رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17 شعبان 1426هـ - 21 سبمتبر 2005
العدد 1696

إسرائيل بلا دفاع أمام متعصبيها:
أي قانون وأي نظام فلسطيني يتحدث عنه حماة غلاة المستوطنين والمجرمين؟

                                                     

 

·        مذبحة الحرم الإبراهيمي هي التي أطلقت الرد الفلسطيني المرعب

·       عسكري إسرائيلي يخشى دخول مستوطنة  أكثر مما يخشى دخول قرية فلسطينية!

·         المستوطنون فوق القانون.. لذا لا عقاب ولا كبح بل احتضان وتشجيع!

 

موشيه بنجي*

يقول القادة الإسرائيليون لنظرائهم الفلسطينيين إن عليهم فرض القانون والنظام، ويصرحون بأن هذا الأمر ليس شرطا مسبقا فقط للسلام وإنما أيضا للحفاظ على كيان فلسطيني قابل للحياة·

ويشدّد الإسرائيليون على الأهمية الخاصة لفرض القانون على متطرفين مسلحين لا يقبلون بسلطة حكومات منتخبة بشكل كامل· ويطلبون من الفلسطينيين استخلاص درس من أزمة السفينة "التالينا"·

ففي يونيو من العام 1948، وفي غمار الحرب العربية - الإسرائيلية، قامت جماعة يهودية مسلحة بتهريب أسلحة وذخائر، وأيضا ناجين من الهولوكوست، من أوروبا الى إسرائيل على ظهر سفينة تدعى "التالينا"· وحين رفضت هذه الجماعة المسلحة تسليم الأسلحة الى الجيش الإسرائيلي، أصدر رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون أوامره بمهاجمتها، فأطلق الجيش النار على السفينة الى أن تفجرت·

وحافظ هذا التصميم على قمع التمرد وفرض الطاعة المطلقة على الديمقراطية الإسرائيلية الوليدة·

وبناء على هذا، يعظ الإسرائيليون القيادة الفلسطينية قائلين "يجب أن تظهروا الآن التصميم نفسه، ولا تخافوا من أن تكون لديهم "التالينا" خاصة بكم"·

ولكن الحقيقة المحزنة هي أن درس السفينة "التالينا" قد نسيه القادة الإسرائيليون أنفسهم منذ زمن طويل· ولم يمتلك خلفاء بن غوريون تصميمه، فهم يترددون ترددا تاما في مواجهة غلاة الجناح اليميني المتطرفين حين يخرقون القانون· ويقدم هذا الإخفاق في فرض القانون والنظام تفسيرا عمليا للكيفية التي ظهرت فيها ظاهرة المستوطنات اليهودية غير الشرعية في المناطق الفلسطينية المحتلة· لقد عرفت السلطات الإسرائيلية معرفة تامة أن القانون الدولي يحرم قيام أمثال هذه المستوطنات، وفي بداية الاحتلال منع القانون الإسرائيلي قيامها أيضا، إلا أن المتطرفين اليهود خرقوا القانون خرقا فاضحا، وبدل أن تقوم السلطات الإسرائيلية بإجلاء ومعاقبة المستوطنين غير الشرعيين، احتضنتهم وقدمت لهم المساعدة والشرعية·

وتواصل هذا الإخفاق الكئيب في فرض القانون والنظام حين أصبح المستوطنون اليهود في المناطق عنيفين وبدؤوا يعتدون على جيرانهم الفلسطينيين· في العام 1982، أكد تقرير رسمي لمساعد المدعي العام يهوديت كارب، الدعاوى القائلة بأن المستوطنين الذين هاجموا الفلسطينيين لم يُعتقل ولم يُعاقب أحد منهم· وبعد 12  عاما، إثر مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل التي قتل فيها متطرف يهودي 29 فلسطينيا كانوا يؤدون الصلاة في الحرم، خصصت لجنة التحقيق برئاسة رئيس المحكمة العليا ميرشامغار فصلا كاملا في تقريرها للعجز عن تطبيق القانون، ولاحظت أن هذا العجز شجع منتهكي القانون، وزاد من تصاعد عنف المستوطنين·

نتيجة لهذا، ولد هذا العنف الذي لا يُعاقب عليه مرتكبه، ولا يكبح جماحه، عنفا مضادا مرعبا· وبالفعل فبعد 40 يوما مرت على مذبحة المصلين الفلسطينيين في الخليل، ومع نهاية فترة الحداد الإسلامي التقليدية، أطلق المتشدوون الفلسطينيون سلسلة تفجيراتهم الانتحارية المرعبة وغير الإنسانية ضد الإسرائيليين، وبهذه الطريقة خلقت دائرة جهنمية أغرقت اتفاقات أوسلو في بحر من الدماء·

