كتب محرر الشؤون العربية:
في تحليل سبق الانتهاء من وضع الدستور العراقي، أشار الباحث الأمريكي "بيتر جالبريت" (الذي عمل مستشارا للزعامات الكردية ويتبنى موقفا يميل الى تقسيم العراق)· الى الانفصال الملاحظ لاستراتيجية الحكومة الأمريكية عن الواقع العراقي، ورسم صورة للوضع في العراق لا يبدو أنها تلفت نظر الحكومة الأمريكية أو تثير انزعاجها، وتضمن هذا التحليل الذي نشر تحت عنوان "جمهورية بوش الإسلامية" على صفحات نشرة "القراءة الجديدة للكتب" وترجمته مجلة "وجهات نظر" القاهرية في هذا الشهر، عددا من الملحوظات حول الانقسامات الضاربة أطنابها بين مكونات الشعب العراقي، والآخذة في التنامي· فالأكراد من جانبهم لا يخفون تجاهلهم للرابطة العراقية، حتى في أداء القسم البرلماني، بالإضافة الى تغييب العلم العراقي عن احتفالاتهم، وفي المقابل يسعى الشيعة، في الجنوب الى مد نفوذ واسع ذي طابع ديني تسانده إيران بلا مواربة، بينما يتمرد السنة، حسب الباحث الأمريكي، وليس "العراق"، تمردا لا أمل في انتصاره، ولا أمل في دحره في وقت واحد معا·
النقطة المركزية في التحليل هي التلميح تارة والتصريح تارة أخرى، بأن الرئيس الأمريكي بوش يتجاهل كل هذه الوقائع، فهو لا يذكر شيئا عن نفوذ إيران المتزايد في الحكومة التي يقودها الشيعة في بغداد، ولا يشير الى حزبين من الأحزاب الرائدة في الائتلاف الشيعي يسعيان الى إقامة الدولة الإسلامية·· وأن هذا النوع من النظام الحاكم تجري إقامته بالفعل في أجزاء من العراق تسيطر عليها تلك الأحزاب·
وبدلا من ذلك يقدم صورة للصراع في العراق غير واقعية، مفادها "أنه معركة بين الشعب العراقي المحب للحرية والإرهابيين، ومن دون تضحيات أفراد الجيش الأمريكي··· ودافعي الضرائب الأمريكيين، سوف ينتصر الإرهابيون"·
ويقول جالبريت، إن سعي بوش الى إحياء الصلة بين العراق والحادي عشر من سبتمبر أدى الى طوفان من الانتقاد، دفع بعض منتقديه الى رفض ما قاله "بأن علينا أن لا ننسى دروس الحادي عشر من سبتمبر"، واعتبروا هذا نوعا من الكذب المضاد بشأن العراق·
ما يرفضه جالبريت من جانب آخر هو ما يسميه افتراض بوش ومنتقديه "أن هناك شعبا يشترك في الهوية العراقية" ويرى أنه افتراض غير دقيق يوفر مادة خام لمقارنات فيتنام المضللة·
فالتمرد بالنسبة له هو تمرد عربي سني، لأقلية لا تتجاوز نسبتها %20 من مجموع مكونات الشعب العراقي، والشيعة محصنون ضده كما يرى، والأكراد بتاريخ قمعهم الطويل على أيدي العرب السنة، لا يؤيدونهم· إذن، كما يذهب جالبريت، من المحال بناء مؤسسات أمنية قومية، لأن هذا يعد "تحديا في بلد ليس فيه هوية قومية"، وما يثير دهشته، ليس تجاهل حكومة بوش هذا الواقع الموصوف في تحليله بعراق منقسم فقط، بل وعدم انزعاجه من نفوذ الدولة التي أبدت تجاه الحكومة الأمريكية عداء لا يلين في بغداد·
ويصل الباحث في نهاية تحليله الى خلاصة أن هناك مشكلتين في العراق اليوم، أولاهما التمرد، والثانية هي الاستيلاء الإيراني على زمام الأمور· وبالنسبة للأولى يعتقد أنه لن يكون هناك حل عسكري لمشكلة رفض السنة للحكم الشيعي، وهو رفض يعتبره جزءا لا يتجزأ من التمرد الحالي· أما بالنسبة للمرة الثانية فيرى أن حكومة بوش سمحت للشيعة العراقيين بالتصويت لمصلحة أحزاب دينية موالية لإيران تسعى الى إقامة دولة إسلامية، بل تقيمها بالفعل·
ويقترح على حكومة بوش أن تضع حدا للسماح لحكم رجال الدين الشيعة بترسيخ السيطرة على العراق· وهو ما يتطلب تغييرا كبيرا في الاستراتيجية، لا يقوم على أساس بناء مؤسسات قومية، لأنها بنظر الكاتب تخدم مصلحة الشيعة حاليا على حساب سائر الجماعات، وسيخلق صراعا وعدم استقرار· ويطلب من الحكومة الأمريكية أن تركز بدلا من ذلك على الترتيبات السياسية التي تتماشى مع الواقع في العراق، أي الكونفدرالية الفضفاضة التي تحكم فيها الطوائف العراقية، نفسها بنفسها، وقد لا يكون بالإمكان تحقيق هذا في الدستور· الاستراتيجية الأمريكية حاليا لن تضع حدا للتمرد بل ستكون في مصلحة إيران بشكل مباشر·