رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 17 شعبان 1426هـ - 21 سبمتبر 2005
العدد 1696

بعد عقود من الظلام.. أمريكا اللاتينية تحاكم طغاتها ودكتاتورياتها السابقة

لاري روتر - بوينس آيرس:

بعد سنوات من التقصير، بدأت الحكومات في مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية بإظهار إصرار مفاجئ على ملاحقة ومحاكمة منتهكي الحقوق الإنسانية، تلك الانتهاكات التي حدثت في بعض الحالات قبل ثلاثين سنة أو أكثر·

تشيلي مثلا قدمت تعويضات لضحايا التعذيب وأجبرت الجيش على الاعتذار عن ممارسته للاضطهاد، وفي الأرجنتين، قضت المحكمة العليا في يونيو الماضي بعدم دستورية قانونين من قوانين العفو التي ترجع الى الثمانينات·

لماذا هذا النشاط المفاجئ؟ إن إعادة فتح قضايا مثل اختفاء الأشخاص والتعذيب وجرائم القتل المرتكبة برعاية حكومية يعد أمرا مؤلما لأي مجتمع رغم كل شيء· ولا يحظى إلا بشعبية ضئيلة لا تصل الى شعبية قضايا مثل خلق فرص عمل أو شق الطرقات أو بناء المدارس·

عن هذا الموضوع، قال فكتور ابراموفتش من مركز الدراسات القانونية والاجتماعية، أحد أبرز جماعات حقوق الإنسان في الأرجنتين: "ما يحدث الآن ليس مصادفة، أو هو شبيه بزهرة تفتحت بين ليلة وضحاها، إنها عملية تشمل المنطقة كلها استغرق نضوجها سنوات"·

وهذا صحيح الى حد بعيد، فحتى البلدان التي بذلت قصارى جهدها طيلة سنوات لنسيان الماضي، تواجه الآن تبعات الماضي·

في الأورغواي صعدت الى سدة السلطة حكومة يسارية بزعامة تاباري فاسكويز في مارس الماضي· وبعد ثلاثة أشهر تم اتهام رئيس سابق هو خوان ماريا بوردابيري بقتل اثنين من الزعماء السياسيين في العام 1976·

واتهمت العاصمة المكسيكية أحد رؤسائها السابقين، لويس اتشفيريا، في السنة الماضية بالقيام بإبادة جماعية بسبب دوره في ما دُعي "حرب قذرة" على الطلبة واليساريين في أواخر الستينات وأوائل السبعينات· وفي "بيرو" وجهت اتهامات ضد مسؤولين عسكريين وأمنيين وشرطة اتهموا بممارسة الاضطهاد خلال حكم الرئيس السابق البرتو فوجيمورو في التسعينات·

أحد أسباب هذه العودة الى ملفات الماضي يتعلق بصعود الأجيال· فالذين نشأوا ونضجوا سياسيا خلال ذروة الانتهاكات والقمع في السبعينات، أصبحوا الآن رؤساء جمهوريات وقضاة ووزراء ونوابا في البرلمانات، مثل الرئيس الأرجنتيني "نستور كيرشفو" وزوجته النائبة في البرلمان كريستينا فرناندز·

يقول أحد المحامين، خافير ميراندا (41 عاما) وهو زعيم منظمة أقرباء الموقوفين والمفقودين في الأورغواي: "إننا نتحدث لغة مشتركة، فأنا لست بحاجة الى أن أقول للرئيس فاسكويز من كان أبي"·

وينطبق الأمر نفسه، كما قال، على بقية زعماء أمريكا اللاتينية، فكلهم "يعرفون أناسا اختفوا، ولهذا يفهمون ما نتحدث عنه، وهكذا ظهرت حساسية مختلفة"·

ومع تحييد القوى العسكرية الآن في كل بلد من بلدان المنطقة، بحيث أصبحت غير قادرة على إرهاب أقرباء الضحايا أو أصبح تدخلها ضئيلا، يشعر أولئك الذين يتقدمون بالشكاوى بالمزيد من الأمان وهم يقدمون شهاداتهم· وبعد عشرين سنة، يصمم المواطنون في هذه البلدان على الإيمان بأن الديمقراطية جاءت أخيرا لتبقى·

والأكثر أهمية ربما أن هناك الآن هيئة قانونية دولية تضمن فوزهم ما أن تعرض القضايا· فخلال العقد الماضي، وضعت عدة بلدان دساتير جديدة أو قوانين جعلت الاتفاقية الأمريكية حول حقوق الإنسان، والمحكمة الأمريكية الداخلية لحقوق الإنسان التي تفسر وتطبق الاتفاقية فوق القوانين الوطنية·

وأول سابقة ظهرت في قرار شهر يونيو للمحكمة العليا في الأرجنتين لم تكن على سبيل المثال حول قضية أرجنتينية، بل حول قضية من بيرو تدعي قضية باريوس التوس حكم فيها في نوفمبر 2001·

في هذه القضية قضت المحكمة الأمريكية الداخلية بأنه ليس هناك وجود لتشريع يضع حدودا على جرائم ضد الإنسانية، وأمرت "بيرو" بإلغاء قانونين من قوانين العفو منعا لمحاسبة دولة رعت فرقة موت على قتل 17 إنسانا قبل عقد من الزمن·

وحول هذا القرار قال سانتياغو كانتون، من لجنة حقوق الإنسان في المحكمة "إن هذا تطور مهم جدا وذو مغزى كبير، لم نشاهده إلا في السنوات القليلة الماضية، ويتزايد يوما بعد يوم اتخاذ أعضاء المحاكم لقرار أن بإمكانهم إعادة فتح ملف قضايا وتحقيق العدالة من أجل الامتثال لنظام المحكمة الأمريكية الداخلية·

لقد قبل 22 بلدا كاريبيا وأمريكيا لاتينيا بشكل جماعي قوانين المحكمة· ومع أن الولايات المتحدة الأمريكية تعظ باستمرار بلدان أمريكا اللاتينية في أمر انتهاكات حقوق الإنسان، إلا أنها لم تصادق على اتفاقية العام 1969، وتبعا لذلك لا تعترف بتشريع هذه المحكمة·

وحتى خلال السنوات التي كانت فيها حكومات أمريكا اللاتينية لا مبالية بموضوع حقوق الإنسان، فإن جماعات حقوق الإنسان التي سدت دونها الأبواب ظلت تقيم قضايا ضد منتهكي هذه الحقوق· وربما كانت نقطة التحول هي احتجاز الجنرال اوغستو بينوشيت في لندن في العام 1998·

صحيح أن المحاكم البريطانية في نهاية الأمر ردت طلبا إسبانيا بتسليمه كمتهم وسمحت له بالعودة الى تشيلي حيث تتواصل المطالبات بمحاكمته، إلا أن "مجرد فكرة أن رئيس دولة لا حصانة له، ويمكن أن يعامل معاملة أي مواطن آخر كانت في غاية الثورية، وقد أحدثت هزات في كل أنحاء القارة الأمريكية اللاتينية، وما زالت كذلك" على حد تعبير خوسيه ميغويل فيفانكو، من الـ "هيومن رايتس ووتش" في واشنطن المتخصص بقضايا أمريكا اللاتينية·

طباعة  

العالم العربي ينفرد بأخذ كل ما هو سيء عن الغرب
الإرهاب نتاج العولمة

 
إسرائيل بلا دفاع أمام متعصبيها:
أي قانون وأي نظام فلسطيني يتحدث عنه حماة غلاة المستوطنين والمجرمين؟