رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 5 رجب 1426هـ - 10 أغسطس 2005
العدد 1690

كيف يستمر التمرد في العراق دون برنامج سياسي موحّد؟

                                                    

 

·         الاستراتيجية الأمريكية الراهنة فشلت ولابد من تغييرها

·         التجربة البريطانية في ماليزيا في القرن الماضي تمثل درسا مهما لأمريكا في العراق

·         جيوش الأنظمة الاستبدادية مدهشة في الاستعراضات العسكرية فاشلة في الحروب!

 

بقلم: جيمس كورام*

فوجيء الكثير من الأمريكيين، بمن فيهم عدد من صنّاع القرارات العسكرية في واشنطن من شدة التمرّد في العراق، خاصة خلال الفترة التي أعقبت انتخابات يناير الماضي· فكيف أثبتت الفصائل المسلحة هذه القدرة على البقاء بالرغم من الفشل في توحيد صفوفها خلف برنامج سياسي واحد؟ يمكننا أن نجد في التاريخ إجابة على هذا السؤال، والأهم من ذلك، إنه يقدم لنا نموذجا لكيفية إخماد نار التمرد·

فالثورات حين تندلع، تطوّر المنطق الداخلي وكذلك الزخم، الخاصين بها، والناس الذين يحملون السلاح يرفضون - عادة - إلقاءه - حتى لو كانت فرص نجاحهم تقف عند حدودها الدنيا، فالتمرد الشيوعي في الملايو Malaya (ماليزيا الآن) بعد الحرب العالمية الثانية استمر اثني عشر عاما· وتمرد الهوك Huk في الفلبين دام لعشر سنوات· والتمرد في السلفادور الذي بدأ عام 1980 امتد اثنتي عشرة سنة· وفي حالات كثيرة، ظلت كوادر التمرد تقاتل حرب استنزاف حتى النهاية·

ومن الحالات الشائعة أيضا أن ينتعش التمرد في البيئات المضطربة، وقد اندلعت الكثير من حالات التمرد في أعقاب الحربين العالميتين مستفيدة من الفراغ في السلطة الذي ينشأ هنا أو هناك، وبالمثل: فحين انهار نظام صدام حسين، لم يكن في العراق عدد كاف من القوات الأمريكية أو قوات التحالف، للسيطرة على الوضع، ما أعطى فصائل عراقية الفرصة لحمل السلاح والسعي للسيطرة على السلطة، وفي هذه الأثناء، كانت القوات الأمريكية تحاول إيجاد حلول ترقيعية هنا وهناك وترتكب الخطأ تلو الخطأ، ففي البداية، تساهلت مع الميليشيات المسلحة الى أن أصبحت تشكل تهديدا لسلطة التحالف، ثم جندنا أعدادا هائلة من قوات الشرطة وقمنا بتدريبهم، وكان أداؤهم سيئا لأن تدريبهم كان سيئا أيضا·

 

طريق مسدود

 

ويعتمد هدفنا الراهن والمتمثل بتحقيق ما يكفي من الاستقرار في العراق حتى نتمكن من سحب قواتنا، على إعطاء العراقيين الخبرة التي تمكنهم من تحقيق الانتصار في هذه الحرب بأنفسهم· ومرة أخرى، لنا في التاريخ كثير من الدروس، فحين اندفع التمرد الملاوي عام  1948، حشدت بريطانيا أربعين أْلف جندي في البداية واندفعت لتوسيع قوات الأمن والشرطة في المستعمرة، وقد تمت مضاعفة عدد هذه القوات المحلية الى 40 ألف عنصر خلال الفترة من 48 - 1951، فضلا عن أكثر من مائة ألف عنصر كقوات "حرس وطني"·

صحيح أنه كان للأعداد الكبيرة تأثيرها، ولكن قوات الشرطة والأمن ضعيفة التدريب لم تكن فاعلة، وبعث كبار قادة القوات البريطانية في الملايو عام 1951، بتقارير تفيد بأنهم وصلوا الى طريق مسدود في حربهم ضد المتمردين·

وهكذا، ففي عام 1952، أرسلت بريطانيا بمندوب سام جديد هو الجنرال جيرالد كيمبلر وقائد شرطة جديد هو السير آرثر يونغ، القائد السابق لشرطة لندن الذي أدرك أن قوات الشرطة المالاوية كانت لديها القوة العددية لكنها كانت تفتقر الى القادة ذوي الكفاءة على كل مستوى، وبدأ يونغ ببرنامج تدريبي طويل الأجل، وركزّ على تطوير قدرات القادة المحترفين وضباط الشرطة·

وقد ثم إرسال العشرات من القادة ذوي الكفاءة الى بريطانيا لتلقي دورة تدريبية لمدة سنة في أكاديمية الشرطة، وأرسل المئات من صغار الضباط الى كليات جديدة عسكرية وشرطية في الملايو يُديرها البريطانيون· والمفارقة أن كيمبلر عمل الى إبطاء توسيع الجيش المالاوي الى أن ينهي القادة دورات تدريبية في بريطانيا، صحيح أن ذلك سبّب مشكلات في توفر القوة البشرية في المدى القصير، لكن هذه الاستراتيجية آتت ثمارها فيما بعد، فقد تحسن أداء قوات الشرطة بشكل ملحوظ في أواخر عام 1953، وتمكنت الحكومة من حسم الحرب لصالحها·

 

ماليزيا والعراق

 

