خطوط متقاطعة
مي مظفر*
البداية
كان ثوبها من مخمل كحلي تزيّنه حاشية بيضاء·
وقفت على عتبة القاعة المكتظة بالرجال، وامتد عنقها من فتحة ثوبها المكشوف الصدر·· تطلعت في وجوه الحاضرين بعينين حائرتين مرت مرتبكتين·
لعلها لفتت نظره بحيرتها، أو ببريق عينيها، فظل يتابع بحثها دون أن تتنبه له·
التقت عيناها عينيه، فاضطربت، ولم تدر بأنه اضطرب مثلها·
تساءلت من يكون، وتساءل من تكون! التقت عيونهما بفضول لم يُقم أي اعتبار للمتطفلين· كان توقهما للتعارف أقوى من النميمة الصاخبة· وكاد يبتسم لها لولا أنها توارت خجلة، لتختفي بين الجموع المحتشدة·
انطباعات
كتبت في دفترها شيئا مبهماً، تقول فيه: نظرتُ فرأيت سهماً يشق أبخرة الأنفاس ودخان السجائر، ثم لمحت شبح ابتسامة على شفتيه المطبقتين، فشعرت بأن يدين خفيتين حملتاني إلى ظهر غيمة·
وكتب يقول: شقت السماء حمامة بيضاء، فاضطربت حين لم تجد لها موطىء قدم، وضلّت الطريق لتصطدم بسور فناء عامر بالرجال·· ثم ذابت في الجموع·
الموعد
كان مساء هادئا أطل فيه نصف قمر، ولمعت النجوم في سماء صافية بدت شديدة القرب من الأرض·
كانت الشرفة شبه مهجورة إلا من رجل يدخن غليونه بصمت، ويتطلع إلى نافورة ماء داخل حوض من بلاط قاشاني، ويصغي الى قطرات الماء تتساقط بإيقاع رتيب ولكنه مؤنس·
تأتي المرأة، فينهض لاستقبالها، يمد لها يدا ترتعش فرحا· تجلس على كرسي ملاصق لكرسيه، وتمضي الدقائق الأولى على كلمات متعثرة، سرعان ما يسترسلان بعدها في حديث متدفق، ثم تأتي لحظة صمت لا يدريان كيف حلّت·
تمتد يده إليها·· فتسحب يدها بلطف، لتخرج من حقيبتها دفتراً صغيراً وقلماً· يبدأ بالحديث، وتبدأ بالتدوين، متكتمة على الومض الذي بدأ ينبعث من داخلها·
كلام معطّل
وكتبت تقول:
لدي كلام كثير ولكنه معطل··· حوار يتسرب من بين مسام الجلد وإنسان العين· فمن بين الأنفاس المتلاحقة تدور في صدري الكلمات باحثة عن أسرار الجبال وصلابة الحجر وحنو الماء على الأرض· كلام بحجم العالم وغزارته المتنوعة، لكنه كلام معطّل·
كلمته حتى غاب صوتي مني· كانت الريح تسيل خارج النافذة، فتجرف كلماتي في ثوبها الفضفاض· استمتعت بصوت الحروف وأنا أصغي لوقعها المتقاطر فوق الطريق مثل أوراق الشجر· كنت أصغي لصوت ذاتي العاشقة وأطرب·
وكتبتُ حتى أفنيت الحروف في مطاوي المجهول·
الفرق ما بين أن أكتب إليه وأتحدث إليه هو الفرق ما بين السكون والحركة· فحيوية الكلام تتسلل الى الجسد الهلامي صوتا يشكله ويلونه ويحدد أبعاده، ليتحول الى كائن حي يتواصل مع الوجود داخلا وخارجا، كائن ينفذ الى أقصى المديات، يخترق عزلته الباردة··
المعارج
قالت له: "في غمرة تخبطي وبحثي المتواصل، أحسست أن علي أن أبني سلما كي أرتقي لعليائك· كان لدي يقين بأنك موجود في مكان لا تطوله يدي، وأن الطريق الى آفاقك لن يتحقق إلا بارتقاء معارج السماء·
