رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 شعبان 1426هـ - 7 سبتمبر 2005
العدد 1694

من خلال تسهيل تنفيذ خطة الانسحاب من غزة
الفلسطينيون بدأوا أخيرا يتعلمون دروس التاريخ

                         

 

·         هل تكرّر حماس سيناريو إنجاح نتانياهو عام 1996؟

·         شارون يأمل بإرجاء  خطة خارطة الطريق الى عشرين عاما!

·         اليهود قالوا "نعم" عام 47  فأخذوا كل شيء وقال الفلسطينيون "لا" ولم يأخذوا شيئا

 

بقلم: إم · جي روزنبيرغ

منذ إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون عن خطته للانفصال عن قطاع غزة ما يربو على عام ونصف العام، برزت الكثير من الجدليات في محاولة لتفسير هذه الخطوة لكنها مالبثت أن استقرت على جدليتين اثنتين·

الأولى، التي ترقى الى درجة الحكمة التقليدية في أوساط اليسار الإسرائيلي وفي الخارج، وهي أن الانفصال عن غزة ليس له أهمية كبيرة وأن شارون ينسحب من غزة من أجل تشديد قبضته على الضفة الغربية والقدس، حيث سيقول شارون للعالم وخاصة للولايات المتحدة أنه فعل ما يكفي من جانبه وأن إسرائيل بحاجة الى التقاط الأنفاس لمدة تتراح بين 5- 10 سنوات وربما عشرين عاما قبل أن يمكنها من تنفيذ خطة خارطة الطريق في الضفة الغربية·

ووفقا لهذه المدرسة من التفكير، فإن الولايات سترضخ للموقف الإسرائيلي وستلقي بخطة خارطة الطريق في سلة المهملات·

أما الجدلية الثانية، فهي أن خطة الانفصال عن غزة لها أهمية بالغة، ويرى أصحاب هذه الجدلية وخاصة في دوائر اليمين الإسرائيلي  وأنصاره في الخارج، أن هذه هي الخطوة الأولى نحو إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، ودليلهم على ذلك أن الانفصال عن غزة يمثل المرّة الأولى التي تنسحب فيها إسرائيل عن أراض للفلسطينيين، وسوف تكون غزة أول أرض فلسطينية ترتفع فيه أعلام السيادة في التاريخ الحديث، إن تفكيك مستوطنات غزة يمثل سابقة سوف تتبعها - حتما - انسحابات أخرى بحيث نصل الى حدود ما قبل الخامس من يوليو عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية على هذه المناطق·

 

إجماع فلسطيني

 

ولكن أحدا لا يعلم حتى الآن على الأقل، أي الجدليتين ستثبت صحتها· إلا أن هناك شيئا واحدا مؤكدا وهو أن أولئك الذين قالوا أن الانسحاب من غزة ليس مهما، ثبت خطأ حساباتهم· فهذه الخطوة قد لا تقود إلى السلام، مباشرة على الأقل، لكنها غيّرت بالفعل الأوضاع لدى كل من الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء· فالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني لم ينته بالتأكيد· ولكن في الوقت ذاته، لم يعد هذا الصراع الآن، كما كان عليه قبل الانسحاب من غزة·

من الواضح أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يقلل من أهمية الانفصال عن غزة، وكرّر دعوته الى الفلسطينيين بالامتناع عن أية أعمال قد تقود شارون الى  إرجاء الانسحاب· وانضم رجال دين فلسطينيون بارزون الى عباس بالدعوة الى وقف العنف، بل وصدرت فتوى عن أحدهم تحرّم القيام بأية أعمال قد تعيق الانسحاب الإسرائيلي·

وباستثناء بعض الأصوات المتطرفة، هناك ما يشبه الإجماع الفلسطيني على ضرورة انتهاز هذه الفرصة وعبر عن ذلك الرئيس الفلسطيني بوضوح حين قال "إن هذا الانسحاب يجب أن يتم بهدوء كي نُظهر للعالم أننا نستحق دولة وحتى يكون هذا الانسحاب البداية وليس النهاية"·

لقد أظهر الفلسطينيون أخيرا عدم صحة مقولة أبا إيبان وزير خارجية إسرائيل الأسبق بأنهم أي (الفلسطينيين) "لم يفوتوا فرصة في تفويت الفرص"· فبانتهازهم لفرصة الانسحاب من غزة، يتماهى الفلسطينيون مع الاستراتيجية الناجحة التي انتهجتها الحركة الوطنية اليهودية وحققت من خلالها إقامة الدولة اليهودية·

وتطلبت هذه الاستراتيجية القبول بأية خطة تمكن اليهود من إقامة دولة لهم على أي بقعة من أرض فلسطين مهما تكن صغيرة ومهما كانت حدودها المقترحة غير آمنة، وقالت القيادات اليهودية "نعم" لقرار التقسيم عام 1947 على أساس أن الاستقلال في أي مكان خير من الاستقلال دون مكان· وكانوا يدركون أن بإمكانهم دائما الدفع باتجاه إحداث تغييرات على الحدود·

