رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 شعبان 1426هـ - 7 سبتمبر 2005
العدد 1694

وتد

درويش..

أغمض عينيك واقفز!

 

نشمي مهنا

بذكاء ومنذ سنوات نقّى محمود درويش لغته الشعرية من المفردة السياسية، وهمومها، وخطابها، وتخفف من أحمالها، راجيا أهلها: أنقذونا من هذا الحب القاسي· وتيسر له، بمثل هذه الخفة أن يمر، فيما بعد، على أبوابها مرورا محببا، ومبهجا، مرورا لا يورط ولا يوقع في محظورات شعرية، كأن يتمنى أن يشتم وطنه، مثل أي ملاّك أرض ووطن، غاضبين ومخلصين وصادقين في الحب·

وبالطبع لا حرية في الشتم إلا بعد الامتلاك·

قفزة حرة كانت، وتخلُّصا من مفاهيم شعرية كانت تقيد الوطن، وتصلب الشعر على خشبته·

لكن ماذا عن الجماهير "المخلصة" التي غازلها درويش وغنى لها وبكى معها طوال عقود؟ هل بإمكانه أن يكرر قفزة أخرى تنجيه من أحضانها القاتلة، ليسلم ويسلم شعره، مثلما فعل مع قصيدته والخطاب السياسي·· حينما فكر وقرر ونقّى؟!

هذا ما يحاوله، أعتقد، بالرغم من بقايا هوى في نفسه للمدرجات الرومانية، ومساحات المدن الرياضية الواسعة التي يتردد في جوفها صدى أعلى من صوته، وبالرغم من غمزة مجاملة في مهرجان هنا أو هناك تضطره الى أن يستل قصيدة "شعبية" قديمة، مضى زمن شحناتها وتثويرها ورفضها·· حتى بردت·

ما معنى أن يعيد درويش قراءة "سجِّل أنا عربي" على مسامع وقلوب جماهيره·· سوى علة ما؟ وما معنى أن يقرأ في الأمسية نفسها قصيدة ذاتية·· سوى صحوة ما؟ وسينتصر - أخيرا - الى الثانية؛ الى نفسه الشاعرة· هذا ما يرصده متابعوه من الضفة الأخرى، وما ستقوده إليه فطنته التي لن تقبل إطالة الحيرة، ولا الغزل الدائم، والممل، للآخرين· هؤلاء الآخرون الذين يعرف أنهم قد يساوونه بمظفر النواب وأمل دنقل ونزار، أو حتى بمرسيل خليفة!

إذاً، انتهى - أو أنهى درويش - "السياسي" و"الجماهيري"، وتبقت عقدة واحدة، هي هذه الصبية الملائكية، التي لا تنقاد لأغنية ولا لوزن ولا قافية ونعني قصيدة النثر·

فليغضب درويش من نفسه، وليصرح بأن "المتنبي أكثر حداثة من شعرائنا مجتمعين"· ولينف تصريحه بعد أيام من "الصداع" بنفي أفدح "·· ونحن الآن، عندما نبحث عن وصف لحالتنا الراهنة، نلجأ الى اقتباس أبيات من شعر المتنبي، مما يخلق لدي الإحساس بأن هذا الشاعر العظيم ما زال أكثر حياة ومعاصرة وحداثة منا··· لم أقل منكم أيها الشعراء"!

هو، هنا، الى لغة وذهنية "جماهيرية" أقرب، فمن قال إننا نريد أن نحمِّل الشعر "حالتنا الراهنة" أو نستنطقه كلسان لها؟ ألم نقل إننا تخلصنا من سيرة الخطاب وأهله و"تخديم" الشعر في بلاط السياسة؟!

ثم، من قال إن هناك فرقا بين ضميري الجمع "منا" و"منكم" الواردين في التصحيح سوى الذات المتوارية، التي تؤكد استثناء "شعرها" بنفي الاستثناء!

مقارنات رجل الشارع أو قارئ مختارات "أعذب الشعر" ومقولاته في "الأشعر" و"الأكثر حداثة" لا تصلح لدرويش، وإلا لاختلط "بعض" شعرائنا "ببعض" شعراء العصور الغابرة، فبدهي أن المعري وأبا تمام وأبا نواس أكثر شعرية من "بعض" معاصرينا، وأن سعدي يوسف أشعر من أبي العتاهية وعبدالمنعم رمضان أشعر من ابن الرومي ودرويش أشعر من الفرزدق وجرير معا و····

لذا، فالتصحيح أكد التصريح، ولم يكن درويش يحتاج الى أن "يعتذر عما فعل"، خصوصا، ونحن عشاق جديده، نعرف أنه يمّرن مخيلته ولغته وتفاعيله للعبور الى قصيدة النثر، وإلا ما معنى أن يقدم مجموعته الشعرية الصادرة قبل أيام "كزهر اللوز أو أبعد" بعبارات أبي حيان التوحيدي "أحسن الكلام ما·· قامت صورته بين نظم كأنه نثر، ونثر كأنه نظم"!

في براءة المراهقة، كان من ينوي القفز من جسر عالٍ الى ماء النهر، ينتظر أكبر عدد من "الجماهير" لتراقب وتندهش وتصفق··

أهي كذلك؟ أم هي صرخة المتردد·· والمغتاظ من صحب سبقوه الى النهر؟!

nashmi22@hotmail.com

طباعة  

رفضوا "النهضة الثانية" والآن تدرّس في الجامعات ويستشهدون بها(2)
د. متري بولس: علينا أن نعيد النظر في موقفنا من التراث العربي بأكمله

 
كتابة
 
مهرجان للشعر العالمي في بلجيكا يرأسه المغربي
 
المرصد الثقافي