رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 شعبان 1426هـ - 7 سبتمبر 2005
العدد 1694

رفضوا "النهضة الثانية" والآن تدرّس في الجامعات ويستشهدون بها(2)
د. متري بولس: علينا أن نعيد النظر في موقفنا من التراث العربي بأكمله

                                                                                  

 

·         أقبلنا على أدب جبران بعد أن ذاعت شهرته في الغرب.. مثلما نجيب محفوظ و"نوبل"!

·         الدراسات الحديثة عن الحضارة الأندلسية في وادٍ و"أندلسنا" التي نعرف في وادٍ آخر!

·         لم تكن "نهضة".. كل ما هنالك أنهم أحسنوا إعراب اللغة وأنقذوها من "التركية"!

 

حاوره نشمي مهنا:

للدكتور متري سليم بولس رأي في النهضة العربية، مفاده أن النهضة الأولى قامت على ربط الأدب بالتراث العربي القديم، وأنها لم تنجز سوى استعادة اللغة الفصحى والمحافظة عليها بعد قرون من التخريب العثماني وسطوة "التركية" عليها· أما "النهضة الثانية" - التي اخترع مصطلحها منذ منتصف الستينات - فأرّخها بالعام 1882 ودور جرجي زيدان ومجموعة من الرواد في ربط الأدب بالحياة المعاصرة وقضايا الإنسان بعامة·

يتحدث هنا د· بولس عن "النهضة الثانية" كما يدعو الى فتح ملفات تاريخية وقضايا قد تصطدم بوعينا العربي مستشهدا بالفترة الأندلسية، ونظرتنا المغلوطة لذلك العهد·

وفي هذا الجزء يستكمل د· بولس آراءه في الأدب الجبراني، ويعيد السبب في انتشاره الى موافقته الذهنية الغربية (الأمريكية خصوصا)، والى جذوره المشرقية المفتخرة بابنها "العالمي"· وهنا نص الحوار الذي أجرته معه "الطليعة" في جزئه الأخير:

 

·         انتشار الأدب الجبراني في العالم الغربي وتحديدا في الولايات المتحدة لماذا برأيك؟

- ندرك لا شك أن لدى جبران أذنا موسيقية بارعة، وليس مصادفة أن يكون كتابه الأول تحت عنوان "الموسيقى" ومن هنا يمكننا أن نفهم مدى دقة إيقاع الجملة الجبرانية، ففي كتابه "النبي" الذي كتب بالإنجليزية لا يمكن أن تجد كلمة خارجة عن انسياب الإيقاع الجمالي، وامتلاكه في ذات الوقت الصورة المشرقة، إذاً "النبي" قد حقق نجاحه من ناحيتين الأسلوب والصورة·

ولكن ما لفت أنظار الأمريكيين والعالم في الحقيقة هو الحلول التي يراها جبران للمشكلات الإنسانية الكبرى، على سبيل المثال في العلاقة ما بين الرجل والمرأة فعلى مستوى الصورة يقول جبران للرجل والمرأة: "لا تشربا من كأس واحدة وليكن لكل منكما كأسه" والمعنى الكامن وراء هذه العبارة هو أن بإمكان الرجل والمرأة تكوين علاقة عميقة دون ضياع شخصية الرجل في المرأة أو ضياع شخصية المرأة في الرجل، وإمكانية الحفاظ على كيانيهما مستقلين، وهذا ما نزعت إليه الحضارة الغربية اليوم كحل متقدم لمثل تلك العلاقة وأيضا حين يقول "أولادكم أولاد الحياة" وهذا أيضا ما يوافق الذهنية الأمريكية وهو يرى أن هؤلاء الأبناء ليسوا أبناء المجتمع ولكنهم أبناء الحياة التي تساوي الله الذي هو رب الحياة·

