رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 7 جمادى الآخر 1426هـ - 13 يوليو 2005
العدد 1686

نعوم تشومسكي يفتح النار على التحالف بين الدول والشركات:
الشركات العالمية الكبرى أدوات بيد الطغاة

                                                                                  

 

·         الدولة القومية.. اختراع أوروبي دفعت الشعوب ثمنه ملايين الضحايا

·        لا تنافس حقيقيا بين الشركات الكبرى بل اتفاق  على حساب البسطاء

·         معظم صراعات عالم اليوم ناتجة عن محاولات الأوروبيين فرض نظام الدولة القومية

·        لماذا تزامن إعلان "دويتش بانك" عن أرباح وصلت الى 2,5 مليار دولار مع خطط لتسريح 6 آلاف موظف؟

·         نظام بريتون وود يقوم على السيطرة على رأس المال وتثبيت أسعار العملة

·         الانتخابات وحدها لا تجلب الديمقراطية للعراق ولا تنهي مشاكل أمريكا هناك

·       المساعدات  الإنسانية التي تقدمها الشركات الكبرى.. نفاق ودعاية

·         أمريكا وبريطانيا تدخلتا بعد الحرب لمنع قيام ديمقراطية حقيقية في إيطاليا وألمانيا واليابان وفرنسا

 

أجرى موقع Znet الإلكتروني لقاء مثيرا مع المفكر وعالم اللغويات اليهودي الأمريكي نعوم تشومسكي، تتطرق فيه الى مجموعة من القضايا الهامة بدءا من ظهور الدولة القومية والظروف والخلفيات التي قادت اليها وعاقتها بقيام حربين عالميتين طاحنتين بين الأوروبيين·

أما الموضوع الثاني فيتعلق بالشركات متعددة الجنسيات ونفوذها في العالم وعلاقتها بالدولة وتأثيرها على اندلاع الحروب وصنع السلام في العالم، واتهم هذه الشركات بأنها وضعت نفسها "أداة" في يد "طغاة" الدول الكبرى·

وشككّ تشكومسكي بوجود تنافس حقيقي بين الشركات الكبرى بدليل أنها تنفذ مشاريع مشتركة، ويرى أن شركات مثل "سيمنز" و"آي· بي· إم" و"توشيبا" تتعاون على حساب العامة باستخدام قوة الدول الكبرى، واتهم الشركات الكبرى بالنفاق حين تقوم بنشاطات إنسانية لأنها - في الواقع - تفعل ذلك من أجل الدعاية والترويج لمنتجاتها·

وكشف هذا المفكر الأمريكي المعارض لمؤسسات الحكم التقليدية، النقاب عن تدخل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية في إيطاليا وألمانيا وفرنسا واليابان لإضعاف الحركات المناهضة للفاشية وسحق الحركات العمالية الشعبية·

وهاجم تشومسكي السياسية الأمريكية - البريطانية في العراق ووصف الانتخابات بأنها محاولة لإظهار إحراز تقدم في الوقت الذي تواجه فيه قوات الاحتلال مشكلات تفوق تلك التي واجهتها قوات الاحتلال النازية في أوروبا إبان الحرب العالمية الثانية·

وفي ما يلي نص المقابلة:

 

·     نود الحديث عن هيكلي القوة المهيمنيّن في العصر الراهن وهما الدولة القومية والمؤسسات الانتقالية· السؤال الأول: هل يمكنك الحديث عن ظهور مفهوم الدولة القومية؟ ولماذا أنشئت وما عواقب ذلك؟

- حسنا· الدولة القومية هي اختراع أوروبي· لقد كانت هناك أشياء مشابهة ولكن الدولة القومية في شكلها الحديث هي من صنع أوروبا على مدى قرون، وهو شكل مصطنع وغير طبيعي لدرجة اقتضى معها فرضه بالعنف، وفي الواقع هذا هو السبب الأولي الذي جعل أوروبا القارة الأكثر وحشية في العالم على مدى قرون· لقد كان ذلك لأن البعض حاول فرض الدولة القومية على الثقافات والمجتمعات المختلفة والتي كانت ترى ألا علاقة لها بهذا الهيكل المصطنع·

