"الدفاع المناهض للحقائق والتاريخ"
رسالة مفتوحة للمحامين المدافعين عن الطاغية صدام حسين
بقلم المحامي عزيز الساعدي*
تعلمنا من خلال دراستنا للقانون أن الالتزام في الدفاع عن حرية وحقوق الإنسان، والشعوب هو أنبل ما يمارسه المحامي في حياته المهنية، وكذلك يمين القسم الذي يؤديه المحامي أمام نقيب المحامين ونصه "أقسم بالله العظيم سوف أؤدي واجبي بصدق وأمانة" يصب في الهدف نفسه·
وأمام هذين الخطابين المقدسين وبحافز منهما، توقفت طويلا أمام مرجعيات الأمانة الدينية والإنسانية والأخلاقية التي تتمثل في سلوك وممارسة "ممثلي لجنة الدفاع عن الطاغية صدام حسين؟"·· مع الإقرار التام بمشروعية الدفاع عن كل إنسان يستشف من تاريخه الشخصي وسلوكه وممارسته العملية بأنه بريء أو أنه أخطأ خطأ ليس جسيما بحق الوطن والأمة·· من هذا المنطلق يكتسب حق الدفاع المقدس مشروعيته·
تعالوا معي أيها الزملاء المحامون ممثلو لجنة الدفاع عن صدام حسين لنلقي نظرة على التهم الموجهة بحق الشعب العراقي وشعوب المنطقة وتهديده للأمن العالمي هو ونظامه الشمولي الدكتاتوري لنرى مدى مصداقيتها، حقيقة، وواقعا، وما الوقائع المادية والمعنوية والشهادات العيانية والمبررات الجرمية التي تشكل في مجموعها أدلة اتهام أو دفاع، لكي تكون خلفية ومشروعية الدفاع منزهة عن أية شبهة أو مصلحة تسيء إلى شرف المهنة·
هذه التهم التي وجهها قاضي التحقيق في الجلسة الأولى للمتهم صدام حسين هي سبع تهم بالقتل العمد وهي على التوالي:
1 - إبادة الأكراد بالأسلحة الكيماوية في حلبجة·
2 - إبادة الأكراد بالأسلحة الكيماوية في حملة الأنفال·
3 - قمع انتفاضة الجنوب الباسلة في شهر مارس 1991·
4 - إبادة البرزانيين·
5 - قتل وإبادة رجال الدين والشخصيات السياسية·
6 - قتل وإبادة أبناء الجنوب·
7 - غزو الكويت في 2/8/1990·
علما أن هناك تهما أخرى لم تتعرض إليها لائحة الاتهام، سوف نعرج على ذكرها لاحقا·
والآن تعالوا نتوقف عند كل تهمة من هذه التهم الخطيرة الموجهة لصدام حسين، والتي سوف تؤدي في حالة ثبوتها إلى عقوبة الإعدام·
هل فعلا أن صدام حسين واقعا وتاريخا قد غزى الكويت في 2/8/1990 وقام بالإيعاز إلى قواته الغازية بسلب ونهب وقتل شعبها؟ وضمها للعراق، وجعلها المحافظة التاسعة عشرة "إلحاق الفرع بالأصل"؟ وأحرق عشرات من آبار البترول ولوث البيئة؟ علما أنه أقسم بشرفه أمام ملوك ورؤساء الدول العربية بأنه لن يقدم على غزو الكويت؟ مع العلم أنه قد قدم حججا واهية لهذا الغزو، نذكر منها على سبيل الحصر "أن ثورة قام بها أحد الضباط المنتفضين ضد الأسرة الحاكمة وأنه قام بمساندة المنتفضين الأحرار" وحجة أخرى صرح بها أمام قاضي التحقيق وبصوته المتهدج "بأن الكويتيين سرقوا ثروة الشعب العراقي من البترول، وأنهم يتندرون على الماجدات العراقيات ويوجهون إليهن الإهانة بقولهم (سوف نجعل "نخلي" سعر العراقية ما يساوي عشرة دنانير·· فهل هذا يليق بشرف العراقيين والعراقيات)·
وما هو رأيكم أيها السادة ببقية التهم الست التي تسندها مئات الأطنان من الوثائق التي يحتفظ بها العراقيون ومنظمات حقوق الإنسان العراقية والدولية والأمم المتحدة؟ إضافة إلى شهادات الشهود الأحياء الذين فقدوا ذويهم داخل مئات من المقابر الجماعية بطريقة إطلاق النار عليهم ومطالبة أسرهم بدفع ثمن الطلقات التي تقتلهم، ومنع جميع مجالس القراء عليهم·
إضافة إلى جريمة قطع الألسن والآذان ووشم الجباه، وقطع رؤوس النساء المعارضات لسياسة الظلم بتهمة البغاء! هل هذا الدفاع المأساوي حقيقة أم خيال!