ولكن التأثير القاتل للافتقار الى فرض القانون واصل الانتشار، وبدأ المستوطنون العنيفون في المناطق المحتلة، يشجعهم انعدام أي فعل ضدهم من قبل السلطات، وربما لشعورهم بأنهم فوق القانون، ليس بمهاجمة الفلسطينيين فقط، بل الجنود أنفسهم أيضا الذين أرسلوا للدفاع عنهم· ونقل منذ وقت قريب عن قائد كتيبة مظلات شكواه من أنه في مستوطنة يتزهار اليهودية في منطقة نابلس: "توجد عصابة تنتهك القانون، وأنه لا يخشى دخول قرية فلسطينية قدر ما يخشى دخول "يتزهار"·

ومرة أخرى، إن السلطات الإسرائيلية لا تتجنب فقط معاقبة "العصابة الخارجة على القانون"، بل تقوم بتوبيخ الجنود الذين يضربهم المستوطنون!!

فحين اشتكى قائد عسكري يخدم في مستوطنة يتزهار في مقابلة صحافية من أن المستوطنين اليهود قذفوا جنوده بالحجارة، وأنه هددهم بالسلاح وقطع عنهم المياه، وجه إليه الجيش الإسرائيلي تأنيبا رسميا لأنه أجرى لقاء من دون تصريح· وقدم الجيش اعتذاره للمستوطنين·

وعلى نحو مماثل، ولكن أكثر إثارة للعجب، رد السلطات الإسرائيلية المتراخي بل والمسترضي على التحريض الخطر للحاخامات البارزين وأصحاب النفوذ الذين يكررون دعوتهم لأتباعهم من الجنود والمدنيين على حد سواء لعصيان القانون والأوامر العسكرية لكي يمنعوا رئيس الوزراء من تنفيذ خطة فك الارتباط التي وافقت عليها الوزارة والكنيست، وبدلا من معاقبة المحرضين، قام جنرالات الجيش وموظفو وزارة العدل بزيارتهم زيارات مجاملة، راجين منهم بلهجة واهية أن يكونوا معتدلين·

إن هذا الأمر مقلق الى حد كبير، وبخاصة إذا تذكر المرء أن مثل هذا التحريض من قبل الحاخامات ضد اتفاقات أوسلو التي تمت الموافقة عليها ديمقراطيا، هو الذي قاد الى اغتيال رئيس الوزراء يتسحاق رابين، وحتى القائم بالاغتيال، يجال آمر، قال خلال استجوابه ليلة القتل "أعرف أنه من دون فتوى دينية صدرت من بعض الحاخامات، كنت سأجد من الصعب تنفيذ عملية القتل"· وبعد 10 سنوات لا أكثر، يبدو أن الدرس المؤلم المستفاد من أن التحريض "باسم الله" يمكن أن يكون مهلكا، قد تم نسيانه· وأيضا لم يعاقب الحاخامات أنفسهم الذين حرضوا على قتل رابين·

وحين طلب من المدعي العام تفسير هذا التسامح مع التحريض الحاخامي، فضل الحديث عن الحاجة الى احترام حرية الكلام، ومثل هذا التفسير يظهر أنه أغفل من جانبه أيضا درسا تاريخيا آخر :مصير جمهورية فايمار التي قامت في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى· درس هذه الجمهورية، استذكرته في الستينات المحكمة الإسرائيلية العليا حين قضت بأن لأي ديمقراطية الحق، بل واجبها الدفاع عن نفسها ضد أولئك الذين يحاولون استخدام الكلام ليس كوسيلة إقناع، بل كأداة لشل وإحباط وفي النهاية تدمير العملية الديمقراطية، وشدد قضاة المحكمة العليا، وبعضهم تعلم في جمهورية فايمار وشهد مصيرها بعينه، على أن الديمقراطية في ألمانيا ماتت لأن أعداءها استخدموا حقوقا سياسية، وحرية الكلام تحديدا، لتجريدها من مصداقيتها والقضاء عليها، وقالوا إنه لا يمكن لأي ديمقراطية أن تتحمل تكرار هذا الخطأ· وهكذا لدينا ثلاثة دروس حيوية، درس سفينة "التالينا" ودرس اغتيال رابين، ودرس جمهورية فايمار، وكلها تتجاهلها السلطات الإسرائيلية المسؤولة عن فرض القانون والنظام على أولئك الذين يتمردون على النظام الديمقراطي· الديمقراطية الإسرائيلية، شأنها في ذلك شأن السلطة الفلسطينية، متروكة بلا وسائل دفاعية ضد المتعصبين الذين يعملون على تدميرها من الداخل·

 

 * محاضر في الجامعة العبرية في القدس، والمعلق القانوني في إذاعة إسرائيل

" عن الديلي ستار "

طباعة  

العالم العربي ينفرد بأخذ كل ما هو سيء عن الغرب
الإرهاب نتاج العولمة

 
بعد عقود من الظلام.. أمريكا اللاتينية تحاكم طغاتها ودكتاتورياتها السابقة