إذاً الحلول التي وضعها جبران في كتابه هي حلول متقدمة توافق الذهنية الغربية، بل برأيي هي حلول توافق النوازع الإنسانية بشكل عام، ولنر رأيه أيضا في قضية العمل فهو يقول: "لكي يكون عملك جيدا اعمل وكأنك ستقدم هذا العمل لمن تحب"·

لذا نستطيع أن نقول إن الخطرات الجبرانية في كتابه "النبي" هي مركز الانطلاق الى الذائقة العالمية·

ونلاحظ أن الإقبال على قراءة كتاب "النبي" تزداد إبان الأزمات والحروب لما يجدونه من حلول مطمئنة وعزاء روحي آمن·

هذا باختصار سبب انتشاره في الغرب أما في الشرق وتحديدا في المجتمع العربي فيرجع الى أن الصور الفنية وأصول القوالب الفكرية ليست بعيدة عن جذورها المشرقية، علاوة على الاعتزاز والفخر بمكانة الأديب العالمية، والتي تدفع الكثيرين الى البحث والمطالعة في نتاجه ولنا في نجيب محفوظ مثال واضح حين حاز على جائزة نوبل·

 

الانتشار... الإنتاج.. والرهان..

 

·   هل بالإمكان أن تحدثنا عن مؤلفاتك الأكاديمية والإبداعية ولو بشكل عام وعن مشاريعك القادمة؟

- لقد درست في الجامعة الأمريكية 21 سنة ولا زلت أدرس في جامعة القديس يوسف ومنذ 40 عاما ودرست في جامعة "روح القدس" ولذا طغى المنحى الجامعي على مؤلفاتي البحثية بالطبع ما عدا الإنتاج القصصي وبالرغم من الروح الأكاديمية التي تحملها هذه المؤلفات إلا أنها لاقت صدى جيدا في الصحافة ووسائل الإعلام اللبنانية، لكني بالرغم من ذلك أشعر أن كل ما نشرته لا يمثل شيئا، وبكل بساطة أصارحك أنني أراهن على السنوات الخمس المقبلة التي سوف تظهر موقفي من الأدبين اللبناني والعربي والآن أنا أقوم بعملية تنظيم شاملة قبل الرحلة الأخيرة·

وسوف أقول فيها ما لم أقله أو ما لم أجرؤ على قوله بسبب موقعي الجامعي، إن معظم إنتاجي المقبل سوف يكون محصورا في مجال القصة والرواية، القضية بالنسبة لي هنا قضية وقت لا أكثر وسوف يبلغ عدد المجموعة الكاملة بمؤلفاتي خمسين كتابا صدر منها حتى اليوم عشرون كتابا وسوف أنصرف في الأعوام الخمسة المقبلة لإعداد ومباشرة مؤلفاتي·

 

النهضة الثانية

 

·     والنهضة العربية.. لك رأي في حقيقتها وتأريخها ومصطلحها.. كيف قوبلت وهل صمدت؟

- إن النهضة العربية على سبيل المثال لم تكن نهضة حقيقية بل كانت تقليدا للأدب العربي القديم، وإذا أردنا أن ندعي على سبيل رحابة الصدر أنها كانت نهضة لأن العرب لم يكونوا يحسنون الكتابة باللغة العربية الفصحى، إذ كانوا يكتبون باللغة التركية، ولم يكونوا يحسنون الإعراب نهضوا وأصبحوا يكتبون كتابة إعرابية فهي نهضة شكلية وتحمل طابعا شكليا أكثر مما تحمل واقعا عميقا حقيقيا ومستقلا·

إن النهضة لا تقاس بالنسبة للقاع بل ما ترنو إليه الى الأعلى·

إن النهضة الحقيقية قد تمت 1882 عندما قامت الثورة في الجامعة الأمريكية وقد كان رائدها هو جرجي زيدان على رأس فريق من الطلبة والأساتذة الذين دعوا الى النظرية التطورية الداروينية هذا هو تاريخ النهضة العربية الحقيقية·