وفي سياق إقامة الدولة القومية، بلورت أوروبا ثقافة اتسمت بالوحشية وتكنولوجيا العنف مكنتها من اجتياح العالم وحينما احتلت أنحاء المعمورة، حاولت أوروبا فرض نظام الدولة القومية أينما حلّت· وحين تنظر الى الصراعات الكبرى في عالم اليوم، تجد أن معظمها نتاج لجهود أوروبا لفرض هذا النظام· أما الاستثناءات القليلة لذلك  فهي أماكن الاستعمار الأوروبي، حيث تم القضاء على السكان الأصليين كما هي الحال في الولايات المتحدة وأستراليا· وهناك تجد مجتمعات أكثر تجانسا· ومن ناحية أخرى، فإن السبب الرئيسي الذي جعل الصراعات الوحشية في أوروبا تنتهي في عام 1945 هو إدراك الأوروبيين أنهم إذا استمروا في هذه اللعبة أكثر من ذلك، فإنهم سيقضون على بعضهم· ولذلك، نجد أن السلام حلّ في أوروبا منذ عام 1945، ولم يعد الألمان والفرنسيون يعتبرون قتل بعضهم هدفاً بعد ذلك اليوم·

وفي سياق تطور نظام الدولة القومية،  تطورت كذلك العديد من الترتيبات الاقتصادية والتي تحولت قبل نحو قرن من الزمن الى ما أصبح يُعرف بالرأسمالية المعاصرة المرتبطة بشدة بالدول القوية، ولذلك، لايمكنك اليوم فصل الدول القوية المتمثلة بالدول الصناعية الكبرى الثماني والتي هي في الواقع دولة واحدة أو ثلاث دول في أحسن الأحوال، عن هذا التاريخ، ومن الممكن التمييز بين الدول المهيمنة على العالم المعاصر ونظام الشركات العالمي·

أدوات وطغاة

وفي الواقع، وصف جيمس ماديسون قبل قرنين وفي مرحلة مبكرة جدا من الرأسمالية المعاصرة، علاقة الشركات بالحكومات بأنها أشبه بالعلاقة بين "الأدوات والطغاة" وقال إن الشركات هي "أدوات وطغاة" الحكومات· وقد أصبح ذلك هو التعريف الحقيقي للعالم اليوم، فالشركات متعددة الجنسيات هي "الأداة" و"الطغاة" هم الدول القوية، ولذلك، فإن الفصل بين الطرفين عملية صعبة للغاية·

 

·    في بداية الدولة القومية، ما القوى الاجتماعية التي كانت وراء الفكرة في اعتقادكم؟ ولماذا إنشاء الدولة القومية في الأساس؟

- الفكرة بدأت في عصر الإقطاع، حيث الصراع بين الإقطاعيين والملوك والبابا ومراكز قوى أخرى تبلورت تدريجيا الى أنظمة دول قومية تضاربت فيها القوة السياسية والمصالح الاقتصادية الى درجة محاولة فرض نظام موحد على مجتمعات متباينة، أعني، أن نظام الدولة القومية لم يتجذر في أوروبا إلا في الماضي القريب·

فهناك الكثيرون في أوروبا ممن لا يستطيعون التفاهم مع جدّاتهم لأمهاتهم لأنهن يتحدثن لغة مختلفة· وهذا مجرد نموذج على بداية التفسخ الثقافي والسياسي والاقتصادي الذي أعتبره التطور الأكثر صحة في أوروبا والذي وجد تعبيرا واضحا عنه في إقليم الباسك في إسبانيا، وبدرجة أقل، في أماكن أخرى من القارة التي تتمتع بدرجة من الاستقلال الذاتي·

فمثلا تتمتع اسكتلندا وويلز بدرجة من الاستقلال وأعتقد أن هذه تطورات طبيعية تتمثل بالعودة الى أشكال من التنظيم أكثر صلة بالحاجات والمصالح الإنسانية الحقيقية ولعل أفضل ما فعلته الدولة العثمانية في هذا السياق، أنها تركت الناس وشأنهم حتى وإن كان ذلك بسبب الضعف والفساد، فالمناطق التي كانت تخضع للإمبراطورية العثمانية لم يكن فيها نظام الدولة، وهكذا اهتم اليونانيون بأمورهم وكذلك الأرض مع وجود شكل من أشكال الاندماج الذي يمكنك من السفر من بغداد الى القاهرة دون المرور بأية نقاط حدودية، وربما يكون ذلك الشكل الصحيح من التنظيم لهذه المنطقة من العالم وربما لكل جزء من هذا العالم· وهذه ميول واضحة في أوروبا، وخاصة على المستوى الثقافي، وعلى المستوى السياسي الى حدّ ما· وأفترض أنه ردة فعل على الميول المركزية للاتحاد الأوروبي التي تتسم بالاوتوقراطية وخاصة السلطة القوية للبنك المركزي الأوروبي، ولكن كل ذلك يرتبط بالتركيز الحادّ للسلطة الاقتصادية السياسية والاجتماعية في أيدي طغاة "خاصين" لا يخضعون للمساءلة ولهم صلة وثيقة بسلطة الدولة ويعتمدون عليها·

