
كتب علي العلاش:
في منتصف الشهر الماضي قررت الحكومة اليمنية رفع أسعار الوقود، وقد أدى هذا القرار الى خروج الآلاف من أبناء الشعب اليمني في احتجاجات سرعان ما تحولت الى أعمال عنف سقط على أثرها عشرات القتلى، وقد استمرت هذه المواجهات بين الجماهير الغاضبة على ارتفاع الأسعار وقوات الأمن لمدة يومين، وهو ما أعاد الى الأذهان ذكرى انتفاضة 19،18 يناير عام 1977 الشعبية في مصر التي فجرها رفع الدعم المفاجيء عن الأسعار·
وكما وصف الرئيس السادات الانتفاضة "المصرية" بانتفاضة "الحرامية" وصف الرئيس علي عبدالله صالح انتفاضة اليمن بانتفاضة "أعمال الشغب والفساد في الأرض"، وقد غطى الأعلام اليمني الأسباب الحقيقية وراء تحرك الجماهير "المفاجئ" والذي أرجعه الكثير من المحللين الى وصول الإدارة المالية والحكومية في اليمن الى أعلى درجات الفساد والمحسوبية، وهي الظاهرة التي أدت الى تضييع الكثير من فرص الاستثمارات الأجنبية في هذا البلد الفقير رغم حاجته الشديدة إلى مثل هذه الاستثمارات، وقد أجمعت مؤسسات مالية أوروبية وأمريكية على أن مناخ الاستثمار في اليمن يمكن وصفه بـ "غير الآمن" لاسيما وقد عاد الإقطاع الوظيفي والإداري والمالي الى اليمن بصورة فجة، تتمثل في تفاوت كبير بين دخول الفئات العليا المتصلة بالحكم والحاكم وحزب الرئيس علي عبدالله صالح "المؤتمر الوطني" وبين السواد الأعظم من الشعب اليمني الذي يعاني من فقر حقيقي ولا يتعدى دخله السنوي للفرد 500 دولار·
وكان لأحزاب المعارضة الرئيسية في اليمن خاصة الحزبين الاشتراكي والناصري دور كبير في إشعال الانتفاضة مع تزايد الفعاليات المعارضة للحزب الحاكم والفساد والعلاقات مع الولايات المتحدة خاصة في الفترة الأخيرة التي تمخض عنها إعلان برامج استخباراتية مشتركة لمحاربة الإرهاب، وهذا الانتقاد المتزايد لأداء الحكومة اليمنية أدى الى ما يمكن وصفه بالغليان الشعبي الذي جاء رفع الأسعار المفاجئ بالنسبة له بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير"·
وقد جاءت هذه الانتفاضة عقب إعلان الرئيس علي عبدالله صالح عن نيته عدم ترشيح نفسه لانتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها في سبتمبر من العام المقبل، والحديث عن تحول ديمقراطي، وهو ما جعل المراقبين يشيرون الى أن هذا المناخ المضطرب لا يتسق بأية حال مع قرار الرئيس صالح ولا مع التحول الديمقراطي·
بل يرى هؤلاء المراقبون أن هناك إشكالية كبرى تقف أمام التحول الديمقراطي في اليمن وهي مدى توافر الشخصيات والزعامات القادرة على قيادة أحزابها وبلدها في المرحلة المقبلة بعد تخلي الرئيس صالح عن الرئاسة، خاصة أن التركة ستكون ثقيلة، فالفساد وباعتراف السلطة نفسها أصبح "معششا" في أروقة الإدارة الحكومية، وهو ما يجعل من الصعوبة على أي رئيس حزب يتولى قيادة البلاد أن يكون قادرا على حل هذه الأزمة والقضاء على الفساد·
وإذا كانت الزعامات القادرة والشعبية متوافرة لدى الحزب الاشتراكي، إلا أنه لم يعد يتمتع بشعبيته السابقة، أما التجمع اليمني للإصلاح "حزب إسلامي" الذي يتمتع بشعبية كبيرة في الشارع اليمني فهو مرتبط بتحالف نيابي مع حزب المؤتمر "الحاكم" ولكنه قد يسبب إزعاجا للحزب الحاكم إذا قرر تسمية مرشح للانتخابات المقبلة، أما الحزب الناصري فبرغم قوة برنامجه وفعالياته المتوالية ونشاطاته الدائبة نحو إرساء قواعد إصلاح سياسي، إلا أنه يفتقد الشعبية الكبيرة·
إن الانتفاضة اليمنية التي جاءت بعد مبادرة الرئيس صالح كشفت أن اليمن ما زال أمامه زمن ليكون مؤهلا لتحول ديمقراطي سليم مدعوم بأمن شعبي وسلام اجتماعي·