رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 26 رجب 1426هـ - 31 أغسطس 2005
العدد 1693

قراءة في أطروحات أحمد الخطيب(2)
لماذا استقال نواب المعارضـة من مجلس الأمة عام 1965؟

                                                                       

  

·         مجلس الأمة لعب دورا كبيرا في قضايا النفط ليس على المستوى الكويتي فحسب بل والدولي أيضا

·         قضايا الإسكان والتأمينات الاجتماعية والوظائف العامة من أهم منجزات المجلس

·         بدأ العمل بتخريب الدستور وصدرت القوانين المقيدة للحريات بعد وفاة عبدالله السالم

 

دراسة : علي حسين العوضي

برز نجم الدكتور أحمد الخطيب الذي اعتبره الكويتيون والعرب قائدا فعليا للجماعات الوطنية في الكويت، حيث كان الخطيب من أوائل الكويتيين من أفراد الأسر البسيطة الذي يلمع اسمه في أجواء العمل السياسي في الكويت·

وعبر حياته السياسية كان الخطيب في وضع القادر على التعبير عن موقفه واتجاهه السياسي وإزاء القضايا المطروحة، كما أنه كان قادرا على خلق تحالفات سياسية مع الجماعات الأخرى وعلى وجه الخصوص فئة التجار·

فعلى سبيل المثال تمكن الدكتور الخطيب من إقناع الأعضاء من فئة التجار بتعديل موقفهم المؤيد للحكومة والوقوف في صف المطالب التي تتبناها القوى الوطنية، فقد وجد هؤلاء الأعضاء في الخطيب الشخص الناطق باسم الجماعة والقادر على التعبير عن معاناتهم وهو تعبير عن مطالب القوى الوطنية التي كان الخطيب الناطق الفعلي باسمها·

 

مجلس الأمة

 

انتخب د· أحمد الخطيب عضوا في مجلس الأمة أعوام 1963 ـ 1971 ـ 1976 ـ 1985 ـ 1992 إلى أن اعتزل العمل البرلماني عام 1996·

واستطاع عبر وجوده بالمجالس المختلفة وبمعاونة زملائه من الوطنيين قيادة الحوار البرلماني بحنكة وقدرة فائقة وبرع في كشف أخطاء المؤسسات التنفيذية وتجاوزات الحكومة بدرجة أكسبت مجلس الأمة احترام الكويتيين وغير الكويتيين·

ويعتبرد· أحمد الخطيب أن دور مجلس الأمة - البرلمان وفقا للأوضاع الدستورية والسياسية دور محدود جدا، ولكنه يظل منبرا مهما للتوعية الشعبية ولطرح المطالب العامة، وهنالك إمكانية ليست قليلة لدور تشريعي ورقابي يقوم به مجلس الأمة لصالح الشعب وتطور الكويت وإصلاح الأوضاع·

ويؤكد الخطيب أنه لا يمكن اعتبار العمل البرلماني مجال العمل الوطني الوحيد وهو أيضا في المقابل ليس بديلا عن مجالات العمل الوطني الأخرى·

وحول أهم القضايا التي طرحت في مجلس الأمة أثناء تواجد الخطيب في المقعد النيابي، يحدد الخطيب مسألتين أساسيتين وهما:

1 - دور مجلس الأمة الكويتي في القضايا النفطية·

2 - أن مجلس الأمة لا يمثل الشعب الكويتي فقط بل الأمة العربية كلها·

وحول المسألة الأولى، يقول د· الخطيب : "مجلس الأمة الكويتي بتصوري لعب دورا أساسيا ليس كويتيا ولا عربيا فقط وإنما دوليا في قضايا النفط·· يعني مثلا شركات النفط أول مواجهة حصلت لها كانت مواجهة تأميم مصدق في إيران عام 1954 وهذا فشل·· لم تواجهه شركات النفط إلا خلال مجلس 1963 وفي سنة 1965 في اتفاقية تنفيق العوائد·· وهذه كانت اتفاقية مجحفة والشركات حسب طبيعتها وغطرستها كانت تريد ترتيب الأمور كلها لمصلحتها، وكان معروفا أن هذه الاتفاقية لو أقرت من قبل الدول الخمس تكون سارية المفعول على جميع دول النفط، والدولة الخامسة هي الكويت، فطرحت الاتفاقية في مجلس الأمة الكويتي، بالطبع كانت المفاجأة أن تسقط الاتفاقية في مجلس الأمة الكويتي وهذا يعني أن التآمر قبر في مجلس الأمة الكويتي وكان التصويت على رفض الاتفاقية بالإجماع· بالطبع كانت هذه صدمة للعالم والمهتمين بالنفط، لاستغرابهم أن يأتي مثل هذا الموقف من مجلس الأمة الكويتي، ولأول مرة ينتبهون إلى أنه يوجد مجلس في الكويت· ثم جاءت اتفاقية المشاركة في مجلس 1971 وأيضا كان لنا الشرف بالتعاون مع كل الطيبين الذين كانون موجودين في المجلس أن نسقط هذه الاتفاقية وتتحسن المشاركة وتتحول إلى تأميم· وأيضا هذا حدث بفضل مجلس الأمة الكويتي وتفهم ومساندة الشعب الكويتي لقضايا النفط واستعداده لمواجهة الاحتكار النفطي الذي كان ينهب  ثروتنا· فالحقيقة أن مجلس الأمة الكويتي صار يحسب له حساب في مثل هذا النوع من القضايا·· وأذكر ما جاء في الصحف الأجنبية·· أذكر عندما طرحت اتفاقية المشاركة كتبت الايكونوميست أنه تم قبول كل الدول لهذه الاتفاقية لكن هناك مجلس الأمة الكويتي صاحب المفاجآت إن شاء الله هذه المرة لن يفعلها· وبعد سقوط الاتفاقية كتبت الايكونوميست أن مجلس الأمة الكويتي أعطانا درسا· هذه هي الحقيقة بفضل دور الشعب الكويتي وليس دور الأشخاص في المجلس، الكويت صارت رائدة في مجابهة الشركات الاحتكارية وانتزاع حقوقها في الثروة الوطنية وليس فقط حقوق العرب بل وحتى للآخرين وهذا موقف لم نعطه حقه من التشجيع والتقدير· لم نحس به· غيرنا هم الذين يثمنون قدره ويعطونه حقه"·

أما المسألة الثانية، فيتناولها الخطيب من خلال اهتمام العرب كلهم بانتخابات المجلس وبالمناقشات التي تدور فيه، لأن مجلس الأمة ـ برأيه ـ دائما وفي كل المناسبات يعبر عن ضمير الشعب العربي ويقول الكلمة التي لا يستطيع أن يقولها هذا الشعب العربي المقهور في كل مكان·

ويضيف "هناك العديد من المنجزات مثل : قضية القوانين العمالية، قانون الوظائف العامة، وموضوع الإسكان والتأمينات الاجتماعية" وغيرها من المنجزات·

 

الاستقالة

 

يقول د· أحمد الخطيب أنه بعد وفاة الشيخ عبدالله السالم في نوفمبر1965 بُدِأ العمل بتخريب الدستور وتخريب الديمقراطية وخرجت القوانين المقيدة للحريات والتجمعات والحريات الصحافية·

فقد أصدر مجلس الأمة عددا من القوانين المقيدة وسيطرت الحكومة على أغلبية نوابه بشتى الأساليب مما أدى إلى عجز نواب القوى الوطنية عن ممارسة العمل داخل المجلس· وبعد ثلاثة أعوام على انطلاقة التجربة الديمقراطية قدم هؤلاء النواب استقالتهم من مجلس الأمة·

وتلخصت الأسباب الرئيسية للاستقالة في:ـ

1- فرض قانون التجمعات الذي حرم المواطنين من وسيلة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم·