 

إخفاقات هائلة

 

·    هل لك أن تشرح لنا كيف أصبحت الشركات قوية الى هذا الحدّ؟

- كانت هناك إخفاقات هائلة في السوق في أواخر القرن التاسع عشر· وكانت هناك تجربة صغيرة أشبه بالرأسمالية الجزئىة، والسوق الحرة· وكانت هناك تحركات في ذلك الوقت للتغلب على الإخفاقات الراديكالية في السوق، وقادت هذه التحركات الى أشكال مختلفة من تركيز رأس المال على شكل صناديق وتكتلات وغير ذلك أسفرت كلها عن الشركات بشكلها الحديث·

وحصلت هذه الشركات على حقوق من قبل المحاكم، إنني أعرف التاريخ الأنكلو - ساكسوني جيدا، ولكنني أعتقد أن الوضع شبيه له في مناطق أخرى، ولذلك سنركز على الأول، ففي النظام الانكلو - ساكسوني، كانت المحاكم وليس البرلمانات هي التي منحت الشركات حقوقا غير عادية، ومن هذه الحقوق، حق التعبير والدعاية والترويج وتنظيم الانتخابات وهكذا·· كما منحتها الحصانة من التفتيش من قبل السلطات، وهو ما يعني أن رجال الشرطة لا يستطيعون دخول المبنى وتفتيش الأوراق وبالتالي، لا يستطيع الرأي العام معرفة ما الذي يجري داخل هذه الكيانات الشمولية، أو محاسبتها· وهذه الكيانات، ليست أشخاصا، بالطبع، بل كيانات قانونية جماعية· وفي الواقع، إنها شبيهة جدا بأشكال تنظيمية أخرى نعرفها وهي شكل من أشكال الحكم الشمولي التي تبلورت في القرن العشرين، وتم تدمير الأشكال الأخرى·

لقد كانت هذه الأشكال من الشركات مطلوبة قانونيا من أجل تحقيق القدر الأقصى من القوة والربح بصرف النظر عن تأثير ذلك على الآخرين· وهي مطلوبة لتحميل العامة أو الأجيال المقبلة تكاليف بناء هذه الشركات·

وفي ما يُعرف بالاتفاقات التجارية في عالم اليوم التي لا علاقة لها بالتجارة، تُمنح الشركات حقوقا أبعد من حقوق الأفراد· فهي تحظى بما يعرف بـ حق "المعاملة الوطنية"،الذي لا يُمنح للأفراد، فمثلا إذا جاء رجل مكسيكي الى نيويورك، فلا يمكنه المطالبة بـ "معاملة وطنية"، ولكن إذا ذهبت "جنرال موتورز" الى المكسيك، فإن بوسعها المطالبة بهذه المعاملة، وفي الواقع، يمكن للشركات مقاضاة الدول، وهو الأمر الذي لا يمكن أن أفعله أنا أو أنت·

بالإضافة الى ذلك، فإن العلاقة ليست تنافسية، بل تجد مرتبطة ببعضها· إذ تجد مثلا أن شركات "سيمنز" و"أي· بي· ام" و"توشيبا" تنفذ مشروعات مشتركة· وتعتمد هذه الشركات بدرجة كبيرة على قوة الدولة وديناميكية الاقتصاد الحديثة تأتي - في معظمها - من القطاع الحكومي الى القطاع الخاص· وفي الواقع، فإن كل أشكال ما يعرف بـ "الاقتصاد الجديد" تبلورت وتطورت على حساب العام·

 

قفزة نوعية

 

وخذ الراديو على سبيل المثال· لقد صممه الجيش الأمريكي (سلاح البحرية)· وطورت الجيوش الإنتاج الجماهيري والإنتاج الجماهيري الحديث، وإذا عدنا الى  الوراء قرنا واحدا، وجدنا أن المشكلات الرئيسية للهندسة الإلكترونية والميكانيكية كانت في كيفية وضع مدفع ضخم على منصة متحركة وخاصة السفينة - وتصميمها بحيث يمكنها ضرب هدف متحرك (سفينة أخرى)· وقد بذلت كل من ألمانيا وبريطانيا جهودا كبيرة لحل هذه المشكلة ثم تلتهما الولايات المتحدة· ومن رحم الاختراعات المشتركة، ولدت صناعة السيارات وهكذا، وفي الواقع، من الصعب أن تجد شيئا في الاقتصاد لا يعتمد بشكل أساسي على القطاع العام·

