
· 75 % من الإرهابيين ينحدرون من الطبقات الوسطى و65% منهم جامعيون
· نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لن يوقف الإرهاب
ديفيد بروكس:
لم يتغير شيء في أثناء الحرب على الإرهاب بقدر ما تغير مفهومنا للعدو·
فبعد أيام على هجمات الحادي عشر من سبتمبر ساد اعتقاد على نطاق واسع أن الصراع بين الجهاديين والغرب كان صراعا بين الحداثة وعقلية العصور الوسطى، وقيل إن الإرهابيين يبرزون في ثقافة معزولة عن الأفكار المستنيرة للغرب، فهم يشعرون أنهم يُوجهون بشكل خاطئ نتيجة تعددية العصر الحديث وأنهم يتعرضون للإذلال بسبب التخلف النسبي للعالم العربي، فهم أسرى أنظمة جامدة ومشلولة وسط أرقام مرتفعة جدا من البطالة والقليل من الأمل بحياة مثمرة·
وقد أعلن هؤلاء الذين يتعرضون للإذلال والظلم، الحرب على أمريكا التي تمثل رمز الحداثة، فسعوا الى الاستشهاد حالمين بالحوريات اللواتي ينتظرنهم بعد الموت·
ولكننا الآن نعرف أن هذا التوصيف لا ينطبق مع الحقائق·
لقد تعلمنا القليل من الجهاديين من أسامة بن لادن وحتى الأوروبيين الذين هاجموا محطة أنفاق لندن في شهر يوليو الماضي، ونحن نعرف، بفضل قاعدة البيانات التي جمعها مارك سيغمان المسؤول السابق في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "سي· آي· ايه" إن 75 في المئة من الإرهابيين المناهضين للغرب ينحدرون من الطبقة الوسطى أو الطبقة الوسطى العليا، وأن 65 في المئة درسوا في معاهد أو جامعات وأن ثلاثة أرباعهم لديهم وظائف حرفية أو شبه حرفية، لاسيما في الهندسة أو العلوم·
عصاميون
وسواء انتقلوا الى مصر أو المملكة العربية السعودية أو انكلترا أو فرنسا، فإن هؤلاء الرجال، هم أبعد ما يكونون عن الانتماء الى العصور الوسطى، بل إنهم من أوساط متعلمة ونشطة وذات لغات متعددة·
فالجهاديون هم أناس ينتمون الى الحداثة بمفهومها السيكولوجي والديموغرافي لأنهم رجال عصاميون (ففي المجتمعات التقليدية لا يوجد رجال يصنعون أنفسهم بأنفسهم)· وبدلا من السكوت عن السائد، تمرد كثيرون منهم ضد رموز السلطة المحلية ورفضوا توجهات آبائهم البرجوازية وتفسيراتهم المعتدلة للدين الإسلامي وحياة الرفاه التي تتمتع بها عائلاتهم، وسعوا - بدلا من ذلك - الى قضية طوباوية كي تمنحهم هوية وتجعل لحياتهم معنى·
لقد اهتدوا الى هذه القضية المتمثلة بشكل من أشكال الصوفية التي ليست بالإسلام التقليدي، بل نسخة حديثة واهية منه، إنها تقليد مخترع· لقد تخلوا عن الكريكت وكلية الطب واعتنقوا الجهاد!
بمعنى آخر، إن الصراع بين الجهاديين والغرب هو في الأساس، صراع داخل العالم الحديث المعولم، والمتطرفون هم أشبه بالمتمردين الطوباويين الذين تنتجهم المجتمعات الحديثة منذ زمن طويل·
ويشير الباحث الفرنسي أوليفر روي في كتابه "الإسلام المعولم" الى أن جهاديي هذا العصر يلتقون في عوامل مشتركة كثيرة مع متطرفي اليسار الأوروبي في الثلاثينات والستينات من القرن الماضي· فمن الناحية الأيديولوجية تحتل الأصولية الإسلامية الجديدة مساحة التشدد ذاتها التي احتلتها الماركسية ذات يوم، واجتذبت إليها الفئة ذاتها من الاتباع كالمتعلمين من الجيل الثاني من المهاجرين على سبيل المثال، واستخدمت الرموز ذاتها وأعلنت الثورة على الأعداء ذاتهم، كالامبريالية والرأسمالية·
مشكلة هجرة
ويركز روي على أن الجهاديين هم نتاج للعولمة وأعدائها، فهم لا ينحدرون من ثقافة معينة أو بلد معين ويتبنون الجهاد لأنه يربطهم بمبدأ ما· هم في العموم ليسوا نشطاء سياسيين قبل أن يلتحقوا بالجهاد، وهم يسعون لتسديد ضربة غامضة للنظام، وبذلك - يعتدون - إنهم يجعلون لحياتهم (ومماتهم) شكلا ومعنى·
وباختصار، يحافظ العالم العربي على سجله المعهود بأخذ كل فكرة سيئة من الغرب، فالأفكار الغربية تغرس في نفوس المتطرفين الذين يتدفقون الى العراق أن يفجروا المسلمين والأمريكيين على حد سواء·
هذا التعريف الجديد للعدو تسرب الى أذهان الجمهور والثقافة العامة، ففي استعراض FX بعنوان "هنا" Over There حول الحرب في العراق، ثم تصوير زعماء المتمردين على أنهم أناس متعلمون ويجيدون لغات عدة، ولكن انعكاسات ذلك بدأت تظهر ببطء في عالم السياسية·
وأول هذه الانعكاسات أن من الواضح أن محاولة نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط، بالرغم من أهميتها، إلا أنها قد لا توقف الإرهاب، فالإرهابيون يولدون في لندن وباريس كما في أي مكان آخر من العالم·
ثانيا، إن نقطة ضعف الجهاديين أنهم لا ينبثقون عضويا من العالم العربي أو الإسلامي، إنهم يزعمون أنهم يمثلون جماهير المسلمين كما كان متمردو اليسار الأوروبي يدعون أنهم يمثلون طبقة البلوريتاريا·
ولكنهم ليسوا كذلك، ويجب أن يكون الهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية عزل الوطنيين عن الجهاديين·
ثالثا، الإرهاب هو مشكلة هجرة، فالكثير من المهاجرين وحتى المتعلمين منهم لا يزال يرتبط بثقافة الوطن الأم·
والدول التي لا تشجع على اندماج المهاجرين في مجتمعاتها لا تخلق المشكلات لها فحسب، بل تعرض أمن العالم وسلامة المواطنين في كل مكان للخطر·
" عن نيويورك تايمز "