
فولكر بريتس – برلين*
وصل نظام بشار الأسد في سورية الى نهاية مرحلته، حتى إن استطاع البقاء في السلطة لأشهر أو سنوات· ويكاد الأمر أن يكون على هذه الشاكلة بغض النظر عما سيقوله ديتلف ميليس القاضي الذي كلفته الأمم المتحدة بالتحقيق في مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، في تقريره عن دور سورية المزعوم في تلك الجريمة·
صحيح أن اتهاما لمسؤولين سوريين رفيعي المستوى يمكن أن يعجل بحدوث أشياء للأسوأ أو الأفضل على حد سواء، ولكن حتى إن لم يجد ميليس برهانا على ضلوع سوري مباشر في اغتيال الحريري، فسيجد النظام من المحال عليه تقريبا الخلاص من عزلته الدولية وخسارته للشرعية داخليا·
فالحكومة الأمريكية تتهم سورية بأنها تدعم دعما نشيطا التمرد في العراق، وقد أثارت استياء فرنسا، صديقتها الأوروبية الرئيسية، وأفقدت دول الاتحاد الأوروبي الأخرى صبرها، تلك الدول التي حاولت لوقت طويل الإبقاء على حوار بناء معها حول القضايا الإقليمية والداخلية على حد سواء· يضاف الى هذا، أن سورية خربت علاقتها بالعربية السعودية، أكثر حلفائها العرب أهمية، بسبب طريقة تعاملها مع لبنان·
الأكثر أهمية بين كل هذا أن نظام الأسد فقد ثقة ودعم عدد كبير من أفراد الشعب السوري ونخبه، وأدى سوء إدارته للبنان الى انسحاب مهين، وفتح سورية لتحقيق دولي ينتهك سيادتها· لقد أخطأ الأسد في قراءة التطورات الكبرى إقليميا ودوليا، ومن هنا عزل سورية دوليا، وأخفق في إحداث أي إصلاح سياسي·
بناء على هذا، كيف ستكون عليه صورة التغيير في سورية في نهاية المطاف؟ في ضوء غياب حركة مجتمع مدني قوية ومنظمة يمكن أن تقود الى ثورة على النمط الأوكراني أو الجورجي، تبقى هنالك ثلاثة سيناريوهات·
الأول، يمكن أن يقوم الأسد بتحرك لتغيير النظام من القمة، بأن يلقي باللائمة والمسؤولية عن أخطاء السنوات الخمس الماضية على المقربين منه ويحيلهم الى التقاعد، ويطلق سراح السجناء السياسيين، ويعلن عن إجراء انتخابات برلمانية حقيقية خلال عام أو أكثر، على أن تتبعها انتخابات رئاسية تنافسية· وقد يقرر في الوقت نفسه، ومن منظور المصلحة الوطنية السورية، إن منع وقوع حرب أهلية في العراق، أكثر أهمية من إرضاء النفس برؤية الأمريكيين يفشلون في العراق· وسيتطلب هذا السيناريو قيادة قوية، ولكن تحقيق هذا الأمر لسوء الحظ بعيد الاحتمال· فلا الأسد ولا غالبية المقربين منه يبدو أنهم يفهمون العالم المحيط بهم، فالأسد بكل بساطة ليس على قدر المهمة التي ورثها، وتدرك هذا الأمر أعداد متزايدة من السوريين، بمن فيهم الكثير من كبار مسؤولي الأجهزة العسكرية والأمنية، ولهذا السبب يخشى الكثير من السوريين حدوث سيناريو مختلف تماما: إذا فاقم النظام عزلته، وخسارته للشرعية الداخلية أيضا بمجرد محاولة تجاهلها، فمن الممكن أن يتصاعد تفكك الدولة السورية· ويستبعد أن يقبل السوريون، بغض النظر عن الطائفة والطبقة، نظاما يناور ويحول البلد الى نمط مغلق يقف ضد العالم، وفي ظل الافتقار الى فضاء سياسي يسمح بنشوء بديل سياسي، فقد تتخذ معارضة النظام أشكالا غير مستحبة شبيهة بما حدث وظهر خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة حين تحول القلق السياسي والخلافات المحلية الى اضطرابات إثنية وطائفية· في وسط كل هذه المخاوف والمخاطر التي يحملها تفكك الدولة يرى عدد يتنامى من السوريين أن سيناريو ثالثا يكاد يصبح أمرا لا مفر منه، ألا وهو سيناريو انقلاب عسكري· ومثل هذا الانقلاب يجب أن يقوده أحد ما من أعلى المراتب العسكرية، والذي يجب أن يكون "علويا" أيضا (من الطائفة التي ينتمي إليها الأسد)· ومن المحتمل أن الانقلابات العسكرية في الشرق الأوسط الراهن لن تكون ممكنة إلا إذا جاءت مع وعد صادق بإحداث تحول ديمقراطي، لهذا السبب سيكون على أي ضابط عسكري يبعد الأسد وبطانته، أن يسمح بتكوين قوى سياسية وإجراء انتخابات حقيقية، في فترة معلومة· ويمكن أن يكسب برنامج من هذا النوع دعما لا غنى عنه من قبل طبقة دمشق وحلب البرجوازية، وموظفي الدولة أيضا، والمثقفين، بل حتى الكثير من قيادات وأعضاء حزب البعث، إن استيلاء على السلطة من قبل "برويز مشرف" سوري، إذا صح القول، قد لا يكون طريقا سويا، ولكنه قد يكون أقل الحلول سوءا·
ولأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية مصلحة قوية في حدوث تغيير في دمشق، بل حتى أن يكون هذا التغيير من دون فوضى وسقوط دولة، علاوة على أن التغيير يجب أن يأتي من الداخل، فكل التخيلات الجامحة الى حد القول بأن السوريين سيرحبون بحدوث تغيير النظام من الخارج تسيء تقدير النزعة الوطنية السورية، مثلما حدث الى حد ما مع إساءة تقدير الوطنية العراقية قبل حرب العراق· فإذا قرر الأسد تغيير المسار والتعاون مع المجتمع الدولي، وإطلاق إصلاح سياسي حقيقي، فسيتعين على أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية أن تكون مستعدة لمد يد العون·
ولكن إذا تم اتهام مسؤولين سوريين كبار في تقرير ميليس، وإذا رفض الأسد التعاون، فعلى الغرب أن يعزل نظامه لا أن يعاقب الشعب السوري، وأن يبدي استعداده للتعاون مع خلفائه·
* (فلولكر بريتس مدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في برلين، ومؤلف كتاب "سورية في عهد بشار الأسد")· "انترناشونال هيرالدتريبيون"، 5/10/2005·