وقد تحققت قفزة نوعية في هذا المجال بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في الولايات المتحدة· وفي الوقت الذي يلقي رئيس البنك الاحتياطي الفيدرالي الان غريسبان الخطابات حول "المبادرات الماليةَ" و"خيار المستهلك" وغيرها من  الموضوعات لا نجد مثل هذه الأشياء في الاقتصادات الفاعلة· وقد نجد في أمريكا مثالا صارخا على ذلك يتمثل في معهد ما سايتوشتس للتكنولوجيا MIT· فقبل خمسين عاما حينما درست فيه، كان يتلقى تمويله من البنتاغون بنسبة مائة في المائة تقريبا، وظل هذا الوضع قائما حتى عام 1970، وبدأ يتلقى المعهد تمويله من المعهد القومي للصحة ومعاهد صحية أخرى على المستوى القومي·

والسبب في ذلك واضح للجميع باستثناء بعض الاقتصاديين الذين يعتمدون على النظريات فقط، وهو أن الاقتصاد في الستينات والسبعينات كان يعتمد على المنتجات الإلكترونية، ولذلك تقبل الناس أن يدفعوا مقابلها بذريعة الدفاع، أما الآن، فالاقتصاد أصبح يقوم على البيولوجيا وخاصة التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية وما الى ذلك· ولذلك، يتقبل الناس أن يدفعوا من أجل ذلك تحت ذريعة إيجاد علاج لأمراض مثل السرطان والإيدز·· ولكن ما يحدث في الواقع هو تطوير البنية التحتية وآفاق صناعة قطاع خاص تعتمد على البيولوجيا، وهم سعداء لتحميل الناس أعباء ذلك وتحمّل المخاطر التي تنطوي عليها، ومن ثم نقل النتائج الى الشركات الخاصة لتحقق الأرباح، فمن وجهة نظر النخبة التجارية، أنه نظام كامل أن يتم التفاعل بين الدولة والقطاع الخاص· فمهمة البنتاغون - مثلا - ليس تطوير هذه الاقتصادات فقط، بل التأكد أن العالم يتبع قواعد مواتية للشركات·· إذن فالصلة بين القوة الخاصة والدولة، علاقة معقدة وشائكة·

نود الحد يث عن طبيعة الشركات، وسؤالي هو هل هناك فارق بين الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من ألمانيا مقرا لها وتلك التي تتخذ من بريطانيا أو أمريكا مقرا لها، وجاء سؤالي على خلفية إعلان "دويتش بانك" عن نية تسريح ستة آلاف موظف العام المقبل· وجاء الإعلان بعد وقت قصير من كشف تحقيق البنك ربحا سنويا يزيد على 2,5 مليار دولار· وقد تعرّض إعلان البنك الى التنديد من شتى ألوان الطيف السياسي الألماني· وسؤالي هو هل هناك شركات تتحلى بالمسؤولية الاجتماعية؟

 

الدكتاتور الطيب!

 

إنها أشبه بفكرة وجود الديكتاتور الطيب، أعني أنه من الأفضل وجود دكتاتورية خيّرة على دكتاتورية شريرة، وإذا كان لابد من وجود دكتاتور فمن الأفضل أن يكون طيبا، ولكن - مع ذلك - يظل دكتاتورا· وعليه، يمكن أن تكون الشركات ذات شعور بالمسؤولية الاجتماعية وتقوم بنشاطات إنسانية·

وفي الواقع، فإن ذلك منصوص عليه في القانون الانكلو أمريكي، ولذلك نرى شركات ملزمة - قانونا - لرفع قوتها وربحها الى أقصى مستوى، ولكن يسمح لها أيضا بالقيام بنشاطات إنسانية لا سيما أمام كاميرات التلفزة، أي أن العملية لا تخلو من النفاق والدعاية التي تهدف الى تعزيز الربح·

وبالإضافة الى ذلك، تحث المحاكم الشركات الكبرى على تنفيذ نشاطات إنسانية أو غير ذلك، وهي تقوم بذلك أحيانا لكسب الرأي العام وأحيانا أخرى لمنع تحرك هذا الرأي العام لإضعاف حقوق وامتيازات هذه الشركات·

