
· طبق "الطائف" انتقائياً فألغى فترة السنتين تحت ذريعة الاحتلال الإسرائيلي
· الدخول السوري زاد من العامل الإسرائيلي حتى وصل الى بيروت عام 1982
· دخلت سورية إلى لبنان بموافقة أمريكية وإجازة إسرائيلية بوساطة الملك حسين
· قال الشرع: "بقطع إيدي إذا تنسحب إسرائيل من لبنان" بس انسحبت ولا قطع إيدو ولا إلسانه وبعدو بيحكي نفس اللغة
· سورية كانت تريد أن تحصد الورقتين اللبنانية والفلسطينية لدخول مؤتمر جنيف الدولي
قال جورج حاوي بأن الدخول السوري صار على أربع مراحل وأنه جاء بطلب من السلطة اللبنانية والمسيحيين وإذا نحن طلبنا ذلك فليس بهذا الوضع، وبين خلال آخر لقاء له في قناة "العربية" (بث في شهر إبريل الماضي ثم أعيد بثه بعد اغتياله) والذي يعتقد بأنه السبب في الاغتيال بأن الوثيقة السورية أدخلت سورية طرفا أساسيا في الحل السياسي في لبنان وكان دخولها العسكري من خلال جيش الصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني·
وكشف أن أمريكا هي من نصحت السلطة اللبنانية بالاستعانة بسورية بموافقة إسرائيلية جلبها الملك حسين في اجتماع عقده سرا مع مناحيم بيغن في السفارة الإسرائيلية في لندن، وبين حاوي أن سورية كانت تريد أن تقبض على الورقتين اللبنانية والفلسطينية كلتيهما لتذهب تحت ما كان يحضر له من مؤتمر دولي لحل أزمة الشرق الأوسط في جنيف ومعها ورقتها "كدولة والهوية" إلا أن الرئيس المصري أنور السادات أحرق المناقصة بعد أن قفز الى تل أبيب والقدس وبالتالي راح وهم مؤتمر جنيف· وأوضح حاوي أن هناك اعتقادا بأن الدخول السوري وسيلة للتخفيف من العامل الإسرائيلي والعكس صار هو الصحيح، حيث زاد الدخول الإسرائيلي الى أن وصل الى بيروت في 1982·
وبين جورج حاوي أن الخطأ الأكبر والتاريخي الذي ارتكبته القيادة السورية وحلفاء سورية في لبنان أنهم لم يبادروا في الأسبوع الأول لخروج قوات الاحتلال الإسرائيلي تحت ضربات المقاومة الوطنية اللبنانية الى طرح إعادة النظر في وجودهم وتطبيق اتفاق الطائف، وكشف أن الرئيس إميل لحود بحث موضوع عودة المعتقلين اللبنانيين من السجون السورية وجدولة الانسحاب السوري وأفشل كذلك مبادرة الشهيد رفيق الحريري لإعادة ميشيل عون من موقع الكرامة والقوة بدلاً من الانكسار وأفشل لحود أيضا محاولة لإطلاق سراح جعجع والتي قال حاوي: أنا قمت بها وجمعت رأيا عاما لتحسين شروط اعتقاله ثم إطلاق سراحه· وأضاف حاوي أنه قال بأنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتلال أفغانستان والعراق لا يمكن استخدام الجنوب مركز ابتزاز واستنزاف لتحرير الجولان، ومزارع شبعا ما هي إلا حجة واهية ومفتعلة لاستمرار الصراع في الجنوب لأجل استدراج التفاوض السوري الإسرائيلي·
وقال حاوي آمل أن تعرف سورية والحكم فيها كيف تتراجع حتى لا تنهار ليس فقط في لبنان بل حتى لا تنهار في سورية وهل تريدون -أي سورية - إقفال لبنان أمام العوامل الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية، اطلعوا؟
وفيما يلي نص اللقاء التلفزيوني:
سوف أتذكر حقائق تاريخية عن الدخول السوري الى لبنان· تقول سورية بأنها جاءت بطلب من السلطة اللبنانية والمسيحيين، ويقول المسيحيون والسلطة اللبنانية إلا إذا نحن طلبنا ولكن ليس بهذا الوضع·