أما الفلسطينيون فقالوا "لا" على الرغم من أن القرار كان يعطيهم أكثر مما يعطي اليهود، فقد كان العرب يعتقدون أن ليس لليهود أي حق بهذه الأرض، ولذلك كان موقفهم إما الحصول على كل شيء أو لا شيء·

واتضح بعد ذلك كيف سارت الأمور وكيف أخذ اليهود كل شيء ولم يأخذ الفلسطينيون شيئا· ولم يكن الفلسطينيون - حتى ما قبل الانسحاب من غزة في النصف الثاني من أغسطس 2005 - يسيطرون على فدّان واحد من أرض فلسطين·

 

إسرائيل الكبرى

 

ومن الواضح أن القيادة الفلسطينية اليوم قد تعلمت من دروس التاريخ، فعلى الرغم من تصميمها على إقامة الدولة في كافة أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، إلاّ أنها ستقيم حكما ذاتيا في غزة أولا· ويدرك عباس وأبناء شعبه أن إدارة غزة بنجاح والتأكيد على عدم تحولها الى نقطة انطلاق للهجمات على إسرائيل، سيقود  - بالتأكيد - الى الانسحاب من الضفة الغربية أو جزء كبير منها·

وفي إسرائيل أيضا، أحدث قرار فك الارتباط عن غزة تغييرات مهمة· فقد أدى انسحاب وزير المالية بنيامين نتانياهو احتجاجا على خطوة الفصل الى تفعيل قوى الوسط الإسرائيلي لدعم الخطة، ويقول أرييل شارون إنه لن يتخلى عن حزب الليكود لصالح نتانياهو وأنه سوف يهزمه هو والقوى الداعية الى إقامة إسرائيل الكبرى، في الانتخابات على زعامة الحزب في شهر نوفمبر المقبل، لكن آخرين يقولون أن شارون يمكنه هزيمة نتانياهو وأنصاره لو انشق عن الليكود وأسس حزبا جديدا ربما يضم إليه شمعون بيريس ويوسف لابيد وإيهود أولمرت وشخصيات دينية معتدلة· وفي كلتا الحالتين، من المتوقع أن يهزم شارون أي مرشح آخر يخوض الانتخابات على أساس برنامج عمل يدعو الى التمسك بمستوطنات الضفة - الغربية الى الأبد·

ولكن ليس بالضرورة أن يحدث ذلك· فالانتخابات العامة في إسرائيل ستجري في عام 2006· فقد تمكن نتانياهو قبل عشر سنوات، أي في عام 1996، من هزيمة رئيس الوزراء آنذاك شمعون بيريز، الذي كان مرشحا مفضلا على نتانياهو· وحين كان الشعب الإسرائيلي لا يزال يعيش فترة الحداد على الراحل اسحق رابين الذي اغتاله أحد المتطرفين اليهود، وحين كان اتفاق أوسلو لا يزال يحظى بشعبية في إسرائيل، وكان المراقبون يتوقعون فوزا سهلا لبيريس، وبأغلبية كبيرة تعطيه تفويضا للمضي في عملية السلام·

ولكن ذلك لم يحدث· فقد شنت حركة حماس التي كانت عازمة على إسقاط اتفاق أوسلو ورموزه، سلسلة تفجيرات انتحارية أدت الى تشدّد مواقف الجمهور الإسرائيلي·

وتمكن نتانياهو من الفوز وتخلى عن الالتزامات التي قطعها رابين وبيريس بموجب اتفاق أوسلو، مما شكل ضربة قاصمة للاتفاق لم يتعاف منها بعد·

وقد يحدث هذا السيناريو مرة أخرى - فإذا شعر الإسرائيليون أنهم أصبحوا أكثر أمنا بعد الانسحاب من غزة، فسوف تنتعش عملية السلام والمعسكر الذي يؤيدها، ولكن إذا تكرر نموذج 1996 وتصاعدت أعمال الإرهاب، فعندئذ لن يقدم الانسحاب من غزة الكثير لعملية السلام· وسوف يأخذ الفلسطينيون غزة ولن يحصلوا على المزيد وقد تحرز إسرائيل تحسنا طفيفا على صعيد وضعها الديموغرافي ولا شيء سواه·

إن الانسحاب من غزة خطوة مهمة دون شك، ولكن إلى أي حدّ·· هذا ما سيقرره الفلسطينيون وليس الإسرائيليون·

 

" المصدر: المنتدى السياسي الإسرائيلي "

طباعة  

الخروج من العراق تسليم أمريكي بالفشل
الوضع العراقي هش لكن ليس ميئوسا منه

 
"ضغوطنا لإسكات "الجزيرة" تجعلنا نبدو منافقين في الدعوة إلى حرية التعبير
أنظمة عربية تتذرع بالخطر الإسلامي للتهرب من إجراء الإصلاح السياسي