يطلق على الشركات متعددة الجنسيات أحيانا بأنها "حكومات أمر واقعَ" أو "مجلس الشيوخ الافتراضي"·

وهي تهيمن على الدولة اليوم بدرجة كبيرة،و على الرغم من أنه يفترض بالدولة أن تدافع عن مصالح الناس وليس مصالح "النخبة" هل تعتقد أن الدولة ماتت بالفعل؟·

هذا أمر منوط بالجمهور، وأعني أن الدول كانت تقليديا، تقوم بالدفاع عن القوة الخاصة، وهناك صراع يدور باستمرار في هذا الشأن، ولهذا السبب أصبحنا نتمتع بحرية أكبر من ذي قبل، من خلال النضال الشعبي المستمر، فمع نهاية الحرب العالمية الثانية، ساد هناك مزاج للديمقراطية الراديكالية، أي الثورية، عمليا،  في شتى أنحاء المعمورة، لقد كان للحرب تأثيرها الهائل، وفي الواقع، كانت أول سياسات بريطانيا وأمريكا (الطرف المنتصر) محاولة تدمير المقاومة المناهضة للفاشية، وكان ذلك الفصل الأول من تاريخ أوروبا واليابان بعد الحرب·

وحدث ذلك بوحشية متناهية في بعض الأماكن كاليونان حيث قتل الأمريكيون والبريطانيون أكثر من 150 ألف شخص·

وفي إيطاليا، تدخلت الولايات المتحدة ذات يوم لمحاولة منع قيام الديمقراطية الشعبية وأحبطوا إجراء الانتخابات·· وفي الواقع، كانت إيطاليا محط تركيز وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي· أي·إيه" حتى السبعينات على الأقل بما في ذلك دعم الانقلابات العسكرية والإرهاب، وحدث الشيء ذاته في ألمانيا وفرنسا واليابان وأماكن أخرى في العالم·

 

دولة الرفاه

 

وهكذا، فقد كان الهدف الأول هو استعادة الهيكل الأساسي للمجتمع التقليدي وإضعاف قوى مقاومة الفاشية وسحق الحركات العمالية الشعبية، ولكن لم يكن من الممكن القيام بذلك بشكل كامل· وتعين على تلك القوى التأقلم مع حركة الديمقراطية الراديكالية حتى في الولايات المتحدة، ولذلك تجد مرحلة من نظام "دولة الرفاه" وأنظمة الديمقراطية الاجتماعية، التي تحققت فيها بعض مطالب الجماهير وقادت الى السوق الاجتماعية في أوروبا ودولة الرفاه في الولايات المتحدة وإنكلترا·

 

·       ولكن تحرك الشعوب هو الذي فرض ذلك؟

- نعم، الشعوب هي التي فرضت ذلك وقد عكسته الترتيبات المالية، ولذلك، فإن نظام بريتون وود BRITTON WOOD الذي فرضته الولايات المتحدة وبريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية كان مبنيا على السيطرة على رأس المال والعملات الثابتة نسبيا· وقد حدث ذلك في ظل وعي تام بأنه مالم تمتلك الدول الحق في السيطرة على حركة رأس المال، فلن يتسنى قيام الديمقراطية، لأن "مجلس الشيوخ الافتراضي" من المستثمرين والمقرضين قد يسيطر على سياسة الدولة ببساطة·

 

·     وهذا في الواقع هو سؤالنا التالي· فقد ثار هناك جدل كبير حول ضرورة تقوية الدولة في أوقات معينة لأننا نسمع من السياسيين دائما مقولات مثل: حسنا، إننا نرغب في أن نفعل لكم شيئا، لكننا غير قادرين لأن الشركات لا تسـمح لنا بذلك·

- ولكن هذا الأمر يتعلق بالشكل والديكور فقط ونظام ما بعد الحرب مصمم ليسمح للدولة باستخدام السيطرة على رأس المال لمنع المستثمرين والمقرضين والبنوك والشركات من إدارة الاقتصادات المحلية وتم تثبيت أسعار العملات لمنع المضاربات التي تعتبر من وسائل ضرب القرارات الحكومية، وكان مفهوما وليس سرا أن ذلك يهدف الى تمكين الحكومات من تنفيذ سياسات تتصف بالحرية النسبية من سيطرة الشركات، وهذا قاد بدوره، الى النمو الاقتصادي الأكبر في التاريخ·

