كتب المحرر الثقافي:
صدر حديثا للكاتب الصحافي والناشط السياسي أحمد الديين كتاب "الديمقراطية في الكويت - مسارها، واقعها، تحدياتها، آفاقها" عن دار قرطاس للنشر تناول فيه الكاتب مراحل تطور الديمقراطية في الكويت، بادئا بأهم الحوادث السياسية في التاريخ السياسي بعد مقدمة مختصرة حول المفاهيم والمصطلحات وحول الخصوصية في التجربة الكويتية السياسية·
في بحثه عن أهم التحولات التاريخية يتوقف الكاتب عند التجربة التشريعية الأولى والحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الكويتي، وإدارة الحكم بالاشتراك بين آل الصباح وطبقة التجار ثم انفراد مبارك الكبير بالحكم والتجارب الأولى للانتخاب في البلدية ومجلس الأمة التشريعي الأول والثاني ثم يختتم الفصل بالإصلاحات التي قامت على يد عبدالله السالم·
معالم الدولة الحديثة وتوتراتها
في الفصل الثالث يتطرق الكاتب الى الدولة الكويتية الحديثة بعد عهد الاستقلال متناولا أهم معالمها في تداول السلطة والتجارب الدستورية والنيابية والديمقراطية من حيث أجواء المجلس التأسيسي وإعلان دستور 1962 وما دار من تفاصيل بين أطراف الحكم والأطراف الوطنية من رجال السياسة والبرلمان للوصول الى صيغة الدستور·
ويتطرق الكاتب في هذا الفصل الى أهم التوترات التي مرت بها الدولة الحديثة (بعد الاستقلال) كأزمة الحدود بين الكويت والعراق التي أثارها رئيس الوزراء العراقي عبدالكريم قاسم بعيد أيام من إعلان الاستقلال، وكذلك أزمة تزوير الانتخابات النيابية الثانية (1967) التي حاولت بعض مراكز القوى في السلطة منع وصول مرشحي المعارضة للبرلمان، ثم أزمة "الصامتة" حيث النزاع الحدودي بين الكويت والعراق في العام 1973، ثم ينتقل الكاتب الى توتر آخر تمثل في حل السلطة لمجلس الأمة 1976 وتعليق العمل بعدد من مواد الدستور للوصول الى هدفها بتنقيح مواد الدستور بعدما شكلت لجنة لذلك، ووقوف القوى الوطنية من البرلمان والمعارضات الشعبية في وجه هذه المحاولات وإفشالها· ثم يتطرق الكاتب الى انعكاسات الثورة الإسلامية في إيران والحرب العراقية الإيرانية على الساحة الكويتية، ثم الانقلاب الثاني على الدستور بعد حل مجلس 1986 (ويرصد الكاتب الفروقات بين الإجراءات التي ترتبت على حل 1976 ومجلس 1986 من حيث السبب المباشر للحل والالتزام بعودة الحياة النيابية والرقابة على الصحف وغيرها)، ثم يأتي الكاتب الى آخر التوترات والمتمثل في الغزو العراقي·
معارضة مبارك
كما يعرض الكاتب في هذا الفصل المهم تاريخ المعارضة وأساليب عملها وفعاليتها مستحضرا بداياتها عندما تشكلت كردة فعل على تفرد مبارك الكبير بالحكم· ويعتبر هذا المبحث في تاريخ المعارضة الذي اختتم به الكاتب فصله الثالث دراسة مستقلة ووافية من حيث تناول تاريخ المعارضة ورصد أهم الحوادث السياسية التي تطلبت مواقف واضحة وجريئة من القوى الوطنية المعارضة مع تسجيلها تاريخيا وتوثيق أسماء أهم رموزها السياسيين·
في الفصل الرابع "محصلة التجربة السياسية المعاصرة" يبحث الكاتب في أبرز الإشارات الى ديمقراطية الدولة من حيث الدستور والقوانين والمؤسسات والسلطات وعملية الانتخابات وتشكيل النقابات وجمعيات النفع العام وحرية الكتابة، ويرى بوجود كل تلك المكتسبات أن الطموح ما زال قاصرا غير محقق "لكن هذا كله لا يمكن أن يعني أن هناك نظاما ديمقراطيا كاملا!"·
ثم يستعرض الكاتب بنود الدستور الكافلة لحقوق المواطنة والحريات الشخصية والمنظمة لشؤون الدولة ويسجل على هامشها ملاحظات تقلل من إيجابياتها الظاهرة· كما يسجل نقاطا سلبية على بعض القوانين المشرعة في مجال الحريات "حرية تشكيل الأحزاب السياسية حيث لا يوجد قانون ينظمها" أو مثل احتكار السلطة لحق المبادرة العامة، وقصر الاحتكام للمحكمة الدستورية على الحكومة ومجلس الأمة وحرمان الشباب (من سن الثامنة عشرة الى ما دون سن الحادية والعشرين) من حق الانتخاب، والقيود المفروضة على جمعيات النفع العام·