الدخول السوري صار على أربع مراحل، المرحلة الأولى صارت من دون طلب من أحد، أنا وصديقي ورفيقي محسن إبراهيم كنا عند الأستاذ عبدالحليم خدام في بدايات سنة 1976 فأخبرنا أن جيش التحرير الفلسطيني الموجود في سورية اجتاز "المصنع" ودخل لبنان ووصل لحد "ضهر البيدر" وفي ذلك الوقت جئنا بسيارة "كاديلاك" مصفحة مع الأستاذ عبدالحليم خدام والعماد أول حكمت الشهابي رئيس أركان الجيش، على الطريق كل مائة متر جندي من جيش التحرير الفلسطيني وكان الاستنفار على طول الطريق، وعلى "ضهر البيدر" بدأنا نفكر بأن "ما بيسوى نوصل ويشوفونا اللبنانيين جايين مع سيارة سورية والإخوان في القيادة السورية قالوا كمان ما بيسوى يوصلوا ويستقبلهم وزير خارجية لبنان آنذاك قريبي فؤاد نفاع ويشوفون بأنهم منحازون لطرف لبناني، وقبل أن نبادر أن نطلب منهم أنهم ينزلونا على الطريق قالوا جورج عملوا معروف ما تحرجونا انزلوا والحقونا بسياراتكم، هذا قبل أن يطلب منهم أحد وقبل ما أن يستعين فيهم الفريق الذي كان بالسلطة رسميا ومليشياويا·
بدأ هذا الدور يتفاعل واستفدنا منه كقوى وحركة وطنية ومقاومة وفي ظله صارت اجتياحات وتجاوزات أحيانا، وحتى فينا نقول "إن في اليوم الذي كنا فيه نتغدى عند المرحوم الرئيس حافظ الأسد وكمال جنبلاط أنا وعباس خلف ومحسن دلول وآخرين كانت "الصاعقة" و"جيش التحرير الفلسطيني" عند قسم "زغرتة"، اتصل سليمان فرنجية بالرئيس حافظ الأسد ونحن على الغداء مشتكياً والرئيس حافـظ الأسد أبدى أسفه وعدم رضاه عما يحصل، وقال بس أنا ماني قادر أمنع فلسطينيين أشقاؤهم يذبحون في المخيمات أو غير مطرح من أنهم يتحركون اتفقوا على أن يطلع الرئيـس المرحوم سليمان فرنجية والمرحوم الشهيد رشيد كرامي وفعلا طلعوا وصارت الوثيقة الدستورية·
إذاً مد يد سياسية وضغط عسكري· الوثيقة الدستورية دخلت سورية طرفا أساسيا في الحل السياسي في لبنان، وبالتالي كان دخولها العسكري من خلال جيش التحرير والصاعقة والقوى الحليفة لها فلسطينا ووطنيا دخولا عسكريا·
هنا جاءت المرحلة الثانية وهي الخلاف السوري الفلسطيني، والخلاف السوري والوطني اللبناني - الفلسطيني الذي تخطى اتفاق الوثيقة الدستورية، وأراد أن يكمل برنامج الإصلاح من قبل الحركة الوطنية بس بدأ بسياسة التوازن التي اعتمدتها سورية وانتقلت التحالفات بدل أن تكون بين الفلسطينيين واليسار من جهة وسورية من جهة ثانية الى تحالفات بين سورية والفريق المواجه للفلسطينيين كي يمنعوا امتداد الحركة اليسارية الفلسطينية وهذا نتيجة تفوق القدرة العسكرية والقتالية للتحالف الفلسطيني اليساري الوطني اللبناني بقيادة كمال جنبلاط استعان الفريق الحاكم آنذاك السيد (بيار الجميل الأب) استعان بسورية وبالأمريكيين، أمريكا نصحتهم بالاستعانة بسورية لأنها الأقرب· وهكذا جاء الدخول السوري الثاني بطلب من السلطة اللبنانية رئيس الجمهورية وفريقه مجازا أمريكيا، حتى أنني قلت سابقا بأنه مجاز إسرائيليا حيث تولى المرحوم الملك حسين جلب الموافقة الإسرائيلية في اجتماع عقده سرا مع مناحيم بيغن في السفارة الإسرائيلية في لندن وبلغة الى المرحوم حافظ الأسد، وبالتالي هذا الدخول كان مساعدة أمريكية للسلطة اللبنانية ومجازا إسرائيليا وهو موجه ضد الحركة الوطنية وضد الفلسطينيين وحصل ما حصل خلاله وصولا الى استشهاد كمال جنبلاط والى الخلل الداخلي الذي كان مستمرا لولا زيارة السادات للقدس، لأن سورية كانت تريد أن تقبض على الورقة اللبنانية كليا والورقة الفلسطينية كليا لتذهب تحت ما كان يحضر له من مؤتمر دولي لحل أزمة الشرق الأوسط في جنيف ومعها ورقتها "كدولة والهوية" وكذلك ورقتي لبنان وسورية وكانت الصحف الغربية تكتب "أسد سورية الكبرى"·