2 - سن تشريع يكبل حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والنشر·

3 - تعديل قانون الوظائف العامة حيث أصبح مصير الموظف معلقا بإرادة أفراد الحكومة·

4 - تعديل قانون جمعيات النفع العام والأندية·

5 - سلوك الحكومة ومؤيديها في محاولة إجهاض التجربة الديمقراطية وتزييف إرادة  الشعب·

 

تزوير الانتخابات وانقسام الحركة الوطنية

 

اكتشفت القوى الوطنية أن الدستور والديمقراطية تقرر تفريغهما من الجوهر الديمقراطي على الرغم من الإقبال على التجربة وترحيب الشعب لها·

ولذلك خاضت القوى الوطنية والديمقراطية انتخابات مجلس الأمة الثاني عام 1967 من خلال جبهة وطنية ضمت جميع القطاعات الوطنية  ابتداء من رئيس غرفة التجارة إلى رئيس اتحاد العمال، ودخلت الحركة الوطنية هذه الانتخابات بقوائم موحدة من المرشحين في كل الدوائر الانتخابية تقريبا·

ولكن ماذا حدث في هذه الانتخابات ؟

يقول الخطيب: "انتخابات 1967 تم تزويرها بالكامل حيث أنه عندما تم إغلاق الصناديق وجاءت الشرطة بأسلحتها على المراكز وأخذت الصناديق لاستبدالها بصناديق أخرى معدة مسبقا "·

ويقول: "بعد تزوير الانتخابات اكتشفنا أن صناديق الاقتراع أخذت من لبنان وقبل انتخابات 1957 تم إحضار 40 صندوقا جديدة تم اكتشافها بالمطار وفي يوم الانتخابات استبدلت الصناديق القديمة بالجديدة"·

على إثر تزوير الانتخابات وهزيمة حزيران 1967 انقسمت أطراف الحركة القومية ـ الوطنية   (حركة القوميين العرب) في الكويت إلى ثلاثة تنظيمات سياسية هي : الحركة الثورية الشعبية والتجمع الوطني بزعامة جاسم القطامي ومجموعة د· أحمد الخطيب والتي يطلق عليها القيادة التاريخية والتي اتخذت لنفسها تسمية حركة التقدميين الديمقراطيين الكويتيين·

وخاضت حركة التقدميين الانتخابات النيابية عامي 1971 و 1975، وشهدت هذه الفترة انكسارا حادا لأطراف الحركة الوطنية حيث خسرت بموجبها العديد من المقاعد النيابية·

فقد أعلن التجمع الوطني مقاطعته لانتخابات 1971 مطالبا القوى الوطنية بعدم المشاركة فيها، إلا أن التقدميين الديمقراطيين شاركوا بهذه الانتخابات مما حدا بالتجمع باتهام التقدميين بأنهم فوتوا بمشاركتهم لهذه الانتخابات فرصة كشف خطط الحكومة ونواياها وأن مشاركتهم جاءت لصالح السلطة·

واستمر هذا الصراع قائما بين طرفي الحركة الوطنية الديمقراطية في الكويت، ففي أثناء انتخابات 1975 والتي خاض مرشحو التنظيمين هذه الانتخابات، دارت منافسة شرسة بينهم في الدوائر الانتخابية ورافقت ذلك حملة من الاتهامات المتبادلة، وأدى ذلك في نهاية الأمر إلى خسارة العديد من المقاعد النيابية·

وحول هذا الأمر يقول د· الخطيب : إن "أخطر الأسباب كان الانقسام الوطني الذي دل على عدم تقدير الهجمة المضادة حق تقديرها·· فبدل أن تواجه القوى الوطنية القوى المضادة صفا واحدا كما فعلت القوى المضادة·· وصل الانقسام الوطني إلى حد التشهير الذي لم يستفد منه إلا أعداء الوحدة الوطنية وأعداء الشعب والتقدم"·

 

كتاب استقالة نواب المعارضة

من مجلس الأمة 1965

 