البغدادي وبوغيث وممارسات السلطة
وتحت عنوان "مؤشرات الديمقراطية على أرض الواقع" يذكر الكاتب بعض النماذج المعروفة محليا ممن تعرضوا الى إجراءات ظالمة تنافي قوانين الدولة مثل إسقاط الجنسية الكويتية عن أسرة السيد المهري وسليمان بوغيث، وتكرر حالات القبض على أفراد وتعرضهم للتعذيب على أيدي الأجهزة الأمنية، وحالات التضييق على حرية الاعتقاد كرفع دعوى حسبة على أحد الأشخاص ممن أراد اعتناق الدين المسيحي، بالإضافة الى القيود المفروضة على إنشاء دور العبادة كمساجد تابعة للمذهب الشيعي أو الحسينيات أو معبد للسيخ·
كما يذكر الكاتب أسماء بعض الكتاب ممن مورست عليهم السلطة المنع وتقييد حرية الرأي والبحث العلمي كحادثة اعتقال د· خلدون النقيب في السبعينات بسبب تأليفه كتابا وسجن د· أحمد البغدادي بسبب حديث نشرته إحدى المجلات أو استدعاء الشيخ حامد العلي واعتقاله بسبب كتابات له نشرت على أحد المواقع الإلكترونية·
ومن ممارسات السلطة "على أرض الواقع" يذكر الكاتب إيقاف منح التراخيص الجديدة لإصدار الصحف السياسية، وتعطيل أخرى بقرارات إدارية·
إنجازات ولكن··
ويشير الكاتب من جانب آخر الى منجزات الديمقراطية في تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى مثل: قانون التخطيط الاقتصادي وإلزام الحكومة بوضع خطة تنموية قومية طويلة المدى (1986)، وقانون في شأن الخطة الإنمائية الخمسية، وقانون المحافظة على الثروة البترولية وتحديد حد أقصى للإنتاج (1972)، وقوانين امتلاك شركات النفط الأجنبية وإلغاء الامتيارات الممنوحة لها (1975)، قانون إنشاء الهيئة العامة للاستثمار (1982)، وقانون دعم العمالة الوطنية، ويعلق الكاتب "لكن من الواضح أن هناك فارقا كبيرا بين ما تم إنجازه من تشريعات تتصل بالأهداف الوطنية وبين ما تحقق ويتحقق على أرض الواقع الملموس"·
وفي الفصل الخامس يقدم الكاتب صورة مكبرة للبنى السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية مختصرا أهم عللها ونافذا الى مفاصلها التي لو قدر إصلاحها لتم لهذه البنى النهوض وتهيأ لها التأثير الإيجابي في التطور الديمقراطي الذي اختاره الكاتب عنوانا خاصا للفصل وعاما خفيا لمضامين الكتاب·
في ختام كتابه (الفصل السادس) يقدم الكاتب رؤية مستقبلية حملت حزمة من الاقتراحات يرى بالإمكان تحقيقها خصوصا أن "هناك إمكانات وفرصا واسعة نسبيا لتعزيز الديمقراطية في الكويت" تستند إلى دستور حضاري ونقابات عمالية وجمعيات نفع عام وتجمعات سياسية وهامش واسع نسبيا في الصحافة المحلية وتراث وتقاليد ديمقراطية ووجود التزام من الحكم على العمل بدستور 1962، "قطعه الحكم على نفسه خلال فترة الغزو"·
كما لا يغفل الكاتب عن ذكر العقبات والعوامل العائقة للإصلاح الديمقراطي واقتراح أجندة مستقبلية تضم ثلاثة متطلبات: فكرية وسياسية، وتشريعية، ووضع إطار للحوار والتعاون·
هيكل المشروع وإشادة
يضع د· علي خليفة الكواري - في ملحق الكتاب - هيكلا عاما لدراسة مستقبل الديمقراطية في البلاد العربية، بعد أن كان قدم للكتاب كلمة إشادة ذكر فيها أن إسهام الكاتب أحمد الديين في "الديمقراطية في الكويت" يأتي في سياق مشروع بحثي كبير تتناول الديمقراطية في الدول العربية ويتخذ من إكسفورد مقرا له، ويشير د· الكواري في كلمته الى أن "الرؤية المستقبلية"، التي تضمنها الكتاب هي ورقة عمل لندوة وطنية وإسهام مهم في مشروع "دراسات مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية"·
وأشار د· الكواري الى أن المشروع يهدف الى "تعميق الفهم الوطني والعربي لمسار التجارب السياسية، وما أسفرت عنه كل تجربة من بنى مجتمعية معيقة أو معززة للديمقراطية"·
ويعد الكتاب الذي يقع في (177) صفحة من القطع الوسط، توثيقا مهما للتاريخ السياسي في الكويت، وإضافة لم تكن متوافرة للقارئ أو الباحث في تاريخ الديمقراطية في الكويت ومراحلها وتطورها وحوادثها وأزماتها المتفرقة بين أكثر من مصدر والتي وجدت مكانا لها الآن بين غلافين·