القاهرة - "الطليعة" - خاص:
صحيح أن الأضواء التي تسلطت على سلبيات صورة انتخابات الرئاسة المصرية كان لها ما يبررها، مثل عيوب تعديل المادة الدستورية 76، وتقييد يد القضاء في الإشراف الكامل على الانتخابات، ورفض قرار إداري يقضي بإشراك مؤسسات المجتمع المدني في الرقابة، وهيمنة الحزب الحاكم على شؤون الدعاية والإعلان لمرشحه، وقصر مدة الحملة الانتخابية، ويوم واحد للإدلاء بالأصوات، إلا أن هناك جانبا آخر لمصر كمجتمع كامل يشهد على أن في الصورة شيئا آخر ربما يكون أكثر أهمية من كل السلبيات والصور المظلمة التي تنتمي الى الماضي، هذا الجانب هو ما حملته أجواء التحدي الشعبي للنظام الحاكم وحزبه، وهي أجواء تنتمي الى المستقبل، أو الى ما هو ممكن وآخذ في التفتح على النقيض من تلك الظواهر التي تقاوم هذا الممكن باسم الماضي·
أجواء التحدي لم تبرز فقط في الأشهر التي سبقت الانتخابات فقط، حين صعدت الحركة الشعبية بأسماء مختلفة، وأوسعها حركة "كفاية" لتضع فيتو على استمرار الفساد وأفكار الاستفتاء القديم والتوريث وما شابه، بل تواصلت حتى بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، وفوز الرئيس حسني مبارك بولاية جديدة تضيف الى ربع القرن الذي قضاه في سدة الرئاسة ست سنوات أخرى، احتجاجا على النتيجة ذاتها، والتحذير من أن تكون مقدمة لبحث مسألة التوريث·
الملمح الآخر من هذا الجانب، وقد لمسه بعض المعلقين لمسا خفيفا، هو تآكل حزب النظام ذاته، حيث لم يستطع بكل أمواله وإمكاناته (إمكانات الدولة) وسطوته على أجهزة الإعلام من اجتذاب أكثر من 23% من مجموع الناخبين للإدلاء بأصواتهم، بل يقال إن النسبة الحقيقية لم تتجاوز 17%· ومعنى ذلك أن الرئيس الفائز لم يحظ إلا بنسبة تقارب 80% ليس من أصوات الناخبين المسجلين، ولا المؤهلين للتسجيل والانتخاب والذين يقدر عددهم بـ 30 مليون ناخب، بل من نسبة 23% هي التي ذهبت الى صناديق الاقتراع! ومعنى هذا أن دعوة مقاطعة الانتخابات قد نجحت الى حد ما، بالإضافة الى شعور المواطن بأن الحزب الحاكم وأجهزته "سيفبرك" النتيجة في كل الأحوال، أي ثقته بالنظام وحزبه مفقودة·
هذا هو الممكن الذي حملته حركة المجتمع المصري بمختلف مستوياته، والذي سيزداد ظهوره مع قدوم موعد الانتخابات النيابية، وهي حركة بدأت تضم أوسع القطاعات من قضاة ومحامين ومثقفين وبسطاء، أي أنها بدأت تضع المؤسسات المدنية في مواجهة جهاز الدولة وحزبها الذي تتسلط على إجراءاته وقراراته أضواء من الداخل والخارج على حد سواء·
الطريق طويل بالطبع، وسيكون على الذين أوصلوا مصر الى هذا المستوى مواصلة طريقهم بعد أن أصبحت غالبية المواطنين تعول عليهم، وبعد أن وجهوا بالفعل رسالة واضحة الى الأحزاب السياسية المصرية مفادها أن انتفاضة الشارع تجاوزتها، وعليها أن تعيد النظر في حساباتها ومواقعها، مثلما فعل الإخوان المسلمون الذين استيقظوا على جدية الحركة الشعبية ومعناها، فنزلوا الى الشارع من جانبهم·