سعادة رئيس مجلس الأمة الموقر

تحية طيبة وبعد

لقد كان للبادرة الطيبة بالدعوة لإقامة المجلس التأسيسي وقع طيب في نفوس المواطنين، فاستبشر الشعب خيرا، واطمأن عندما تم انتخاب المجلس التأسيسي تمهيدا لوضع دستور دائم للبلاد يرسي دعائم المقومات الدستورية ويصون الكرامة الإنسانية للمواطنين، ويمهد الطريق السوي إلى حياة فضلى ينعم فيها الشعب في ظل وافر من الحرية السياسية والمساواة والعدالة الاجتماعية·

وقد تم بالفعل وضع دستور دائم للدولة تضمن قواعد إقامة حكم ديمقراطي ونص في صلب مواده على الضمانات الضرورية ومقومات الحرية الشخصية وحرية العقيدة وحرية الرأي وحرية الصحافة والطباعة والنشر وحرية المراسلة وحرية تكوين الجمعيات والنقابات وحرية الاجتماع وعقد الاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات·

وعلى أسس هذه الضمانات الدستورية تسابق المخلصون من أبناء هذا الشعب إلى ترشيح أنفسهم لعضوية مجلس الأمة، وكان رائدهم في ذلك حمل أمانة تمثيل المواطنين ابتغاء تجسيد ما نص عليه الدستور من مبادئ ومثل عليا والعمل المخلص على تطبيق نصوصها ومقوماتها·

وكان يدخل في الاعتبار أن التجربة البرلمانية الديمقراطية في الكويت تجربة أولى رائدة ينبغي تضافر جهود المخلصين من أبناء الشعب لإنجاحها وترسيخها·

ولا جدال أن التمثيل البرلماني وسيلة لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق غاية نبيلة وهي بناء مجتمع أفضل يتمتع فيه الأفراد بكافة الحريات ويحقق المساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين ويقيم العدالة الاجتماعية باعتبار أنه في ظل هذه المقومات يتمكن الفرد من الخلق والإبداع ويستطيع المجتمع الإسهام في إنماء الحضارة الإنسانية والحق أنه لا يمكن أن يوجد حكم نيابي إلا على أساس من الحريات العامة والمساواة وتكافؤ الفرص والعدل الاجتماعي·

ولا يمكن أن توجد الحريات العامة إلا على أساس توفر المقومات والضمانات لحرية الرأي والعقيدة والتعبير والاجتماع·

إن الديمقراطية بمفهومها الواسع ومن ضمنها بطبيعة الحال وواقعه، الحرية نفسها هي عماد وعنوان الديمقراطية التي تختلط بمثل الجماعة وقيمها العامة فتصير جزءا منها وترسخ في عقول الناس وأفئدتهم ويصبح العيش بدونها أمرا لا يتفق وطبيعة البشر وسنة التطور·

فليس عبثا إذن أن نص دستورنا في مواده على كفالة حرية الرأي وحرية الاعتقاد وحرية الصحافة والنشر وتكريس الحرية الشخصية بمفهومها الواسع وعلى عدم جواز القبض على إنسان إلا وفقا للقانون، وكذلك حرية الاجتماعات والمواكب وحق تكوين الجمعيات ومساواة المواطنين في الحقوق والواجبات وتكافؤ الفرص بين المواطنين وأن المواطنين سواسية أمام القانون·

تلك هي الضمانات الأساسية للمواطن جاءت في نصوص صريحة وواضحة أضحت الديمقراطية معها تدور وجودا وعدما·

وهنا يجب أن نقرر حقيقة ترسخت عبر التاريخ وهي أن المجتمعات البشرية بطبيعتها تعشق الحرية وتنشد الانطلاق إلى تحقيق المثل العليا وأن الدساتير وكافة التشريعات لا تنشئ الحرية أو تشيدها من عدم وإنما تقرر حقيقة واقعة وتصوغها في مواد ثابتة واضحة لإعانة المواطنين ومساعدتهم في ممارسة حقوقهم دون أن تقضي على الحرية أو تمنع استعمالها·

