كتب المحرر الثقافي:
افتتحت رابطة الأدباء موسمها الثقافي بأمسية شعرية ضمت د· يعقوب الغنيم وفاضل خلف ود· نجمة إدريس ووليد القلاف، وقدمتهم في الأمسية الشاعرة فاطمة العبدالله التي ألقت في مقدمتها قصيدة بعنوان "سيد الأمراء"·
ذكريات الغنيم
د· الغنيم بدأ مشاركته الشعرية بكلمات بيّن فيها أن مشاركته الأولى هذه جاءت بعد تردد وتشجيع من أصدقائه الشعراء، ثم ألقى قصيدة كتبها في عام 1957:
سألت عن نظمي وأشعاري
هيهات قد حطمت قيثاري
قد كان في ذاكرتي خاطراً
وما هو اليوم بخطار
بالأمس كم رددته منشدا
ينم عن مكنون أسراري
وألقى الغنيم قصيدة ساخرة بعنوان "في رثاء ميدة" يخاطب فيها السمكة الصغيرة بروح مرحة تكشف عن مشاكل محلية مثل تلوث البحر والتغيرات التي طرأت:
أيا "ميدة" غيبتها المنون
أشاهدت في الأمر شيئا بطن
أشاهدت ما حلّ بالبحر من
هوان وما جاءه من وهن
وقد كان مجرى الحياة النبيل
وأنس النفوس ومجرى السفن
وفيه تبادر آباؤنا
وكل بأفعاله مقترن
وفي قصيدته الثالثة والأخيرة اختار الغنيم اسم "مبطّط الكبدي" كرمز ألّفه خيال الشاعر ليعبر عن شخصية جشعة توجد في أكثر من مكان وزمان، مع ما يوحي به الاسم من معانٍ شعبية تدل على الغضب والضيق من صاحبه:
مبطّط الكبدي يا مبطّط
يمضي بك العمر وأنت تلهط
لا تستقر في مكان أبداً
ولا زمان عنده ترتبط
خلف والعشق وصداه
أما الشاعر فاضل خلف فكان ميّالا للجمال، وللصوت تحديداً:
أي سحر مجنح خفّاق
غمر النفس بالهوى الدفاق
أي سحر يصب في السمع حتى
صارت الأذن ملتقى العشاق
أي سحر هذا وأي بيان
صرعا مهجتي بكأس دهاق
كل لحن منغم يستبيني
كل صوت مغرد ترياقي
نجمة·· يد ملائكية
د· نجمة إدريس نقلت أجواء الأمسية الى مكان آخر، حيث موسيقى التفعيلة وشعرية الصور في نصوصها المنثورة·
نشاط المخيلة وكثافة الشعر وتركيزه حلقت بنصوص نجمة إدريس الى حدود يتجرد بها الواقعي (والعادي واليومي) من ثقله ويتحول الى شعر خالص، خفيف، شفاف:
يجلس في قاربه المربع
وهو يقلب أوراقي
المستديرة والبيضاوية
ثم يشحذ القلم
ليكسر انحناءاتها المغرية
ويهش غيومها نحو الزوايا
وعامدا يسوقها
نحو حظيرة المربع
ماكان أبهج الاستدارات
أيتها الزوايا الفاغرة
كجحر الضب!
انزياحات لدلالات المعنى، ورسم لمشاهد متحركة وملوّنة تتقنها نجمة إدريس، وبذلك تخترع شعرا غير متوقع من عبارات عادية، مثلما فعلت عندما أعادت رسم إحدى لوحات بيكاسو الفانتازية المهجوسة بالزمن وحركته القلقة:
تراوغني ساعتي
وتندلق في معصمي
كما تندلق بيضة مكسورة!
وفي نص قصير آخر كانت أكثر جرأة عندما اختارت منطقة بكرا، هي الهموم الوظيفية، فيها وما حولها، أي كاميرا تجول داخل "الوظيفة"، وأخرى تصفها من الخارج، إلى أن تصل الى نتيجة صريحة وجارحة وهي تحوّل الإنسان الى مجرد رقم وظيفي أشبه بالآلة أو البطاقة أو الملف·
كيف التقطت د· نجمة إدريس الشعري من الوظيفة (وغيره)، والمنمنمات المذهبة من أرض جافة، والومضات من سماء فقيرة؟!
يحتاج ذلك الى مخيّلة غنية وانتباهة ذكية، وبالتأكيد لابد من يد ملائكية ماهرة تلتقط كل هذا·· وهو ما يظل يميّز الشاعرة نجمة إدريس·
القلاف والوطنيات
ختم الشاعر وليد القلاف الأمسية بقصائد وطنية للأرض والشهيد، أحسن اختيار موسيقاها إضافة الى حسن إلقائه المعروف عنه:
لاح الضياء ضياء حاجبكِ
وكفاكِ إيمان الزمان بك
يا جنة جن الجنون بها
أو ما رأيت جنون صاحبكِ
ألهبت بالأشواق مهجته
حتى استضاء بنور لاهبكِ
وملأت خافقه المشوق هوى
أقساه أحنى من ترائبك
وفي الشهيد ألقى القلاف قصيدته الثانية التي اتصفت بدفق شعوري أجاد تقطيعه في الأبيات:
في الفخر لنا من ذكراه
ما ننسى الدنيا إلاه
ما مات ولكن كرّمه
رب الأرباب وأرضاه
في الجنة منزله وله
في الجنة ما يتمناه
دمه مسك وشهادته
رمز الإخلاص ومعناه
وختم القلاف مشاركته بقصيدة "الليل الضرير" وهي حماسية ومعبرة مثل أغلب قصائد القلاف التي تحمل أكثر من معنى وأكثر من صورة وتصب في فكرة رئىسة، مع امتلاكه موهبة الإلقاء التي تمثل مقدرة إضافية تميزه وتخدم قصائده·