
· الجدار يطوق القدس ويلغي حدود الرابع من يونيو ويقضي على الدولة الفلسطينية
· خطة فك الارتباط تأتي للتغطية على قرار بناء الجدار ومصادرة الضفة الغربية
كتب نضال أبو الفضل:
القرار الذي اتخذته حكومة الاحتلال الإسرائيلي في الأسبوع الماضي والقاضي باستكمال بناء جدار الفصل العنصري حول مدينة القدس قبل مطلع سبتمبر المقبل كحد أقصى، يعد أخطر إجراء تقدم عليه إسرائيل بعد قيامها باحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967·
ويرى المراقبون أن القرار الأخير يؤكد أن إسرائيل لا تقوم ببناء الجدار لدواع أمنية فقط، بل هو يحسم عمليا لصالح إسرائيل أربعا من قضايا الحل الدائم المفترض أن تتعاطى معها أي تسوية سياسية، وهي القدس، والتجمعات الاستيطانية، وخط الانسحاب النهائي، وطبيعة الكيان الفلسطيني الذي ينشأ بعد أي تسوية سياسية·
القرار يزيد القدس تهويدا
من أخطر التداعيات التي يمكن أن تنتج من القرار الأخير، العمل على استكمال تهويد القدس بشكل حاسم، ومن آليات هذا التهويد أولا: حسم الصراع الديمغرافي لصالح اليهود، إذ إنه بعد استكمال مسار الجدار حول المدينة، سيجد 55 ألف فلسطيني مقدسي أنفسهم خارج حدود المدينة في المرحلة الأولى، وهذا العدد مرشح للارتفاع ليصل الى مئة ألف، لأن القرار يمهد الطريق في المستقبل لسلخ الأحياء الفلسطينية جنوبي المدينة عنها وضمها الى الضفة الغربية·
وهناك أيضا سلسلة من الإغراءات التي أعلنت عنها الحكومة الإسرائيلية لجذب اليهود للاستيطان في القدس ومحيطها، فقد قررت تقديم تسهيلات كبيرة لكل يهودي يستعد للاستيطان في القدس عن طريق توفير فرص عمل كثيرة ومغرية عبر إقامة مناطق صناعية ومرافق سياحية، الى جانب تقديم تسهيلات ضريبية كبيرة، وفي الوقت نفسه تقدم قروضا ميسرة جدا لتسهل على اليهود شراء شقق في الأحياء الاستيطانية داخل المدينة وحولها·
ثاني هذه الآليات، هي توفير احتياطي من الأراضي لإقامة مزيد من المستوطنات، إذ لم يقم جدار "النهب العنصري" بطرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين فقط، بل إنه عمل على مصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية، التي في الإمكان استغلالها في إقامة مزيد من الأحياء الاستيطانية· فالجدار الذي يصل القدس بمستوطنة "معاليه أدوميم" كبرى مستوطنات الضفة الغربية، مكن سلطات الاحتلال من استغلال الأراضي الواقعة بين القدس وتلك المستوطنة في مشروع يهدف الى بناء آلاف الوحدات السكنية لاستيعاب عشرات الآلاف من اليهود·
التجمعات الاستيطانية
إن استكمال الجدار في محيط القدس يعني أيضا ضم عدد من أهم التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية الى بلدية القدس، لأن مسار الجدار حول المدينة سوف يضم مستوطنة "معاليه أدوميم" الواقعة الى الشمال الشرقي من المدينة، وكذلك ضم التجمع الاستيطاني "غوش عتصيون" الذي يعتبر من أكبر التجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية حيث يضم عشرات الآلاف من المستوطنين اليهود·
ويرى المراقبون أن خطورة هذا الإجراء في أنه يستبق الحل الدائم، ويضم تجمعات استيطانية لبلدية الاحتلال، أي إسرائيل، بحيث تعتبر إسرائيل مصير التجمعات الاستيطانية عندما يحين التفاوض حول التسوية الدائمة خارج نطاق التفاوض·
