضعيفة الآن أمام الضغوط الدولية، أن انسحابها سيعيد لبنان الى حالة الفوضى التي استدعت تدخلها قبل ثلاثين عاما·
توازن ديموغرافي
لقد حدث التدخل الأجنبي ثلاث مرات في لبنان خلال الخمسين عاما الماضية، فقد تدخلت الولايات المتحدة في الشأن اللبناني عام 1958 وتدخلت سورية عام 1976 وأخيرا إسرائيل عام 1982· وفي كل مرة كان الهدف المعلن الحفاظ على الاستقرار ومنع اندلاع أعمال العنف بين المسيحيين والسنة والشيعة والدروز، وفي كل مرة كان التدخل الخارجي يؤدي الى تأجيج الخلاف الداخلي بين الفرقاء اللبنانيين لأن الترتيبات الدستورية القائمة لم تعد تعكس التوازن الديموغرافي الفعلي في البلاد·
والآن، فإن القوة الدافعة في لبنان ذات طابع شعبوي وليس ديمقراطيا· إنها منافسة تستخدمها مختلف الفصائل اللبنانية لتنظيم المظاهرات المنافسة والتي تهدف - جزئيا - الى التغطية على الخصوم· أما الاختبار الحقيقي فهو ما إذا كانت الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قادرين على التوصل الى صيغة سياسية متفق عليها وما إذا كان بوسعهم حشد التواجد الدولي لضمان عدم انفجار المشاعر المختلفة الى أعمال عنف مرة أخرى، وعدم السماح لمغامرات خارجية على أرض لبنان·
وفي مصر والمملكة العربية السعودية، فإن حدوث فراغ هو أمر محتمل وليس فعليا، إن أية سياسة حكيمة لا بد أن تسير على خطى تقود الى تخطي الركود والضغوط التي ستفضي الى تلاشي الهيكل السياسي القائم لصالح صراع بين الفصائل الراديكالية أو تحقيق إحداها النصر·
إن تحقيق الأصوليين النصر في الانتخابات المحلية السعودية يكشف عن هذا الخطر، إن جنوح السياسة في هذين البلدين بأي من الاتجاهين قد يحولهما الى "كعب أخيل" الشرق الأوسط بأكمله·
لقد أوضحت الولايات المتحدة قناعتها بأن التطور الديمقراطي الذي يعكس التطلعات الشعبية هو ضرورة في المدى البعيد، ولكنها لم تحدد بعد ما الذي تعنيه بهذا المصطلح أو بعملية تطور ملائمة·
فالثورة الإيرانية تعلمنا درس مخاطر التسويف الذي وقعنا فيه في الستينات والسبعينات قبل أحداث الاضطراب الأصولي، فضلا عن أخطار الضغوط التي مورست في عهد الرئيس كارتر والتي أدت الى بروز نظام أكثر سلطوية من نظام الشاه في طهران، إن ثمة قضايا استراتيجية رئيسية تتعرض للخطر في سياق التعاطي الحساس مع هذه المخاوف ومن بينها هشاشة المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية·
هيمنة أمريكية
وأخيرا، هناك تحد يتعلق بكيفية التعامل مع مجتمعات مثل الصين وروسيا والتي اعتمدت - حتى الآن - على التقليد السياسي الغربي بدرجة قليلة، من أجل التحول الى العولمة، لقد اعتمد هذان البلدان على تاريخيهما أو إحساسهما الوطني بالهوية، كمرشد للتحرك على هذا الصعيد· ولعل من الضروري معرفة الى أي مدى وبأية وسائل يمكن للولايات المتحدة التأثير على هذه العملية؟ وبأي اتجاه؟ وما مستوى فهم السياق المحلي المتأثر بالتاريخ الممتد لقرون، من أجل التأثير باتجاه الحصول على النتائج المرجوة· وما هو الثمن الذي تقبل الولايات المتحدة دفعه من المصالح الاستراتيجية متوسطة المدى من أجل ذلك؟
فليست هناك دولة واحدة قوية بما يكفي أو حكيمة بما يكفي لإقحام نفسها في كل عملية تطور سياسي تحدث في العالم· فلا بد من مراعاة ترتيب الأولويات وفقا للمصالح الوطنية، وإلا، فإن الإنهاك النفسي أو التمدد المادي يصبحان من الاحتمالات الحقيقية، مع قيام تحالف دولي من الدول الساخطة على الهيمنة الأمريكية·
لقد أتى الرئيس جورج بوش برؤية دراماتيكية، وهناك حاجة للجدل القومي الدائر الآن، بالتركيز على الظروف التي يجب أن نطبق فيها هذه الرؤية، ويجب على المنظمات غير الحكومية المشاركة في هذه العملية·
فبعد أن توضح أهمية هذا الموضوع، يجب على هذه المنظمات الآن المساهمة في تطوير وبلورة السبيل الى تطبيقها، وتحتاج أية استراتيجية لتطبيق هذه الرؤية القائمة على أجندة الحرية، الى بناء إجماع بشأنها على الصعيد المحلي والدولي· وهذا هو المحك لماذا إذا كنا ننتهز الفرصة لإحداث تغيير منهجي أم أننا مشاركون في مسرحية؟
* وزير الخارجية الأمريكي الأسبق
" عن: الواشنطن بوست "

----------------------------------------------------
الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء كتابها
إشراف: صالح أحمد النفيسي
saleh@taleea.com