كتب محرر الشؤون السياسية:
قبل يوم واحد من ذكرى احتلال الكويت غيب الموت الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود خامس ملوك السعودية الذي يحتل مكانة خاصة في قلوب الكويتيين حيث وضع جميع إمكانات المملكة الشقيقة وشعبها من أجل تحرير الكويت وإعادة شرعيتها· متحديا كثيرا من العقبات الداخلية والخارجية لتحقيق ذلك في الوقت الذي فتح السعوديون بيوتهم لإيواء إخوانهم الكويتيين الذين وجدوا أنفسهم بلا وطن أو مأوى·
وقد شاركت الكويت رسميا وشعبيا في تشييع جثمان الفقيد الراحل الى مثواه الأخير بينما أعلنت الحداد الرسمي لمدة ثلاثة أيام·
من جانب آخر استمرت برقيات التعزية تتوالى على الديوان الملكي بعد أن شاركت الوفود الرسمية في تشييع جثمان الفقيد الى مثواه الأخير، فيما استمرت تعليقات المحللين السياسيين في توقعاتها لاحتمالات التغيير في السياستين الداخلية والخارجية في المملكة حيث شكل الرأي الغالب لهذه الآراء أن الأمور ستستمر كما كانت من دون تغييرات جوهرية على الأقل في الفترة القريبة القادمة، فالجميع يعلم أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود كان يمارس قيادة الأمور في المملكة طيلة السنوات العشر الماضية بصفته وليا للعهد خلال الفترة العصيبة التي مر بها الملك الراحل بعد إصابته في العام 1995·
إلا أن بعض الخبراء في الشأن السعودي يعتقدون أن تسمية الملك عبدالله بن عبدالعزيز لما يعرف بـ "الرجل الثالث" في المملكة (أي منصب النائب الثاني الذي كان يشغله الأمير سلطان ولي العهد حاليا) هي التي ستحدد ملامح السياسة الداخلية المقبلة للدولة، فإن جاء التعيين في منصب النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء (الرجل الثالث) لصالح أحد "أشقاء" الملك الراحل فهد والأمير سلطان مثل الأمير نايف وزير الداخلية أو الأمير سلمان أمير منطقة الرياض فإن المرحلة المقبلة ستكون الى حد ما شبيهة بمرحلة السنوات العشر الماضية التي تسلم فيها الملك عبدالله بن عبدالعزيز مهام الملك الراحل بعد مرضه أي مرحلة توازن واستقطاب - في آن معا - بين أجنحة الحكم في العائلة المالكة، أما إن اختار الملك عبدالله "الرجل الثالث" من خارج دائرة "أشقاء" الملك فهد والأمير سلطان، فإن هذا سيعد مؤشرا على الدخول في مرحلة جديدة ستشهد تغييرات داخلية ذات أهمية وفق ما يرى هؤلاء الخبراء·
كما ينتظر المحللون تعيينات الملك للمناصب التي شغرت بعد توليه الحكم وتعيينه سلطان وليا للعهد، فمنصب ولي العهد - كما يقول المحللون - يستدعي التفرغ أي عدم تولي حقيبة وزارية كوزارة الدفاع التي يتولاها ولي العهد الجديد، فمنصب رئيس الحرس الوطني ليس وزاريا أما وزير الدفاع فهو كذلك· وبالتالي يتوقع المحللون تعيين وزير للدفاع بديل لولي العهد وتعيين رئيس للحرس الوطني إضافة الى تسمية نائب ثان لرئيس مجلس الوزراء·
وتأتي وفاة الملك فهد بعد رحيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمهما الله وفي وقت تغيرت فيه خلال السنوات القليلة الماضية قيادات عربية أخرى سواء في المغرب أو سورية أو الأردن أو البحرين نتيجة وفاة الحكام السابقين أو إقصاء أمير قطر لوالده الأمير السابق وتغيير نظام صدام حسين كنتيجة لإسقاطه على يد القوات الأمريكية·