سيادة الرئيس

كانت كل هذه الآمال تجول في أذهاننا عندما تصدينا لمهمة تمثيل الشعب والمساهمة في إنجاح التجربة البرلمانية الرائدة متغاضين عن النواقص الموجودة على أساس أن التجربة ستسير إلى الأمام نحو مزيد من الحرية ومزيد من المساواة يحدونا في ذلك خدمة الصالح العام والامتثال لإرادة الشعب، إلا أننا لاحظنا منذ بداية الفصل التشريعي أن هناك محاولات جاهدة لتقليص الديمقراطية وتقويض الدعامات التي تقوم على أساسها، كانت بداية تلك المحاولات فرض قانون التجمعات الذي حرم المواطنين من وسيلة للتعبير عن آرائهم ومواقفهم، مجافيا بذلك نصا دستوريا صريحا وهو أن حق الاجتماعات والمواكب والتجمعات مباح وفقا للشروط والأوضاع التي يبينها القانون ( مادة 44 ) ورافقت ذلك مواقف مختلفة من الحكومة كانت تنم عن نية غير مخلصة في التقيد بالأصول الديمقراطية والضمانات الدستورية·

على أن هذا الاتجاه لم يلبث أن تبلور في دور انعقاد المجلس الماضي عندما ظهر بشكل بارز تكتل أغلبية أعضاء المجلس لتوالي الحكومة وتؤيدها في الحق وغير الحق دون اكتراث بالمسؤولية التي حملها الشعب لأعضاء مجلس الأمة عندما انتخبهم، وتحولت بذلك السلطة التشريعية من وسيلة في يد الشعب لتحقيق مزيد من الحريات ومزيد من المكاسب التقدمية إلى أداة في يد الحكومة ووسيلة للضغط وخنق الحريات الشخصية والعامة، وأصبح الوضع في مجلس الأمة أقرب إلى المسرحيات منه إلى المواقف الجادة والتي تضع صالح الشعب نصب أعينها، نذكر بهذا الصدد موقف أعضاء الأكثرية البرلمانية في الأزمة الوزارية المذكورة وموقفها عند مناقشة قانون المختارين ومن بعد الأزمة الوزارية بعد ذلك ضمنت الحكومة أكثرية المجلس إلى جانبها ولمسنا أن هناك هوى جامحا أخذ يسيطر على الحكومة وأكثرية أعضاء المجلس باستغلال هذه الفرصة باندفاع وإصرار عجيبين لفرض مزيد من القوانين القسرية بهدف تضييق الخناق على حريات المواطنين، وكان أن تقدمت الحكومة بتعديل لقوانين الوظائف العامة والجمعيات والأندية والصحافة والطباعة والنشر وأقرتها الأكثرية البرلمانية دونما اعتبار لتأثيرها السيء على ممارسة المواطنين لحقوقهم وحرياتهم وتناقضها مع المقومات التي أقرها الدستور·

إن هذه الإجراءات قد أبطلت في الحق مفعول الضمانات الدستورية وصودرت بموجبها حرية الناس في التعبير عن آرائهم وضيق الخناق عليهم في حين كان ينبغي والبلاد في أول عهدها الديمقراطي أن يؤخذ بيد المؤسسات والجمعيات الشعبية ومساعدتها على أساس أنها وسائل لتعميق الوعي الشعبي وإنضاج الرأي العام وتدعيم الديمقراطية لا أن يضيق الخناق عليها ويعتدى على حرمة مقارها ويهدد ممثلوها·

