رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 22 جمادى الأول 1426هـ - 29 يونيو 2005
العدد 1684

البدوي.. الكاتب الحقيقي للقصة التي تحولت إلى فيلم سينمائي

بقلم: علي عبداللطيف وليلى محمود البدوي

في أثناء عمل البدوي في مصلحة الموانىء والمنائر في مدينة السويس عام 1934، شاهد رجلا كهلا يجلس على حافة القناة في بور توفيق وبجانبه كلبه·· وهو في جلسته هذه لا يغير مكانه·· ولا نظرته إلى السفن العابرة··

وحدثت حادثة في منارة من منائر المصلحة، إذ تعارك ملاحظان في تلك المنارة حتى سالت منهما الدماء، وسافرت الباخرة "عايدة" (ضربت في الحرب العالمية الثانية) لإحضارهما·

وسمع البدوي بالحادثة·· فأخذ ذهنه يعمل بسرعة·· وتذكر صورة الرجل العجوز الذي يشاهده كل صباح وهو ذاهب وراجع من العمل·· وتكونت قصة "رجل على الطريق" ونشرها في مجموعته القصصية التي تحمل عنوان "العربة الأخيرة" في شهر يونيو 1948·

وقد تناول البدوي في هذه القصة رجال الفنار المنقطعين عن زوجاتهم وما ينتابهم من ملل وضيق في شخصياتهم، شخصية الزوج الذي ترك زوجته الحسناء منفردة، وشخصية هذه الزوجة التي تعاني من بعد زوجها عنها والزميل الذي يحمل رسالة إلى زوجة زميله في المدينة وما ترتب عليه من قيام صراع وشك قاتلين في نفس الزوج·

وركز البدوي في قصته على وجود كلب مع الرجل الذي خان زميله ثم قتله وعاش في عذاب من الندم وتبكيت الضمير، وبعد خروجه من السجن قطع ما بينه وبين الناس ولم يعد يطيق إلا حيوانا أليفا وفيا لكي يعيش معه·

ü ü ü

وفي بداية عام 1971 رن جرس التليفون في بيت البدوي وأخبره المتحدث بأن قصة فيلم "زوجتي والكلب" المعروضة في السينما هي قصة "رجل على الطريق"·

ü ü ü

وأثيرالاهتمام على صفحات الجرائد والمجلات المصرية وفي ساحات القضاء: ففي صحيفة الأخبارالصادرة في 10/12/1971 تحت عنوان "المخرج يرد على الاتهام·· ويدافع عن نفسه·· لم أسرق قصة "زوجتي والكلب"·· واسألوا "عطيل"!

ويقول الخبر: سعيد مرزوق مخرج فيلم "زوجتي والكلب" يرد على الاتهام الذي وجهه إليه محمود البدوي بأنه أخذ قصة "رجل على الطريق" المنشورة منذ سنوات وأخرجها للسينما باسم "زوجتي والكلب" بعد أن وضع عليها اسمه باعتباره المؤلف·

إن المخرج يرد عن نفسه الاتهام ويقول:

أنا لم آخذ فكرة الفيلم من البدوي، وإنما من عطيل بطل مسرحية شكسبير الشهيرة، فالفيلم كله يدور حول شكوك زوج في زوجته، تتحول إلى جحيم يحطم حياته، لأنه أولا: يعيش بحكم عمله في فنار بعيدا عن زوجته الصبية الفاتنة، وثانيا: لأن له ماض من المغامرات مع نساء متزوجات·· وها هو الماضي يصبح عبئا ثقيلا على حاضره، يطارده، ويجعله يشك في زوجته ويتوهم أنها تخونه مع شاب مراهق يعمل مساعدا له، وكان قد أرسله برسالة إلى زوجته·

ويواصل المخرج دفاعه عن نفسه·· ويقول "بدأت فكرة الفيلم في ذهني على أساس أن يكون بطلها رجلا يعمل في الصحراء بعيدا عن زوجته، ويتعذب بالشك، وعندما عرضت الفكرة على المصور السينمائي عبدالعزيز فهمي، اقترح عليّ مكان عمل البطل إلى فنار منعزل على شاطىء البحر، وفعلا ذهبت معه إلى فنار شدوان على شاطىء البحر الأحمر وكان ذلك منذ حوالي عامين، وهناك أردت أن أعيش الفكرة بنفسي وأن أطابقها بالواقع من خلال الحياة اليومية لهؤلاء الناس الذين يعملون في الفنار، وحتى هذه اللحظة كانت فكرتي أن يكون البطل شخصا واحدا تعذب بالشك، لأن شخصية عطيل كانت في ذهني، ولكن عندما سافرت إلى شدوان، استرعى انتباهي شاب أعزب يستغرق في أحلامه، وبعدها قررت أن أجعل للفيلم شخصين رئيسيين: الرجل المتزوج وغريمه الشاب العزب·