ويرى المحللون أن التغييرات الطبيعية في حكام المنطقة العربية إنما تأتي في ظل ظروف حرجة جدا تتمثل في متطلبات محلية ودولية أتت كنتيجة طبيعية لأحداث الحادي عشر من سبتمبر وما تلاها من انقلاب في السياسة الدولية، إضافة الى كون هذه المتطلبات هي في الأساس مطالب شعبية نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي والقضاء على الفساد بكل أنواعه ومزيد من الانفتاح على الشعوب واحترام حرياتها وحقوقها الإنسانية والقانونية، وهي مطالب أصيلة لشعوب المنطقة أهملت لفترات طويلة بل وقُمع المطالبون بها تحت كثير من المبررات والذرائع الواهية الى أن عشَّقت معها المطالب الدولية فأصبحت تسمى "شروطا دولية للتدخل في الشأن المحلي"، وهي تسمية يراد بها رفض هذه الإصلاحات·
ويتفق المحللون على أن الأنظمة العربية لم تفلح خلال العقود الأربعة الماضية في تحقيق أهدافها المعلنة المتمثلة في تحرير فلسطين وتحقيق الاستقلال الوطني ولا في ما أهملته عن سابق عمد وترصد كالديمقراطية والحريات والتنمية التي قيل إنها ثمن الاستقلال الوطني وتحرير فلسطين·
ويشير المحللون أيضا الى ضرورة التفات أنظمة الحكم العربية الى هذا الواقع الجديد واستماعها الى أصوات المصلحين من أبنائها، بل يرى المحللون بأن فرص التغيير مواتية إن أرادت هذه الأنظمة البدء في طريق الإصلاح فعلا·
من جهة أخرى ينبه المحللون السياسيون الى أهمية انتقال السلطة في بعض دول الخليج الى جيل أصغر عمرا من جيل الحكام الذين تولوا الأمر خلال العقود الأربعة الماضية مشيرين الى تقارب أعمار الجيل الأول من الأسر الحاكمة وما يمكن أن ينتج عنه استمرار الحكم في الانتقال الأفقي بين المنتمين الى هذا الجيل الأمر الذي سيؤدي الى استلام الجيل الثاني للحكم منهم بعد أن يكون الأبناء قد وصلوا سن الآباء·
ويؤكد هؤلاء المحللون الدور الذي قام به الجيل الحالي من الحكام في فترات سابقة لأنهم كانوا في ذلك الوقت يمثلون جيل الشباب في أسرهم وفي وقت كانت الدول الفتية الناشئة بحاجة لهم بعد أن أسسها آباؤهم في ظروف مختلفة تماما، لذا يرى المحللون أن التحول الرأسي لانتقال الحكم الى جيل أصغر له القدر نفسه من الأهمية لذلك الانتقال الرأسي الذي حدث في الستينات وسيؤثر بقدر مشابه في التطور السياسي لهذه الدول·
جدير بالذكر أن الملك الراحل تولى دفة الحكم على مدى أكثر من عقدين (1984-2005) بل يمكن اعتبار فترة قيادته للمملكة تمتد منذ 1975 إبان تولي الملك خالد الحكم بعد اغتيال الملك فيصل، وقد شهدت هذه الفترة أحداثا جساما منها حروب الخليج الثلاث وتدهور الأوضاع العربية خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي· وقد تميز عهد الملك بترسيخ سياسة الوفاق وحسن الجوار على المستويين العربي والعالمي، واحتفظت المملكة بعلاقات ودية مع الجميع، وعلى المستوى الاقتصادي شهد العالم تغيرا جذريا في علاقات الدول المنتجة للنفط والشركات المهيمنة على صناعة النفط أدت الى استعادة الدول المنتجة السيطرة على مواردها البترولية، ونتج عن ذلك الطفرات الهائلة في أسعار النفط وارتفعت مداخيل الدول· وتبوأت السعودية موقع المنتج والمصدر الأكبر للنفط دوليا·
وانعكس الارتفاع في دخول النفط على زيادة الإنفاق على بناء البنية التحتية والتوسع في الخدمات الاجتماعية وأهمها الصحة والتعليم·