الوضع في العراق اليوم يشبه ما واجهه تيمبلر في المالايا في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، فبعد سقوط بغداد، لم يكن لدى المسؤولين الأمريكيين الكثير من الفهم لمدى تسييس وفساد الشرطة والجيش في العراق تحت ظل حكم صدام، فمعظم الأنظمة الدكتاتورية تفضل الولاء الحزبي على الكفاءة، ولهذا السبب تبدو الجيوش في دول العالم الثالث مدهشة في الاستعراضات العسكرية في أعياد الاستقلال، لكنها تفشل في ميادين القتال· لقد كان لدى صدام حسين عدد كبير من القادة ذوي التعليم العالي، ولكنه اعتبر كل أولئك القادة الذين أبلوا بلاء حسنا في الحرب مع العراق مصدر تهديد لنظامه وتم تطهير الجيش منهم أو قضوا بشكل غامض، وهكذا، ففي حين كان البنتاغون صائبا في افتراض وجود الكثير من القادة، الذين لا يدينون بالولاء لصدام ويرغبون في العمل في حكومة جديدة، لكنه (أي البنتاغون) بالغ في تقدير مهاراتهم·

فشخصية كل من هؤلاء يجب ألا تمثل مفاجأة لنا، لأن قوات الناتو أمضت معظم عقد التسعينات وهي تحاول إعادة بناء جيوش حلف وارسو القديمة·

لقد كانت عملية إعادة تدريب القوات من بلغاريا وهنغاريا وبولندا ورومانيا وجمهورية التشيك وتحويلها الى أساليب القتال الغربية، مهمة طويلة ومكلفة وشاقة، فعلى سبيل المثال، اضطر الجيش الألماني إلى فتح برنامج لمدة ثلاث سنوات لإعادة تدريب وتعليم 14 ألف ضابط وضابط شرطة من ألمانيا الشرقية، وحتى الآن، مازال بوسعك التمييز بين الجنود الألمان في الشطر الغربي من البلاد وأولئك الذين تلقوا تدريباتهم في عهد النظام الشيوعي والذين يفتقدون روح المبادرة والرغبة في تحمّل المسؤولية·

أعرف من تجربتي الخاصة أن تدريب القوات العراقية عملية شاقة، فقد زرت العراق العام الماضي برفقة فريق من الضباط الأمريكيين لتقديم النصح للقوات العراقية، ولاحظ أحد أعضاء الفريق ممن أمضوا سنوات في العمل مع قوات من أوروبا الشرقية، وجود تشابه مثير للدهشة بين الحالتين، وبدا لي شخصيا، أن الضباط العراقيين لم يكونوا يكترثون سوى بوظيفة ذات راتب مجزٍ·

ومع ذلك، وجدنا هناك من يريدون بناء عراق أفضل، متحملين - بذلك - مجازفة عظيمة، لكنهم أيضا، كانوا يفتقرون الى أساسيات التدريب المهني، وقررنا أن أفضل سبيل لمساعدتهم هو إرسالهم الى الولايات المتحدة للتدريب، وبعد عودتهم، يمكن لهؤلاء الرجال ليس فقط قيادة وحدات عسكرية، بل يمكن أن يصبحوا كوادر لمدارس عسكرية في العراق·

ولكن ذلك يتزامن مع رغبة البنتاغون المتزايدة لتقليص التزاماته في العراق، فطوال العام ونصف العام الماضي اعتمد البنتاغون بدرجة كبيرة، على شركات مقاولات خاصة لتدريب القوات العراقية داخل البلاد مع دورات أخرى لبعض الضباط في دول مجاورة، وكانت النتيجة - كما كان متوقعا - أن اشتدت شوكة المتمردين أكثر من أي وقت مضى·

 

خيبة أمل

 

وفي شهر يناير الماضي، أسندت إلى بضعة آلاف من القوات الأمريكية مهمة الإشراف المباشر على تدريب القوات العراقية، لكنهم أصيبوا بخيبة أمل نتيجة لغياب روح المبادرة لدى هذه القوات·

وباستلهام التجربة البريطانية في المالايو، فإن السبيل الأمثل لحل المعضلة الأمنية في العراق هو البدء بإرسال الضباط العراقيين للتدريب في الولايات المتحدة على مدى السنوات الثلاث الى الأربع المقبلة مع الحفاظ على المستوى الراهن للقوات الأمريكية المنتشرة هناك طوال هذه الفترة، حيث يمكن أن يتلقى عدد من الضباط ما بين 200-300 ضابط من الرتب المتوسطة دورات متقددمة لمدة ستة أشهر، وبالإضافة الى ذلك، يمكن إرسال المئات من ضباط الشرطة في دورات لمدة عام في أكاديميات الشرطة الأمريكية·

ولن تزيد تكاليف هذه الدورات عن مائة مليون دولار سنويا، وهذا مبلغ ضئيل جدا مقابل تكاليف العمليات الباهظة التي تحملناها في العراق حتى الآن، كما يمكن لحلفائنا وخاصة بريطانيا وأستراليا الإسهام في هذا البرنامج·

إن مكافحة الإرهاب ليست اختراعا علميا كصنع الصواريخ، لسوء الحظ، وإلاّ لوجدت أمريكا العلاج، إن أية استراتيجية ناجحة لمكافحة الإرهاب تتطلب العودة الى الأساسيات العسكرية، ومالم نمنح العراق القيادة الجيدة، فإن خطّتنا لنشر الديمقراطية التي كنا نوشك على تحقيق الانتصار فيها على ما يبدو، ستؤول الى الفشل·

 

* كولونيل متقاعد في قوات الاحتياط الأمريكية وأستاذ زائر في كلية All Souls في أكسفورد

" عن: نيويورك تايمز "

طباعة  

شارون.. المشكلة أم الحل؟ الأمر بيد الرئيس بوش
 
بضاعة التعصب.. واحدة وإن اختلفت التسميات
بوليانسكي اليهودي في القدس: لكل رقصته ولكن تحت قبضتنا!