ففي السنوات الخمس والعشرين الأولى التي أعقبت الحرب والتي يشار اليها عادة بـ "العصر الذهبي للرأسمالية" حدث نمو سريع جدا وخاصة في الولايات المتحدة التي حققت نموا فاق الـ 20 في المائة في تلك الفترة، واستمرت معدلات النمو هذه حتى أوائل السبعينات، وفي ذلك الوقت، بدأت ردة فعل كبرى تهدف الى تدمير الديمقراطية التي أعتبرت التهديد الأكبر للنخبة، ولإضعاف النظام الذي سمح للحكومات بالاستجابة للرأي العام وإنشاء نظام دولة الرفاه، وكانت الخطوة الأولى القضاء على الرقابة على رأس المال وهو ما يمنح الحكومات القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، فإلغاء الرقابة والسماح بتدفق العملات بحرية يؤدي الى حركة مضاربات ضخمة·

وإذا نظرت الى برامج الليبراليين الجدد، تجد أن كل عنصر فيها مصمم بشكل رئيسي لتدمير الديمقراطية من خلال تحرير العملات وانتقال رأس المال والخصخصة، فهذه خطوات تضعف القطاع العام وتحول الخدمات الى السيطرة الخاصة وتحرم الدولة من القدرة على القيام بأي شيء وتنتزع القوة من المواطنين وتنقلها الى قوة خاصة·

 

نظام بريتون وود

 

·      ولكن تبقى ثمة فرصة لإعادة الأمور كما كانت؟

- بالطبع· وقد حدث ذلك عام 1945 وليس من التطرف القول، دعونا نستعيد نظام· بريتون وود· أعني أن أحدا لا يريد أن يفعل ذلك بالضبط، وهذا أمر مفهوم تماما·

 

·    هل هذا هو السبب ربما، لكون حركات "عمال دون رؤساء" في الأرجنتين غير معروفة كثيرا عندنا؟

- إنهم يريدون قمع أي شكل من أشكال المشاركة الديمقراطية ولذلك فحين تقرأي أية إشارة الى ما يطلق عليه "الحركة المناهضة للعولمة" فإنها توصف بمجموعة من الناس تلقي بالحـــجـــارة على المحلات أو ما يشبه ذلك، أي أنهم يقومون بأعمال الشغب·

 

·     ما الذي قصدته ضحية "كريستيان ساينس مونيثور" بما أسمته "عامل السيستاني"؟

- كل مراسل صحافي عمل في العراق يعرف معنى ذلك، أي النفوذ الذي يتمتع به هذا الرجل هناك حاليا، فبريطانيا والولايات المتحدة تعتقدان أنهما جلبتا الديمقراطية الى العراق، ولكن هذا مجرد هراء، فالانتخابات وحدها لا تجلب الديمقراطية، كما أنني اختلف مع زملائي الذين أطلقوا على الانتخابات العراقية بأنها "انتخابات استعراضية"·

لقد كان الأمريكيون والبريطانيون يريدون أية انتخابات ولو كانت شكلية ليقولوا أنهم يحرزون تقدما هناك على طريق رؤية بوش لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط· وكانت المقاومة الشعبية هي الدافع الأكبر لإجراء هذه الانتخابات، وهذه الانتخابات لم تكن "استعراضية" ولم تكن رائعة كما وصفها البعض، وبالمناسبة فهي تختلف عن الانتخابات التي نظمها الأمريكيون في السلفادور أو فيتنام قبل عقود لمحاولة إضفاء الشرعية على الاحتلال·

فما حدث في العراق كان مختلفا وهو ما أظهرته تقارير مباشرة للصحافي المتميّز روبرت فيسك من العراق· فالمقاومة الشعبية السلمية التي دفعت سلطات الاحتلال الأمريكية للقبول بإجراء الانتخابات التي كانوا يرفضون إجراءها· وهذا لا يعني أنها كانت انتخابات رائعة· أنها لم تكن كذلك على الإطلاق، لكنها لم تستهدف إضفاء الشرعية على الاحتلال الأمريكي للعراق كما كان الحال بالنسبة للسلفادور وفيتنام· وأقصد أنها كانت جزءا من فشل الاحتلال· ولم تواجه قوات الاحتلال النازي لأوروبا هذا القدر من المشاكل التي يعاني منها الأمريكيون في العراق·

 

" المصدر: ZNET "

 

----------------------------------------------------

الموضوعات المترجمة تعبر عن آراء  كتابها

إشراف: صالح أحمد النفيسي

saleh@taleea.com

طباعة