لذا علينا أن نعيد النظر في موقفنا من التراث بكامله·· ولقد أصدرت كتابا اسمه "في أدب النهضة الثانية" ومراعاة للجيل الأول الذي نهض فأحسن الإعراب قلت إن هنالك نهضة ثانية وإن لم أشرح هذه النظرية كاملة، وللأسف حين نشرت هذا الكتاب قامت القيامة وتردد في الأوساط الأكاديمية أنني أخترع نهضة خاصة بي وما الى ذلك والآن أصبح مصطلح "النهضة الثانية" شائعا حتى في الأوساط الجامعية وعلى سبيل المثال نصيف نصار وهو من كبار المفكرين اللبنانيين وضع في كتابه مصطلح "النهضة الثانية" وكذلك جامعة "القديس يوسف" وأيضا جامعة "روح القدس" تريد تخصيص يوما كاملا لأبعاد النهضة الثانية ومقوماتها وكذلك برنامج الندوات المعمول به في مثل هذه الندوات مقتبس من مقدمة كتابي "في أدب النهضة الثانية" إذاً مصطلح "النهضة الثانية" قد أصبح شائعا ومعترفا به، هذا بالنسبة الى ما يتعلق بالموقف من من التراث·

الأمر الآخر موقفي الشخصي من الكون والحياة، وأحدد هنا بوضوح أن كل ما يتنافى مع العلم أنا لا أؤمن به وكل ما يقوم على مرتكزات علمية أؤمن به على أساس أن القوانين العلمية التي تسير الكون هي قوانين إلهية، فالكون قائم على نظام دقيق يكتشفه العلم، على أن نقرن العلم بإرادة إلهية وانظر كيف ستتغير الأمور انطلاقا من التكوين·

إن عمر الكون يقدر بمليارات السنين بينما عمر الإنسان والحياة بأربعة ملايين، إذاً نحتاج في النطاق الأدبي أن نؤسس هذا النطاق الأدبي وهذا مهم على أساس علمي وليس على قواعد وأساطير وهنا تتحدد رؤيتي الشخصية البحتة، وحين أصدرت مجموعتي القصصية "آدم يأكل التفاحة ويتركني" قال بعض الأشخاص: إن متري بولس يؤمن على طريقته·

 

النظرة الأخرى للأدب الأندلسي

 

نظرتنا الى الحضارة الأندلسية يشوبها الكثير من الخطأ، وهي نظرة مغلوطة، فنحن نتغنى بنتاج هذه الحضارة دون أن نتمعن تحليلا ودراسة ودون أن نعرض هذا النتاج للبحث العلمي· فالمنحى الشعري، والخيالي المثالي، الأسطوري هو الموقف الغالب على نظرتنا للأدب العربي الأندلسي·· علينا إعادة النظر في ذلك الأدب منذ وطأ العرب أرض أسبانيا حتى خروجهم منها·· أقصد - دون دخول في التفاصيل - أن واقع الأندلس شيء وما نكتبه شيئا آخر، فنحن يجب أن نعرف لماذا دخل العرب الأندلس، وما هي الأسباب الحقيقية وراء خروجهم منها؟

يجب أن نعيد النظر في الكثير من القضايا المتعلقة بالتراث حتى وإن تعلق الأمر بالدراسات العلمية·

فإذا عدنا الى تاريخ الأندلس وجدنا أن الكثير من القضايا لا تنسجم مع أهم الدراسات التي صدرت في القرن العشرين والتاسع عشر، عن الحضارة الأندلسية، فالأندلس في وادٍ والدراسات في واد آخر·

يجب أن نعيد تلك الدراسات الى واديها الحقيقي بالتأكيد دون أن نغفل دراسة القمم الأندلسية ولكن يجب علينا النظر الى القاع، هنالك الكثير من القضايا التي قد تصطدم ووعينا العربي المهم لا بد من مواجهتها·

 

           

طباعة  

وتد
 
كتابة
 
مهرجان للشعر العالمي في بلجيكا يرأسه المغربي
 
المرصد الثقافي