إذا دور الجدار العنصري حول القدس في تسهيل ضم التجمعات الاستيطانية لإسرائيل، يساهم بشكل مباشر في مساعدتها على قطع شوط كبير في إنجاز خطة "القدس الكبرى" التي وضعها شارون عام 1997 عندما كان وزيرا للبنى التحتية في حكومة بنيامين نتانياهو، والتي اعتبرها حينئذ أهم منجزات المشروع الصهيوني في فلسطين، ويهدف المشروع الى تحقيق هدفين أساسيين: رفع عدد اليهود في القدس ومحيطها الى مليون يهودي، وبسط اليد على %25 من مساحة الضفة الغربية·
لذلك فضم التجمعات الاستيطانية لبلدية الاحتلال في القدس، لا يساهم فقط في تهويد القدس وحسم الصراع الديمغرافي لصالح اليهود، بل يساعد أيضا في نهب مزيد من أراضي الضفة الغربية لصالح إسرائيل·
الجدار يلغي حدود الرابع من يونيو1967
السلطة الفلسطينية تؤكد أنها لن توقع على أي تسوية سياسية لا تلتزم فيها إسرائيل بالانسحاب الى حدود الرابع من يونيو عام 1967، وتعتبر ذلك من أهم الثوابت الوطنية الفلسطينية لأي تسوية·
ولكن بعد قرار إسرائيل استكمال الجدار حول القدس، وفي حال ظلت السلطة الفلسطينية وفية لثوابتها، فإنه يمكن القول إن تسوية سياسية لن تتحقق بين إسرائيل والسلطة، إذ إن المسار الجديد حول القدس، مثله مثل سائر مسارات الجدار الأخرى يندفع في قلب الضفة الغربية متجاوزا خط الحدود الذي كرس عمليا الحدود بين الضفة الغربية وإسرائيل في العام 1948·
الجدار يقضي على الدولة الفلسطينية
إذا كانت السلطة الفلسطينية تصر على أن أي تسوية سياسية يجب أن تؤدي الى دولة فلسطينية "قابلة للحياة" في الضفة الغربية وقطاع غزة، فبعد قرار إسرائيل الأخير، لا مجال لتحقيق هذا الهدف عبر الوسائل السلمية·
وإذا كان أهم متطلبات إيجاد دولة "قابلة للحياة" هو التواصل الإقليمي بين أجزائها، فإن مسار الجدار حول القدس يقضي تماما على أي إمكانية لتحقيق هذا الشرط، لأن مسار الجدار يقسم عمليا الضفة الغربية الى قسمين كبيرين: قسم يقع جنوب الجدار وآخر يقع شماله ولا يوجد بينهما أي تواصل إقليمي·
الجدار وخطة فك الارتباط
إن الأصداء التي أحدثتها خطة "فك الارتباط" التي تتضمن إخلاء مستوطنات في قطاع غزة وأربع مستوطنات شمالي الضفة الغربية، لولاها لم يكن ليتسنى لإسرائيل أن تواصل بناء جدار الفصل العنصري، فتعاطي العالم مع هذه الخطة وكأنها تمثل تنازلات قاسية أقدم عليها شارون، ساعد على اختفاء الضغوط الدولية التي سببها بناء الجدار على إسرائيل، وتخفيف الحرج الذي وضعها فيه قرار محكمة العدل الدولية التاريخي الذي اعتبرت فيه الجدار غير قانوني ودعت الى هدمه وتعويض المواطنين الفلسطينيين الذين تضرروا من إقامته·
وفي هذا السياق فإن المراقبين يرون أنه إذا كان يجوز لدول العالم أن تتعاطى مع خطة "فك الارتباط" وتغفل الجدار، فإنه لا يجوز أن تتغاضى السلطة الفلسطينية والدول العربية عن مخاطر الجدار·
فكان يتوجب على كل من السلطة الفلسطينية والحكومة المصرية بوصفها الطرف العربي المرشح للعب أكبر دور في خطة فك الارتباط، أن تشترط لإقامة أي تنسيق مع إسرائيل في تنفيذ هذه الخطة، وقف إسرائيل لإقامة هذا الجدار، أو على الأقل إقامته على طول خط الحدود الذي يقارب الرابع من يونيو عام 1967·
لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الإطار هو: لماذا لم تستغل السلطة الفلسطينية إقرار إسرائيل العلني بأنها لم تقم ببناء الجدار الفاصل لدواع أمنية فقط، لكي تفضح المرامي الإسرائيلية من وراء هذا الجدار؟
فكان عليها أن تقوم بتجنيد الرأي العام العالمي ضد هذا الجدار، بدلا من ذبح الوقت في لقاءات التنسيق الفارغة مع الجانب الإسرائيلي، كما كان عليها التشديد على أنه لا يمكنها أن تلعب أي دور في خطة فك الارتباط التي تأتي للتغطية على المخاطر التي يمثلها الجدار الفاصل وتحديدا في محيط القدس·