وأيضا وجدت رجلا يعمل في هذا الفنار ومعه رسالة ينتظر أن يبعث بها إلى زوجته مع أحد زملائه عندما يسافر عائدا إلى القاهرة·

كان هذا بالنسبة لي شيئا مثيرا، فقد كنت أعيش الواقع بتفاصيله كلها ولم أكن أحتاج إلى أكثر من ذلك، فذهبت إلى الغردقة وأمضيت فيها 4 أيام انتهيت خلالها من كتابة سيناريو فيلم "زوجتي والكلب" وأحب أن أؤكد أنني لم أتقاض مليما واحدا من مؤسسة السينما باعتباري مؤلفا لقصة الفيلم، فأنا لم أكتب قصة ولا أدعي لنفسي أنني كاتب قصة، بل إن الفكرة التي دارت في رأسي تحولت على الورق مباشرة إلى سيناريو وحوار·

لماذا يوجه إليّ الاتهام إذن؟ إنني لا ألوم الأديب محمود البدوي لأنه وجه لي هذا الاتهام، فلو كنت مكانه لشعرت بالضيق لأن بعض ملامح قصته قد تلتقي مع بعض ملامح الفيلم، ولكن ضيقه سوف ينتهي لو قرأ دفاعي وسوف يرى معي أن فكرة الفيلم شيء وقصته شيء آخر"·

وتداولت القضية في ساحات القضاء·

وفي 29/7/1975 ورد خبر في صحيفة الجمهورية المصرية يقول "القصاص محمد البدوي حكم ابتدائيا لصالحه في القضية التي أقامها ضد مؤسسة السينما والمخرج سعيد مرزوق الذي زعم لنفسه قصة "زوجتي والكلب" وفي تفاصيل ثبت للمحكمة من تقرير الخبير: ومشاهدة الفيلم: أن الرواية المعروضة مأخوذة نصا وروحا بكامل أحداثها من قصة "رجل على الطريق" التي نشرها  محمود البدوي في مجموعته القصصية التي تحمل اسم "العربة الأخيرة" حكم للبدوي بتعويض 1000 جنيه"·

ويقول محمود البدوي في الحوار بمجلة الكواكب بعددها 1791 الصادر في 26 نوفمبر 1985 "كنت أتمنى أن يكون هذا الحكم على مؤسسة السينما·· لكن الحكم جاء  على الأستاذ "سعيد مرزوق" وحده·· شعرت "بالقرف" ولم أنفذ الحكم·· والدعوى كانت برقم 70987 لسنة 1972 كلي شمال دائرة 2 محكمة شمال القاهرة الابتدائية والحكم صدر بالجلسة المدنية في المحكمة في يوم الاثنين الموافق 17/2/1975·· وأنا "قرفت" بمجرد معرفتي بعدم الحكم على المؤسسة وهي المسؤولة الأولى مائة في المائة·· لأنها هي التي صرفت عليها وطلعتها·· فكان الأجدر بها في ذلك الوقت أن تعيد إليّ كافة حقوقي المادية والأدبية بمنطق الأخلاق والنزاهة"·

 

المراجع:

* محمود البدوي والقصة القصيرة·· للكاتب علي عبداللطيف·· مكتبة مصر 2001، ص· "الأخبار" الصادرة في 10/12/1971، ص· "الجمهورية" الصادرة 29/7/1975، م· "الثقافة"·· العدد 49 أكتوبر 1977، م· "الكواكب" العدد 1971 في 26 نوفمبر 1985، قصة "رجل على الطريق" منشورة في كتاب العربة الأخيرة·· طباعة مكتبة مصر سنة 1948 وأعيد نشرها في سلسلة الكتاب الذهبي عام 1961·

طباعة  

وتد
 
قصة:
 
إصدار
 
المرصد الثقافي