
كتب محرر الشؤون العربية:
بعد ثلاثة أسابيع على تعيينه نائبا أول للرئيس السوداني عمر البشير، قتل قائد حركة التمرد في جنوبي السودان جون قرنق في حادث تحطم طائرة مروحية كانت تنقله من كمبالا الى الجنوب السوداني ليلة السبت الماضي، وكانت وكالات الأنباء قد بدأت بتناقل خبر اختفاء الطائرة، واستمرت المتابعة بين إشارة الى هبوطها في مكان ما في الجنوب، وبين إشارة الى انقطاع أخبارها، الى أن أعلن الرئيس السوداني عن مقتل قرنق أثر تحطم طائرته في جبال الأماتونج في الولاية الاستوائية، من جنوبي السودان· وعلى إثر هذا الخبر اندلعت أعمال عنف وشغب في العاصمة الخرطوم حيث اندفع آلاف الى الشوارع مدججين بالأسلحة والسكاكين، وكل ما تطاله اليد، وأشعلوا النار في الكثير من الأسواق، وأحرقوا السيارات، ونهبوا المتاجر، واشتبكوا مع الشرطة في الشوارع· وحدد بعض مراسلي وكالات الأنباء هوية هؤلاء بأنهم من الجنوبيين الذين كانوا قد استقبلوا جون قرنق في أول عودة له الى الخرطوم بعد عشرين عاما قضاها قائدا لحركة التمرد في الجنوب على رأس الجيش الشعبي لتحرير السودان·
ليس من المعروف حتى الآن ما الدوافع المحركة لهذه الفوضى التي عمت الخرطوم والمدن الجنوبية، سوى أنها تعبير عن انفعال عاطفي اجتاح الجنوبيين إثر مقتل ما يعتبرونه رمزا لكفاحهم الطويل الذي أوصلهم أخيرا الى تقاسم السلطة، والثروة مع الحكومة المركزية· ويبدو أن هذه الدوافع غير العقلانية لم يخفف منها تأكيد الحكومة السودانية على الاستمرار في اتفاق السلام الذي وقع في يناير الماضي بين الشمال والجنوب، واختيار الحركة الشعبية لسالفا كير خلفا لقرنق في الحكومة الجديدة·
من جانب آخر طالب ياسر عرمان، الناطق الرسمي باسم الحركة، بفتح تحقيق لكشف ملابسات الحادث، وأعلن أن الحركة الشعبية ماضية في تنفيذ اتفاق السلام، وأن لديها مؤسسات تستطيع اختيار البديل·
مسيرة حياة جون قرنق، العسكري والأكاديمي، طيلة أكثر من عشرين عاما قضاها في قيادة تمرد الجنوب بعد أن خرج على الحكومة المركزية في العام 1983، ليتحول من عقيد في الجيش النظامي الى زعيم للجيش الشعبي للتحرير، ربما هي التي أكسبته هذه المكانة العاطفية في نفوس أبناء الجنوب، والتي تقف ربما وراء خشية بعضهم من أن يكون حادث مقتله مدبرا كما يتضح من الهياج الذي اجتاح أوساطهم، إضافة الى أن تقلباته السياسية بين الوقوف الى جانب السوفييت في أيام الحرب الباردة والحظوة بدعمهم، ثم التحول الى الجانب الأمريكي في التسعينات، وأخيرا توصله الى اتفاق السلام مع الحكومة المركزية· قد يعد حنكة سياسية يخشى الجنوبيون ألا تتكرر مرة أخرى في تاريخهم، وبخاصة أن اتفاق السلام الذي رعاه قرنق مع الحكومة السودانية قد فتح الطريق للجنوبيين أمام احتمال الاستقلال التام عن الحكومة المركزية بعد انتهاء فترة انتقالية، أصبح من المؤكد الآن أن أكثر زعماء الجنوب أهمية لن يكون على رأسها·