أوقفوا نهر الكلب!
نشمي مهنا
الموت في بلاد الرافدين أعمى، يخطف الأرواح من أرصفة الشوارع ونوافذ البيوت وحجراتها، من صفوف المصلين وطوابير الفقراء المطحونين، يخطفها بعشوائية حاقدة· وبمثل هذا الحقد إنما بانتقائية وتقصّد يختار ضحاياه في لبنان·
وجهان للموت غريبا السحنة، لا يُحتملان·
بات "من التالي؟" سؤالا لبنانيا جارحا وبغيضا، له لمعة النصل القادم إليك، يقتلك قبل أن ينغرس في جسدك، وقبل أن يعطيك فسحة من شهقة·
قاتلٌ ليلُ التوقع والانتظار والتلفت· قاتلٌ نهاره· قاتلٌ زمنه· قاتلٌ أن تجهل مكمنه وزواياه، وقاتلٌ إذ لا تعرف على أي خيار من جسدك سيقع حدّه اللامع·
بغيض هذا السؤال الذي كأنه يقوِّلك "نجاح" فعل قاتليك·
"من التالي؟" سؤال بغيض، كوجه قاتلك، كيديه، كعينيه، كسريرته، كعفونة نفسه، كشروره، كوَرم أحقاده··
وكخوفه العميق من القادم إليه، القريب منه·
* * *
الى أن يتوقف نهر الدماء··
الى أن تنفق الكلاب المسعورة الخائضة في مياه النهر وأنفاسه الصافية·
حقنا في الخوف الإنساني يشرّع لنا إعادة السؤال، لنظل نخاف ونسأل، عن سلامة الضحايا المرشحين للقتل أكثر من السؤال عن القتلة، ونغلِّب الاطمئنان على الشواهد المتحركة في ساحات الحريات على فضولنا بمعرفة هويات الجناة المتخشبين في ليل دسائسهم·
عن جبران تويني والياس عطا الله وبول شاوول ووليد جنبلاط ومروان حمادة (مجددا) وعقل العويط وميشال عون وغيرهم
لا عن آلة القتل وأسماء عمّالها·
* * *
كل دم يسيل يروي أخبار صاحبه في لبنان· تفاصيل حكاياته الغائبة· يروي شموسه وأقماره· روائح غاباته، عناد ينابيعها·
يروي مواقف الضحية وجرأته· فصله الأخير·· كل دم يسيل·
وتروي أيام جورج حاوي الأخيرة قبيل الغدر، أنه كان يحتفظ بلائحة سوداء بأسماء المرشحين للتصفية، تحصَّل عليها من أصدقائه، لكن أحدا لم يروِ (ولا الأيام الأخيرة روَت) شعوره حينما رأى اسمه وترتيبه في اللائحة؟ ماذا ارتسم على عينيه المشعتين؟ كيف طواها بقبضته الواثقة ليضعها في جيبه قرب قلبه المطمئن، الذي لم يخذله طوال سنوات النضال·
"من التالي؟" سؤال جارح وبغيض، لكن يحق لنا طرحه، ويحق لنا الخوف، الى أن يتوقف النهر، وتنفق أو ترحل كلابه·
nashmi22@hotmail.com