
كتب نضال أبو الفضل:
تدخل الانتفاضة الفلسطينية الثانية عامها السادس في ظل تغييرات كثيرة طرأت على المشهد السياسي الفلسطيني، من أبرزها سحب إسرائيل لقواتها العسكرية ومستعمراتها من قطاع غزة، وغياب الرئيس الراحل ياسر عرفات·
وهي أحداث لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها حسب رأي المحللين، خاصة أن البعض يرى أنها قد تكون بداية لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي برمته، وتأذن بنهاية الانتفاضة، فيما يخشى آخرون من أن تكون سببا لتأجيج الصراع وإنعاش الانتفاضة من جديد·
وفي ظل هذه التغيرات يبقى السؤال الأبرز الذي يفرضه الواقع السياسي المعقد وهو: هل يعد هذا التغيير إنجازا للانتفاضة الفلسطينية؟ أم استحقاقا سياسيا في إطار تسوية سياسية؟ أم نجاحا سياسيا جديدا لتل أبيب وشارون تحديدا؟
ويؤكد المحللون على أن الانتفاضة لعبت دورا مهما في قرار حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بسحب قوات الجيش الإسرائيلي وإخلاء المستعمرات التي أقامتها في قطاع غزة، في محاولة لوضع حد للخسائر اليومية بالأرواح والأموال التي كانت تلحق بإسرائيل جراء الانتفاضة·
ويذهب آخرون إلى التأكيد على أن الانسحاب ما كان ليتم لولا غياب عرفات الذي جعلت تل أبيب وواشنطن من وجوده عقبة في وجه أي تسوية سياسية، بل إن البعض لا يتردد في الربط بين مرض عرفات وموته الغامضين، وبين الرغبة العالمية بإنهاء الصراع السياسي في المنطقة، ويرى المراقبون أن هناك اختلافات جوهرية بين سياسة عرفات وخليفته محمود عباس، فالأول لم يصدر في يوم من الأيام قرارا بإطلاق المقاومة أو وقفها، بل كان يمسك الورقتين معا ليستخدمهما في الظرف السياسي الملائم، في حين اختار محمود عباس ومنذ البداية خيارا واحدا وهو خيار التسوية السياسية·
ويعتقد هؤلاء أن غياب زعيم حركة المقاومة الإسلامية "حماس" الشيخ أحمد ياسين وخليفته الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي قد ساهم أيضا بالتغيير الذي طرأ على الواقع السياسي الفلسطيني، وذلك ليس لأن ورثتهم لا يؤمنون بفكرهم بل لأن الظرف السياسي الجديد فرض عليهم إحداث تغيير في مواقفهم·
ومع أن الكثيرين ينظرون إلى الانسحاب على أنه "نصر فلسطيني" إلا أن هناك وجهة نظر مغايرة تعتبره "نجاحا" سياسيا لإسرائيل· وحسب وجهة النظر هذه فإن إسرائيل كسبت الرأي العام الى جانبها من خلال الانسحاب من قطاع غزة، واستطاعت أن تكسر جدار المقاطعة المفروض عليها من قبل الكثير من الدول العربية والإسلامية - قرار البحرين بإلغاء مقاطعة البضائع الإسرائيلية، مقابلة وزير خارجية قطر لنظيره الإسرائيلي في نيويورك، والحديث عن تبادل دبلوماسي بين باكستان وإسرائيل - مقابل انسحابها من منطقة لا أمل في تغييرها ديموغرافيا لصالح إسرائيل، تنذر يوميا بولادة مئات القنابل البشرية، وبالمقابل ضمنت صمت العالم على جدار العزل الذي خنقت به معظم مناطق الضفة الغربية وصودرت أراضيها·
وكان من اللافت للنظر الفرق في التعامل العالمي والعربي بين الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وبين الانسحاب من غزة، ففي الوقت الذي هلل فيه الجميع للأول باعتباره تحريرا للجنوب اللبناني، جاءت ردة الفعل بما فيها الفلسطينية تجاه الثاني باردة الى حد بعيد·
ويفسر المراقبون هذا البرود بأن الفلسطينيين لا ينظرون إلى الانسحاب على أنه بداية لتحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، أو أنه انسحاب سيؤدي إلى دولة فلسطينية مستقلة·
بل لا يخفي البعض قلقة من أن يكون الانسحاب من غزة تأكيدا لسياسة "غزة أولا وأخيرا" مشيرين الى الشروط التي وضعتها حكومة شارون والولايات المتحدة للانسحاب مجددا من أي أرض فلسطينية والمتمثلة بقدرة السلطة الفلسطينية على إثبات أهليتها في السيطرة على غزة، وتجريد فصائل المقاومة من سلاحها، والتي يعتبرها هؤلاء شروطا يراد بها جعل أي عملية انسحاب أخرى صعبة المنال·