فوجئت سورية بأن الرئيس أنور السادات حرق المناقصة وقفز الى تل أبيب مباشرة الى القدس وبالتالي راح وهم مؤتمر جنيف وأصبح في واقع تسوية ليست في صالح سورية فتغير كل شيء، كلنا قد تلقينا في ذلك الوقت إنذاراً وتهديدا بالقتل في ذلك الأسبوع، وأعطينا مدة أسبوع ولكن تم الاتصال فينا أن السادات راح القدس فتعالوا يا جورج ويا محسن ويا وليد جنبلاط وياسر عرفات ويا أبو الجهاد وأبو الهول وأبو إياد وأبو اللطف نبحث مواجهة زيارة السادات للقدس·
بدأنا في المرحلة الثالثة: التعاون الفلسطيني والوطني اللبناني والسوري لمواجهة السادات وحلفاء سورية السابقين في لبنان، وهكذا يوم مع السلطة الفلسطينية ويوم مع بشير جميل الى أن دخلت، أنا برأيي أنها لم تحسن إيجاد تسوية لبنانية في ذلك الوقت فبدأ تناقضها ليس معنا فقط ونحن في هذا الجانب بل أيضا مع القوى التي استعانت بها وبدأت العمليات العسكرية ضدها وصار الحادث الشهير في الفياضية ثم بدأت العمليات في الأشرفية والقتال الذي نشأ بين قوات لبنانية وتحالفاتها وبين سورية في تلك المرحلة والذي مع الأسف كنا ننظر له أن هذا سيعزز موقعنا بدل أن نراه أنه سيكون مدعاة تفكك داخلي يسمح للعالم الخارجي في التأثير أكثر فأكثر·
العنصر الإضافي أنه يجري اعتقاد عند البعض أن الدخول السوري هو وسيلة تخفيف من العامل الإسرائيلي، لكن العكس صار هو الصحيح، الدخول السوري زاد من العامل الإسرائيلي الى أن وصل التدخل الإسرائيلي في احتلال أول مرة عام 1978 حيث دخل جيش لبنان الجنوبي ثم في 1982 كان الوصول الى بيروت، هكذا مرت هذه العلاقة بهذه التموجات انتهت عندها حالة التعاون والتوافق بيننا وبين سورية في مواجهة آثار ونتائج احتلال 1982 ثم 7 آيار ثم حرب الجبل التي كانت في هذا السياق، وبقي موضوع عون والقصف الداخلي الى الطائف·
"الطائف" وضع الحد مشكورا للنزيف الداخلي والتفتت وبناء الدولة ووضع أسسا لتنظيم هذه العلاقة منها: أنه لفترة سنتين تنسحب سورية بعد الإصلاحات التي لم يذكر ضمنها إلغاء الاتفاق بعض الإصلاحات وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وانتخاب المجلس النيابي وسوى ذلك الى البقاع ليعاد النظر في صيغة وشكل ومآل وجود الاتفاق بين الدولتين، الذي حصل نتيجة اغتيال الشهيد رينيه معوض ونتيجة رفض العماد عون للطائف ومعارضته وممانعته لهذا السياق، ثم نتيجة تطورات إقليمية تجلت بذلك الجنون الصدامي باجتياح الكويت، وبالتالي بحاجة أمريكا لتغطية عربية لحرب الخليج الأولى أعطتها إياها مصر طبيعية ولكن أعطتها سورية أيضا بإرسال فرقة رمزية لذلك أخذت من الأمريكان وبإذن إسرائيلي حق إسقاط العماد عون عسكريا وبالتالي انفردت بتطبيق اتفاق الطائف سياسيا خارج إطار اللجنة الثلاثية التي كانت مكلفة من الجامعة العربية، وعسكريا من خلال كون جنودها وجيشها هم الذين حسموا العقبات التي حالت دون تطبيق "الطائف"·