ولقد أقر الدستور حرية الصحافة والطباعة والنشر وكفلها، وبديهي القول بأن المناقشة العامة الحرة التي يستطيع من خلالها المواطنون على اختلاف ميولهم إبداء رأيهم بكامل الإخلاص والحرية هي دعامة للنظام الديمقراطي وهي التي تنير الرأي العام والتي تعطي لأحكامه وقراراته قيمتها، ولهذا قيل إنه لا قيمة البتة لما يجري في النظم المطلقة من صور الاستفتاء أو الاقتراع أو التصويت لأنه لا يسبقها مناقشة علنية حرة، وهكذا فان إقدام الحكومة على سن تشريع يكبل حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والنشر هو من نوع ما تباشره الحكومات التي تحكم في ظل الديكتاتورية والعنف، وتحاول تكبيل العقول والأرواح والذي ينم عن عدم السماحة وضيق الصدر لأنها قائمة على الإرهاب والتضليل وحجرها على حرية الرأي وحرصها على ألا يرى الناس من الأشياء إلا الجانب الذي تريدهم الدولة أن يروه أو لا يروا غيره·

لقد أصبح من المستحيل مع وجود القوانين الحالية المقيدة للصحافة والنشر ممارسة الصحافة لوظيفتها في تنمية الرأي العام وتنويره بإخلاص إذ كيف تستطيع الصحافة أداء مهمتها حين يكون من العسير عليها أن تميز بين ما يجب أن تقوله بالبحث والانتقاد وما يجب أن تتجنبه خشية أن تقع تحت طائلة العقاب حين يكون القانون هو إرادة الحكومة ورضاها·

ولقد اكتملت هذه الحلقة السوداء من سلسلة فرض القوانين القسرية بتعديل قانون الوظائف العامة، فقد سلب هذا التعديل الذي تقدمت به الحكومة وأقره المجلس الهوية الأساسية للمواطن الموظف وجعل مصيره معلقا بإرادة أفراد الحكومة وأصبح الموظف يعيش تحت تهديد دائم، ولم تقف سياسة الحكومة عند هذا الحد·

سعادة الرئيس

الأصل في الدستور هو ضمان الحريات العامة وضمان حرية الرأي والعقيدة والاستثناء هو القيود التي تنظم ممارسة تلك الحريات وضبطها حتى يكون المواطنون على بينة من الحدود التي لا يتجاوزونها وتلك طبيعة التشريع، فالأصل الدستوري إذن هو الحرية وقد كفل الدستور هذا الأصل والاستثناء هو القيد ولا يجوز أن يمحو الاستثناء الأصل أو يجور عليه أو يبطله أو   يعطله، فالمشرع فيما عدا حالتي الحرب والأحكام العرفية لا يملك أن يجور على حرية الرأي بحيث يعوقها عن أداء وظيفة من وظائفها في النظام الديمقراطي لأنه لا يملك أن يعطل عمل النظام الديمقراطي تعطيلا كليا أو جزئيا وإنما يملك فقط أن يضمن بتدبير أو بجزاء عدم تجاوز حرية الرأي في الحدود التي تفرضها عليها طبيعتها ووظائفها المطلوبة منها في البيئة الديمقراطية التي تعمل فيها، ولكن للأسف قد كبل الشعب بقيود قاسية لا يمكن أن يسكت عنها إلا في حالتي الحرب وإعلان الأحكام العرفية·

سعادة الرئيس

إن تاريخ التجارب الديمقراطية وعلى الأخص في البلاد العربية قد علمنا أن جوهر الديمقراطية إنما يكون بالتجسيد المخلص للمبادئ والمثل الديمقراطية القائمة على أساس حسن النية، فالديمقراطية ليست أشكالا ونصوصا جامدة وإنما هي سلوك وممارسة، ومن دون الحرص عند التطبيق على المبادئ والمقومات التي تضمنها الدستور فان الديمقراطية تصبح مظلة فارغة من دون محتوى وشكلا من دون معنى·

ولقد بات واضحا أن الغرض الحقيقي وراء سلوك الحكومة ومؤيديها وما تم من إجراءات وتصرفات هو محاولة إجهاض التجربة الديمقراطية وتزييف إرادة الشعب والقضاء على كل عنصر وطني يرفض الانصياع لأوامر الحكومة·