عرفتك عاشقا للأمكنة الشاهقة، عنقاء ما، أو عقابا· سميتك منذ زمن طائر السيمرغ، ذلك الكائن الذي سعى إليه ناسك فريد الدين العطار، ومضى يقطع رحاب الفضاء يتبعه سرب من طيور ظلت تتساقط طوال الرحلة وتنهار· فالرحلة إليك لا تكتمل، ولا تتحقق إلا ربما لصفوة الصفوة، وأنا لست غير امرأة أرضية بجناحين مهيّضين· لا لقاء إذن بين السماوي والأرضي إلا عبر خط وهمي· فهل أنت سمت الشعر الذي لا يدرك؟
تطلعت إليه وهي تمسك بالكلمات المنفلتة، لترى أمامها رجلا غائبا في مجاهل التأمل، متطلعا الى شيء خارج هذا المكان، غير معني بالبوح المنفجر من القلب·
تساءلت لماذا يتلفع حضوره بغيابه؟
فتراكمت السحب على أطراف المكان، وغيب لونها الرمادي ملامح الأشياء·
الأسئلة
تصلبت كفها حين لامست كفه· تطلعت في عينيه الباسمتين باحثة عن الحقيقة، ففزع من تجردها، وبرودة ملامحها·
تساءلت: ما الذي يريده الرجل من المرأة، وتساءل: ما الذي تريده المرأة من الرجل·
تساءلت: أليست ثمة حدود بين الأبيض والأسود، وتساءل: أما آن لها أن تدرك بعض الحقيقة؟
تسلل الى قلبها الشك، وتغلغلت في جسده الرغبة· ارتفع الجدار بينهما، ولاح طريق غامض· شسعت المسافة بين العينين واليدين، ولم تعد قابلة لأن تقاس بزمن، أو تتصورها مخيلة، وتوارت الأسئلة·
تكتم
كتبت تقول: "تركت يدي بين يديه روحا مليئة برغبة صامتة· شعرت بدمائي تتجمع على أطراف أناملي، وتتحول الى حروف نافرة صريحة· ولأنني خشيت أن يتلمسها، فيدرك ما جاهدت أن أخفيه، تصلبت الأنامل، وتحجر كل شيء فيّ"·
حين تطلع في عينيها لم يجد فيهما غير سكون منطفئ· حنت رأسها، ووضعت يدها على قلبها· وبعد أن أوصدت كل المنافذ، سارعت باسترداد يدها، خشية أن تتسرب مشاعرها من الأنامل· لكنه تشبث بها، ولف ذراعه فجأة حول كتفها، وصرخ: حذار· فرمحت بالقرب منهما سيارة نهبت الأرض ومضت، ففاقت سرعتها سرعة خواطرها التي تقاطرت كشهب تهاوت من سماء صافية·
الجرح
كات مستغرقة في كتاب مفتوح، وكان يقف على مقربة منها· كانت تقرأ شيئا من "بستان" سعدي، في رثاء بغداد:
ولا سيما قلبي رقيقٌ زجاجُه
وممتنعٌ وصلُ الزجاج لدى الكسر
فشعرت بأنفاسه تعبر من فوق شعرها، فتغيم السطور تحت عينيها، ويشيع الصمت في المكان بكل خشوع· كان الصمت أعمق من أعماق البحار، وأغنى، وكاد من شدة الصفاء يظهر ما أخفى·
انحنى فوق رأسها، مقربا وجهه من صفحة الكتاب· ومرت دقائق طويلة وهي تستمع الى وجيب قلبه النابض مخترقا عمق السكون، ومجلجلا مثل أذان الفجر حين ينطلق من الغبش ويملأ الفراغ بندائه المترامي· كانت تلك واحدة من لحظات السكون النادرة على الأرض، ومن لحظات الرضا الأندر في الوجود·
وكان ذلك قبل أن يقتحم الحياة دوي مدمر، ليحل في ربوع السكينة، وتتحول دقات القلب الى قرع طبول يشق الصدور·
* عن مجموعتها القصصية "بريد الشرق"