وبنيت على هذا الأساس الدولة اللبنانية كلها بمؤسساتها وسياساتها وأركانها وخدماتها على محور الوجود السوري المحتضن أمريكيا وبتوكيل أمريكي سعودي، يعني أصحاب "الطائف" وكلوا سورية أن تقوم هي بمهمة تطبيق "الطائف"، فتحول "الطائف" من "طائف" عربي سوري يقبل بموافقة دولية الى "طائف" سوري يحظى بتوقيع عربي، بهذا السياق سقطت جميع الحواجز الداخلية والخارجية أمام الوصاية السورية، سقطت عسكريا بسقوط ميشيل عون و"بعبده" وسقطت سياسيا كون الأطراف التي عارضت اتفاق الطائف لم يعد لها الوجود الفعلي على الأرض، وبالتالي احتضُن "الطائف" من البطرك وسمير جعجع والقوات اللبنانية ومن الأطراف المختلفة·
ولكن "الطائف" الذي كان توازنا لبنانيا ما وعربيا ما اختل وطبق بلا توازن لبناني حيال طرفين: حيال الشباب الصاعد والاتجاهات اليسارية والديمقراطية التي كانت تطمح أن تؤدي هذه الحرب الأهلية رغم التدخلات الخارجية السياسية الى إصلاح حقيقي ينقل البلاد من ولادة الطوائف والمذاهب الى الوطن، ثم كانت تأمل أن المقاومة التي نهضت على يد اليسار ونحن تحديدا كشيوعيين وأنا شخصيا ودورنا في هذا السياق لتتوسع فيما بعد الى حزب الله، الى "أمل" الى حركة شعب بأسره أن تكون تحريرا للجنوب وتأسيسا لحالة تطوير في النظام الداخلي نحو وحدة وطنية لبنانية حقيقية، مع الأسف الشديد "الطائف" طبق بشكل انتقائي لم يلغ هيمنة ما ليقيم وطنا بل ألغى هيمنة سميت المارونية السياسية ليقيم هيمنة إسلامية عامة وشيعية خاصة فتبدو الآن عارية بعد سقوط جانبي المشاركة في هذا الجانب ألا وهو الجانب السني المتمثل بالمرحوم الشهيد رفيق الحريري ومشاركة وليد جنبلاط الدرزية لتبدو الصورة الحقيقية للحالة الشيعية التي تحمل علاقتها كل وزر الوضع اللبناني، ثم طبق اتفاق الطائف انتقائيا أيضا فيما يتعلق بالوجود السوري فألغى فترة السنتين تحت ذريعة الاحتلال الإسرائيلي، نحن كنا متواطئين في هذا الشيء وكان برأينا والبطرك نفسه قال إنه لم يكن مناسبا في مرحلة النضال لإخراج العدو أن تطالب بإخراج الحليف، ولكن الخطأ الأكبر والتاريخي الذي ارتكبته القيادة السورية وحلفاء سورية في لبنان أنهم لم يبادروا في الأسبوع الأول لخروج قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب تحت ضربات المقاومة الى طرح إعادة النظر في شكل وجودهم وتطبيق اتفاق الطائف بل على العكس - أنا بدي أقول بصراحة - كانت القيادة السورية وقد عبر عن ذلك مصطفى طلاس وفاروق الشرع غير متوقعين إطلاقا لإمكانية إخراج الاحتلال قوات الإسرائيلية من الجنوب اللبناني بفعل المقاومة، وقال مصطفى طلاس بأنها هدية كبيرة لا أعتقد إسرائيل تستطيع أن تعطيها للمقاومة، وكأنها هدية وليست هزيمة إسرائيلية بفعل المقاومة وقال فاروق الشرع في اجتماع مجلس الوزراء في سورية وفي اجتماع الجبهة الوطنية القومية "بقطع إيدي إذا تنسحب إسرائيل من لبنان" بس انسحبت وما قطع إيدو ولا قطع إلسانه وبعدو بيحكي بنفس اللغة مع الأسف التي يجب أن يحاسب عليها، سورية لم تدرك أن هناك تحولا ما في المزاج اللبناني الذي احتمل التجاوزات منا ومن سورية ومن المقاومة لم يعد يحتمل الآن مبرر هذا الوجود سياسيا وعسكريا وأمنيا والذي أدى الى بيان شهير لمجلس المطارنة لم يظهر على حقيقته بل بالعكس قوبل ببيانات من خلية حماس ولكن الرئيس نبيه بري قام بمبادرة آنذاك للاتفاق مع المسؤولين السوريين إجا لبكركي وعرض أمرين الأول موضوع المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وإطلاقهم والموضوع الثاني جدولة الانسحاب السوري تحت عنوان إعادة الانتشار، مع الأسف إحباط هذه المحاولة التي كانت حلا جاء من السلطة اللبنانية وتحديدا من الرئيس إميل لحود الذي هدد