رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 3 شعبان 1426هـ - 7 سبتمبر 2005
العدد 1694

كتابة

الملامح الصيفية

من مسالك الغبار الى بيت المطر

 

علي حسين الفيلكاوي

يحمل رأسه مظلة صيفية بينما حرائق الأمس تسحب حقائبها وتدرج خلف الطائرة·· سماء الطفل اقتربت من يديه، فطار السحاب·· ولمس ثوبه فإذا هو غيمة والزمن لحظة غبار·

لم يك يحلم أن خطوتين سوف تقطع قارة، ولمسة واحدة تدخله به، المسافرون يحلمون في شرفة المقهى، حيث محيط الشمس، والهذيان المالح، بقوارب الحرية تعبر ضفة العمامة الى شاطئ العراة·· كانا - هو وبقية روحه - سائحين يشربان دم الدخان وينفثان بدقة ملامح المارة··· الصباح صباح الأطفال، والنادل أرهقته أوجاع الساهرين·· والمسافرون في القهوة والصباح·· ممزقون حتى آخر فجر في الدنيا·

في الغرفة المجاورة غدا سوف تقطع تذاكر الرحلة·· الوجوه السحرية·· غيبوبة الألم المؤقت·· جهلنا حين نعجز عن قراءة ملامح القادمين الجدد·· جدران شفافة للجيران المتجددين في غرف الفندق·· ونشوات قد تكون مشتركة في الليل التالي·· من سوف يضع ذكرياته بجانب حوض السباحة ويغطس في اللحظة·

حتى لصالات الفرح ساحتها الخلفية·· سلة خفية·· تبتلع ما تذرفه عجلات الملاهي العملاقة في انحدارها··· الإنسان الفندقي وحده يرفض السلال الخفية وسياسة الزورق والربان·· يود أن يكون الربان والزورق معا·· السياحة تصبح في بعض الأحيان معارضة صلبة لا يفتها سهم البورصة الأخضر·

لديه حلم·· العالم في جيبه وخطوته مطار· حيث لا يشبه صوت الكلب الإنسان يود أن يبني ظله، يهدمه ويتوه، التيه جزء مرضي في النسيج البشري لا نبرأ منه إلا به·· لكنهم كثيرون هؤلاء الأصحاء كثيرون حتى الموت المرضي، المتشعبون كمصاطب جسدية وبيدهم أرصدة خفقاتنا·· لا نريد خفقاتنا نريد أن نعيش في جيوبنا فقط·

في "الروف" أبطال وضحايا لمعارك وهمية، يشربون من دم لم ينزف، هلعون لقنابل لم تنفجر، قصاصون ورواة ملهمون لصور لم ترسم، أناملهم تومىء بإيحاءات عصبية، أعينهم تقص بعبارات مموهة، كل منهم يشعر - دون أن يكون ذلك مهما - أن الآخر يكذب قليلا وكثيرا·· في الثالثة صباحا وفي "الروف" تشرق حقيقتنا الكاذبة، من منا لم يحاول أن يكون الضحية في اللحظة التي لم يستطع بها أن يكون بطلا وهميا·

في حديقة الفندق الليلية حيث يدرك المخلوق تنظيم الخالق، وحيث معنى حقيقي متعدد ومقنع يمتد من البهو الى خلوة الخيال، لا حاجة لدولة وقضاء وشعب أبله، لا حاجة لشعراء مقنّعين أو صوفيين واقعيين، يكفي أن تضع قدميك في الكرسي المقابل متسربا من تاريخ النظام التراثي·· السعادة أن تجيب باطمئنان: المتعة نتيجة بليون دولار أو امتلاكك كرسياً إضافياً لقدميك·· متساوية·

في كل صباح يقف البستاني تحت هذه الشجرة، ويجتمع النادلون والنادلات حول أسرار النزلاء قرب الشجرة ذاتها·· تبدأ رحلة تنظيف الحكايات والقصص ونسجها من جديد، يقول أحدهم: إن البستاني وجد رأسا لأحد النزلاء نسيه على الطاولة وقبلة حارة بجانبه فأخذ الرأي ولفه في كيس القمامة أما القبلة فخبأها في جيب القميص الأيسر·· رأيته يختبئ خلف الشجرة إياها ويدخل شفتيه في جيب قميصه الأيسر· في الحقيقة هو رجل غريب الأطوار، مثل البقية يحمل جينة تميزه· إذن ليس هو وحده رجلاً غريب الأطوار·· في الحقيقة هو ليس بغريب الأطوار·

يتمسحون في ركن الاستقبال، القادمون الذين اختاروا تاريخ ولادتهم والمغادرون الذين اختاروا ساعة موتهم· تحت الشرفات المتساوية وعلى بعد غابات سماوية يحط الخيال وتطير ردهات الروح··· يرحل القادمون والراحلون، ترقص الغرف متتالية، نافذة تلو نافذة تهز ضوءها، وتشف ستائرها، ضوء وحيد يحاول أن يثمر في آخر الحديقة·· ينطفئ·

طائرون للتو·· عشاق جدد·· ومحترفو متعة··· في كل طابق يتكون ما يشبه أنفاس كوكب ووطن·

من يشيّد فندقا يحاول في أعماقه خلق عالم جديد·

طباعة  

رفضوا "النهضة الثانية" والآن تدرّس في الجامعات ويستشهدون بها(2)
د. متري بولس: علينا أن نعيد النظر في موقفنا من التراث العربي بأكمله

 
وتد
 
مهرجان للشعر العالمي في بلجيكا يرأسه المغربي
 
المرصد الثقافي