ولقد تذرعنا بالصبر الجميل رغبة منا في أن تصفو النفوس وتستيقظ الضمائر، وحاولنا جاهدين الوقوف في وجه هذا الاتجاه الجامح والتنبيه إلى مواطن الخطأ والتذكير بحكم الدستور عندما كنا نلمس أن هناك انتهاكا لنصوصه وافتئاتا على الحياة الديمقراطية إلا أن محاولاتنا هذه لم تعد مجدية أمام تمادي وإصرار الحكومة ومؤيديها·

وهكذا أصبحت مسافة الخلاف بين الحكومة ومؤيديها من جانب وبين جماهير الشعب من جانب آخر واسعة وعميقة وتحول بذلك مجلس الأمة إلى مؤسسة لا ديمقراطية ومصدرا لقوانين جائرة لا تتفق وإرادة الشعب·

سعادة الرئيس

هذه بإيجاز حقيقة الوضع الراهن الذي تعيشه الكويت وهو وضع بات السكوت عنه جريمة لا تغتفر بحق هذا الشعب وهي في الحق محنة رأينا أن نوجز عناصرها للمواطنين وللمجلس لأننا لم نعد نتحمل مسؤولياتها التاريخية·

وشعورا منا بأن الحرية والكرامة الإنسانية لم يعد لهما وجود على الرغم من نصوص الدستور الذي هو نقطة الانطلاق كما جاء في مقدمته بالحرف الواحد : "… سعيا نحو مستقبل أفضل ينعم فيه الوطن بمزيد من الرفاهية … ويفيء على المواطنين مزيدا كذلك من الحرية السياسية والمساواة والعدالة الاجتماعية ويرسي دعائم ما جبلت عليه النفس العربية من اعتزاز بكرامة الفرد وحرص على صالح المجموع وشورى في الحكم"·

لكل ما تقدم وشعورا منا بأن التمثيل النيابي أمانة كبرى في أعناقنا يجب أن تؤدى بكل شرف ونزاهة، وشعورا منا بأن القيام بهذا الواجب في ظل هذه الظروف أصبح أمرا مستحيلا، لذلك فان بقاءنا في المجلس والمشاركة في أعماله هو مساهمة في تضليل المواطنين وإيهامهم بأن الديمقراطية في أمان في حين أنها تتعرض للتزييف وبأن الدستور مصان في الوقت الذي تتعرض فيه نصوصه لانتهاكات صارخة·

وتجدر الإشارة هنا إلى أننا كنا قد عزمنا على الاستقالة بعد انسحابنا من الجلسة التي أقرت فيها التعديلات الجائرة لقوانين المطبوعات والنشر والموظفين والأندية في نهاية الدورة   الماضية، بيد أن شعورنا باستحالة وبعدم تصور إمكانية تطبيق تلك التعديلات قد جعلنا نعدل عن تقديم استقالتنا، ولكن بعد فض الدورة الماضية وخلال العطلة الصيفية للمجلس شرعت الحكومة في تطبيق تلك التعديلات، الأمر الذي وجدنا فيه أنفسنا مضطرين لاتخاذ هذه الخطوة في أول جلسة يعقدها المجلس، لكن الحادث المؤلم الذي تعرض له أمير البلاد المعظم والذي أودى بحياته الغالية بعد ذلك قد اضطرنا إلى التأجيل والتريث·

ولقد كان يحدونا الأمل في أن تأتي حكومة جديدة تصلح ما أفسدته الحكومة السابقة، إلا أن تشكيلها على النحو الذي تم والبيان الذي قدمته إلى المجلس جعل الاستقالة أمرا مندوحة منه لانتفاء كل أمل في الإصلاح وتدعيم وحدة الشعب والمحافظة على مكاسبه الدستورية·

إزاء كل ذلك، نجد أنفسنا مضطرين إلى إعادة الأمانة إلى الشعب مصدر السلطات ونتقدم باستقالتنا هذه من مجلس الأمة·

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام·

 

التوقيعات

 

د· أحمد الخطيب، جاسم القطامي، علي العمر، راشد التوحيد، سامي المنيس، سليمان المطوع، عبد الرزاق الخالد، يعقوب الحميضي·

 

   

               

طباعة