وما هو رأيكم بجريمة تجفيف الأهوار التي عمرها سبعة آلاف سنة وتعتبر أكبر بحيرة مائية في العالم وتشريد سكانها منها؟! بعد كل هذا مازلتم لا تصدقون بأن الطاغية صدام دكتاتور مستبد بدد ثروات العراق المادية وأفنى شعبه بحروب كارثية كحرب الخليج الأولى التي شنها ضد الجارة إيران الإسلامية بدافع من الإمبريالية الأمريكية لإسقاط نظام الحكم فيها، وحرب الخليج الثانية التي غزى فيها الجارة الشقيقة الكويت·
إذا كنتم غير مصدقين ذلك إليكم هذه الوقائع التي تكشف نرجسية وسايكولوجية موكلكم و(بطل عروبتكم وقوميتكم!) لتحكموا عليه من خلال "عقولكم النيرة؟" "وإنسانيتكم العالية!" ماذا يا ترى ترمز تماثيل وصور صدام المنتشرة في كل زقاق وحي ودائرة ومؤسسة ووزارة والاحتفالات والتهليل والتطبيل الذي يمارسه زبانية النظام عند رفع الستارة عن تلك التماثيل والصور؟ عدا احتفالات عيد ميلاد الطاغية التي كان يكلف بإعدادها سنويا نائبه الأضحوكة عزت الدوري "أبو الثلج" وتلكف مئات الملايين من الدنانير العراقية في الوقت الذي يعاني فيه الشعب العراقي من نقص الغذاء والدواء والذي كانت نتيجته موت عشرات الآلاف من العراقيين·
لننظر الآن أيها السادة إلى وجه آخر من وجوه الإرهاب، ونعني به التراث الروحي للشعب العراقي الذي تمثله الثقافة العراقية الأصيلة بأعلامها الشعراء والفنانين التشكيليين والكتاب والمسرحيين والمفكرين، كيف تعامل صدام مع رجالات الثورة الوطنية والقومية هؤلاء وهم قادة وممثلو الفكر النير في بلاد الرافدين، لقد أسقط الجنسية العراقية عن شاعر العرب الأكبر الجواهري وكذلك البياتي وبلند الحيدري الذين ماتوا ودفنوا في بلدان الغربة ومات رائد الحركة التشكيلية الفنان فائق حسن في فرنسا وعاد إلينا رماده داخل "قارورة" ليذر ترابه في أرض ومياه وادي الرافدين وماتت رائدة المسرح العراقي الفنانة الكبيرة "زينب" كمدا في بلاد الغربة وكثيرون غيرهم ما زالوا يعيشون في المنفى ممنوعين لغاية اليوم من دخول العراق كالشاعر الكبير سعدي يوسف·
عدا الذين أعدموا وماتوا داخل الوطن كشاعر البصرة الكبير محمود البريكان، يذكر الدكتور جلال كمال الدين في مذكراته، بعد أن قضى في سجون الطاغية عشرة أعوام كيف أن الطاغية صدام حول بعض المثقفين من الأدباء والشعراء إلى أبواق يمجدون اسمه ويرفعونه لدرجة تشبيهه بالله سبحانه وتعالى، أليس هذا تجديفا؟
فهذا الشاعر شفيق الكمال الذي تربى في أحضان نظام الطاغية عضو القيادتين القطرية والقومية يخاطب سيده صدام في شعره ويدفعه الى مرتبة الألوهية قائلا: تبارك وجهك القدسي فينا
كوجه الله ينضح بالجلال
وعلى نحوه سار الشاعر المدلل صاحب الرصيد المفتوح عبدالرزاق عبدالواحد قائلا: أرى في محياك وجه الإله·
وكانت نهاية شفيق الكمالي وابنه "يعرب" بوشاية سجلها عبدالرزاق عبدالواحد على الكمالي حينما قال الأخير قولته المشهورة "قوموا·· جاء الإمبراطور" ويعني به صدام·
وهذا الشاعر كاظم نعمة التميمي يخاطب الطاغية قائلا:
لولا الإسلام والقرآن يعصمني
لناديت باسمك ثلاثا في المآذن
أيها السادة المحامون المدافعون عن صدام حسين هذا هو بطلكم القومي "عبدالله المؤمن" رافع راية الإسلام والعروبة يقف مزهوا ومشجعا شعراء الكذبة الذين يشبهونه بالذات الإلهية·
خسئتم والله·· لقد أساء بطلكم هذا إلى الإسلام ومزق الأمة العربية "وجعلها شظايا وكل جزء من أجزائها أشلاء" كما يقول الشاعر نزار قباني·
أيها السادة المحامون "لجنة الدفاع عن صدام" سأقول لكم حقيقة وخلفية دفاعكم عن الطاغية ولماذا اجتمعتم من مشارق الأرض ومغاربها للدفاع عن دكتاتور غارق حتى أنفه في صحارى مقابره الجماعية إنها "كوبونات النفط" التي كان يغدقها عليكم طوال مدة حكمه التي استمرت خمسة وثلاثين عاما، ومازالت أمواله التي سرقها من الشعب العراقي هي التي جعلتكم تتكلمون وتأكلون متنعمين كالأباطرة ومن دون وازع من ذمة أو ضمير في الوقت الذي يعيش شعبنا العراقي ضحية للجوع والمرض·
وقد قيل: إذا كنت لا تستحي فافعل ما تشتهي·
* عضو الجمعية الوطنية العراقية لحقوق الإنسان