بالاستقالة لكون هذه الأمور جرت من دون معرفته وكأنما كل شيء يجب أن يمر عبره ولا شيء يمر عبره لأنه كان له وجهة نظر معينة في طريقة استخدام هذا الوجود السوري لتعزيز المواقع وليس لبناء وطنية لبنانية تستغني عن الدعم الخارجي، أفشل كذلك الرئيس لحود أيضا مبادرة قام بها الشهيد رفيق الحريري هي إعادة عون من موقع الكرامة والقوة وليس كما سيجري من موقع القهر للنظام وأفشل أيضا محاولة لإطلاق سراح جعجع والتي أنا قمت بها وجمعت رأيا عاما لتحسين شروط اعتقاله ثم إطلاق سراحه، أفشلها تحت وجهة نظر ضيقة هي في النهاية تأييد الاستفادة من الوجود السوري في تعزيز نوع من السيطرة متماثل مع التقاليد والتراث وطبيعة المجتمع اللبناني التعددي والتنوعي والحر إذا ما بدك أن تقول ديمقراطية بالمعنى المتطور لكلمة ديمقراطية، وصارت هنا المكابرة وكأنهم أحرار في إعادة انتشار ألف هنا وألفان هناك، في وقت كنا بحاجة الى جدية إعادة النظر في استراتيجيتين سقطتا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقلت لهم بصراحة إنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر واحتلال أفغانستان والعراق خاصة لا يمكن استخدام الجنوب مركز ابتزاز واستنزاف لتحرير الجولان·
ومزارع شبعا ما هي إلا حجة واهية ومفتعلة في استمرار الصراع في الجنوب لأجل استدراج التفاوض السوري الإسرائيلي الأمر الذي دفعني أكثر من مرة القول بأننا لسنا بحاجة الى التفاوض حررنا أرضنا من دون تنازلات، فلماذا وحدة المسار ستدفعنا الى التنازل بتوقيع سلام مع إسرائيل؟ وهذا ما قلته للرئيس بشار الأسد بأن ستقع كارثة إذا لم يكن لسورية أوراق قوة غير الجنوب ومزارع شبعا لتحرير الجولان بمعنى أننا مستندون عليكم وصار الآن غير بوابة الجنوب وغلط استخدامه لأنه مش غلط على الحركة في الجنوب في تحرير مزارع شبعا مع حقها لتحريرها "فما حدا يضحك على ذقن حدا" إذا مش مزارع شبعا أو القرى السبع أو أي حجة أخشى معها أن تكون وسيلة لإسقاط الجنوب وبيروت وإسقاط دمشق·
الاستراتيجية الثانية التي سقطت ولم ينتبه لها الإخوان السوريون "وآمل أن يطلع هذا الروبرتاج قبل ما يفوت وقتها"، سقطت استراتيجية التهديد بالحرب الأهلية من أجل ضمان السلم الأهلي ووجودهم هو الذي يضمن السلم الأهلي وقلت لهم بعد احتلال العراق وبعد هذا "سمكة القرش" الأمريكية في البحر المتوسط التي تبحث عن فريسة ثانية هي لبنان وسورية، فيتم استدعاء مجلس الأمن وتستدعي القرار 1566 وليس القرار 1559 ويجري العمل الآن والتحضير في ظل ملابسات اغتيال الشهيد رفيق الحريري وما ستكشفه لجان التحقيق حتى أبسطها من إهمال وتقصير ومحاولات إخفاء الجريمة، إذا لم تكشف المسؤولية المباشرة التي ستظهر لاحقا·
نعم لبنان هو بقعة الضوء الأمريكي والفرنسي والإسرائيلي والأوروبي والعالمي وباسم الأمم المتحدة فعلينا أن نعقل وأن نرى مع الأسف دعوة للحوار قبل التجديد كانت منطلقة من الفهم للواقع الجديد الذي خلفته أحداث 11 سبتمبر وتداعياتها ووصولا الى احتلال العراق على منطقة ما فيها فكر أو عقل، لا· تجديد بالقوة والضغط وانتزاع الأكثرية المطواعة وغير المطواعة الممانعة بس بالأخير مابدها تواجه سورية ثم بعد التجديد تصعيب المهمة أمام رفيق الحريري ثم تشكيل حكومة فئوية هدفها فقط القول إن كل الذين تصدوا للتجديد بدو يتكسر راسهم ثم عاد وليد جنبلاط بشكل أساسي وإحاطة الحكومة ببعض التافهين الذين كل هدفهم فقط عزل وليد جنبلاط ثم شتيمة الحريري وتكسير وقطع الرؤوس الى آخره من الوزراء والنواب ومن نائب رئيس المجلس النيابي ومن سواهم وفي هذا السياق حادثة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومحاولة إخفاء الجريمة بدلا من معالجتها بشكل سليم·
وصلنا لحالة أنهم لم يعرفوا كيف يتراجعوا فهم أمام الانهيار والتراجع· والعسكري الذي لا يضع خطة للتراجع كما يضع خطة للهجوم هو عسكري فاشل وساقط في عـــلـــم العــســكر وعلم السياسة·
كان يجب أن يدرج كيف تتراجع سورية وكيف يتراجع الحكم القائم على محورها منذ ما قال الرئيس الحكيم علي عبدالله صالح "يا إخوان تعالوا لنحلق قبل ما يحلقونا" وأنا قلت في دمشق بالذكرى السنوية لوفاة الصديق عبدالله الأحمد عضو القيادة القومية السابق، يجب أن ندرك عن ماذا يجب أن نتنازل وعن ماذا يجب أن نتمسك فنهيئ أنفسنا لمواجهة جديدة ولا يجب أن نعتبر دعوة البطرك الماروني الى الحوار هي دعوة ضعف بل العكس هي حالة كرم تمتد في ظل إدراكه لمسوؤلياته الوطنية والقومية· وقلت لماذا تنظرون للديمقراطية على أنها عقوبة أمريكية بينما هي سلاحنا الأفضل في مواجهة أمريكا والتدخل الخارجي·
مع الأسف كل دعوة العقل هذه راحت وصرنا أمام واقع والذي لا يعرف كيف يتراجع ويحمي نفسه سينهار، وجرى أول انهيار·
آمل أن تعرف سورية والحكم الذي بني على قوتها في لبنان كيف تتراجع الآن حتى لا تنهار ليس فقط في لبنان بل حتى لا تنهار في سورية نفسها، لأنني لست من أنصار انهيار هذا الحكم في سورية هذا الحكم العلماني الذي يأتي على أنقاضه كل طائفي ومذهبي وإخوان مسلمين سيدفع اللبنانيون ثمنها غاليا ومسيحيو لبنان خاصة وديمقراطيو لبنان وغيرهم، فمن موقع حرصي على وحدة لبنان وعلى إغلاق لبنان على التدخلات الخارجية وعلى التعاون اللبناني السوري، أدعو السوريين الى معرفة كيفية التراجع حتى تبنى علاقات تحالفية حقيقية لاحقا·
مش صحيح أن اللبنانيين لا يحكمون أنفسهم· إما تحكمهم سورية أو إسرائيل أو أمريكا· اللبنانيون حرروا أرضهم وسورية لم تحرر أرضها بعد، اللبنانيون طلائعيون في العروبة والعرب الآخرون حطوا تنازلات وصلت الى التنازل عن سيادتهم وقرارهم الوطني مقابل استعادة بعض أرضهم، واللبنانيون عريقون أيضا بالديمقراطية ومش صحيح إن هناك خطر في خروج سورية أن يحدث عدم استقرار، بالعكس استمرار الصيغة السابقة من الوجود السوري ومن استخدام الجنوب ستكون مدعاة لإعادة العامل الإسرائيلي والأمريكي والأوروبي الى الساحة اللبنانية، هل تريدون إقفال لبنان أمام العوامل الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية؟ اطلعوا·
نحن بدنا علاقات من نوع جديد، على قاعدة وطنية لبنانية وليس حكم سورية للبنان ولا استبداله بحكم أمريكي وإسرائيلي·
وبثقة أقول إن مسيحيي لبنان، وأنا لا أنطق باسمهم، فأنا علماني ومقاوم وأكثر ما أكون الى جانب سلاح المقاومة، بس إن مسيحيي لبنان جربوا العلاقة مع إسرائيل وفشلوا وعادوا وهم مدركون أن إسرائيل عدو وأن هناك إجماعا لبنانيا على العداء الإسرائيلي، لماذا يصر البعض على تصوير أنه مازالت لإسرائيل مواقع في الساحة اللبنانية وهم يحاولون تبرير سياسة العلاقة الغلط بيننا وبين سورية، بالقول إنه إذا طلعت سورية بتفوت إسرائيل، إذا بقيت سورية بقيت إسرائيل بمعنى الدخـول المجتمعي وليس فقط الدخول العسكري؟


