لنا عبد الرحمن *
فى روايتها سهرة تنكرية للموتى كتبت غادة السمان قائلة :"أجمل ما فى بيروت أن المرء يغيب عن الناس ألف عام ولا يستقبلونه بالعتاب حين يعود، بل يجد مكانه محفوظاً فى قلوبهم، كأن قلب بيروت ميناء ألف رحيل الناس وعودتهم"·
لكن مارسيل خليفة حين غنى من أشعار محمود دروش
بيروت خيمتنا
بيروت نجمتنا
بيروت تفاحة
والقلب لا يضحك
حتماً لم يكن يقصد بيروت في شكلها الحالى، فقصيدة درويش تبدو استشرافية إذ يرى بيروت تفاحة ونجمة لكنها لا تبهج القلب
تبدو بيروت الآن فى السِلم مختلفة عن بيروت القتل والدمار التى ظل المبدعون يكتبون حكايتها ويتغنى بروعتها الفنانون، ربما لأنها مدينة مثيرة للاهتمام أخاذة وغارقة فى عبثها الخاص· هنا يبدو من الصعب رؤية وجه واحد لها لأن سحرها يختبئ فى ذلك التنوع السريع والقريب بين الوجوه والأماكن، مكمن السحر هذا يجعل منها مدينة تشبه "اللعبة الروسية" حيث لا تختلط المناطق والأماكن ولا تتجاور بل تشكل كياناً كاملاً له عوالم مختلفة· فاللعبة الروسية هي لعبة خشبية ملونة على شكل إمراة تختبئ بداخلها مجموعة من اللعب كلها تحمل الملامح نفسها لكنها تختلف حجما·
تحولات شارع الحمرا
إنه الشارع الرئيسي في رأس بيروت، يستيقظ باكراً كما ينام باكرا إنه "شارع الحمرا" الشهير الذى اختزل ذاكرة المدينة بين جانبيه وانغلق على أسراره حيث تفتح المتاجر أبوابها، فينطلق الباعة الجوالون ليعرضوا بضائعهم،ساعات رخيصة،وميداليات للمفاتيح، فيما باعة اليانصيب ينادون على الحظ ليأتي متنكرا بورقة تحمل وعدا بالملايين·أما باعة الصحف فإنهم يضعون الصحف الجرائد، والمجلات على "الستاند" الخاص بها، يحومون حول العابرين يدعونهم للفرجة قائلين "تفضل·· تفضل" وكأنهم يسمحون لك بقراءة العناوين لعلك تقدم على الشراء·
يبدو لك شارع الحمرا وأنت تمشي على أرصفته الرئيسية، أو تتجول في أرجائه كأنه شارع خارج لتوه من إحدى الروايات القديمة، حيث كل شيء فيه يعبق بالدهشة والتساؤل·
لو تابعت سيرك من أول "شارع الحمرا" تاركاً مصرف لبنان وراءك ستلمح المحلات التجارية والأكشاك تتوزع على جانبى الطريق، فيما رواد المقاهى يحتلون أماكنهم ككل صباح· لكن "شارع الحمرا" الذى كافح ليحافظ على مكانته كشارع استثنائي فى بيروت لا تهدأ الحركة فيه من شروق الشمس إلى غروبها، ظل يجمع بين شتى المتناقضات: الجدة والطرافة الهدوء والاضطراب، الفوضى والنظام، يتسع لرجل الأعمال الثري والموظف البسيط، السائح الباحث عن أحد وجوه بيروت، والمثقف الذى يتأمل وجوه الناس من أحد أركان المقهى وهو يفكر فى نص جديد·
"لم يعد شارع الحمرا كما كان فى السابق"· تتردد هذه العبارة كثيراً بين من عرفوا الشارع قديماً أيام أمجاده السابقة وبين من يرتاده الآن ويلحظ انصراف الناس عنه ،لأنه بات عاجزا عن منافسة الشوارع الفتية الأخرى الأكثر شباباً وحيوية كشارع "مونو" أو "الداون تاون"· لم يعد "الحمرا" مكاناً ليلياً صاخباً يعج بالأندية الليلة التى تفتح أبوابها حتى ساعات الفجر الأولى، فقد تقلصت تلك الأماكن لتقتصر على بعض الحانات مثل "روغيستو" "ودوبراغ" حيث الأضواء الخافتة والموسيقى الصاخبة الزحام والضجيج· إنها مزايا تجتذب شباب اليوم·
كانت بداية ترهل هذا الشارع عقب الحرب فى الثمانينات ليواصل ترهله فى التسعينيات ويبدأ رحلة الهبوط مع بداية قيام أعمال صيانة البنى التحتية ورصف الطرق وبناء أرصفة جديدة، كل ذلك تزامن مع إقفال صالات السينما وافتتاح دور سينما جديدة فى أماكن أخرى من المدينة·
أسهم إقفال مقهى "المودكا" عام2003 في تراجع دور "شارع الحمرا" الريادى فى مدينة تعيد حياكة ثوبها الحضارى الجديد لتظهر بحلة أكثر لمعاناً تتواءم مع التجديد مقهى "المودكا" لم يكن مجرد مقهى إذ كان يمثل ملمحا أساسيا لمثقفي المدينة الذين كانوا يتلقون رسائلهم البريدية على عنوانه، فهو مقهى تزدحم طاولاته صباحاً برواد يقصدونه لاحتساء قهوتهم الصباحية قبل مباشرة عملهم اليومى ثم يعودون إليه مساء للقاء أصدقائهم· ولكن المودكا أقفل وأقيم مكانه محل ملابس بأسعار مخفضة وانتقل رواده إلى المقهى المقابل له تماماً أي "الويمبي" أو "الكافيه دي باري لكن "الويمبى" تختلف أجواؤه ذات النفحة الاستقراطية عن ألفة "المودكا" وحميمية طاولاته المتقاربة فيما "الكافيه دي باري" له طابعه الخاص، إذ تبدو عتمته الغامضة عبر دهليزه الطويل باردة ولا تحرض على المغامرة بالدخول إليه، كما أن هذه العتمة غير منسجمة مع الطاولات الخارجية التى تحاذي الرصيف حيث يجلس إليها كهول وعجائز باتوا كأنهم جزءا لا ينفصل عن المكان
يواجهك على زاوية الرصيف قبل وصولك إلى "المودكا" و"الكافيه دي باري" مقهى "الهورس شو" الذي أعيد افتتاحه من ثلاثة أعوام تقريباً بعد أن ظل مغلقاً طوال فترة الحرب وقد حاول أن يستعيد جزءاً من ماضيه البعيد· لكن "الهورس شو" الذى قرأنا عنه فى أعمال غادة السمان وفى رواية حنان الشيخ "فرس الشيطان" حين كان ملتقى للأدباء والفنانين في السبعينات تلاشى زهوه ولم يبق من ذاكرته إلا الاسم فقط·
لا يجد الجيل الشاب فى "ويمبى" "وكافيه دي باري" و"الهورس شو" أي إغراء، في المقابل يحتل "ستارباكس" المقهى الأمريكي مكانته فى تقديم أنواع مختلفة من القهوة يحتار الزبون فى الاختيار أمام تنوع أسمائها والفروقات الطفيفة فيما بينها إذ تبدو تلك الأسماء مستجدة على الذائقة العربية، حداثية وتنتمى لزمن العولمة· إذ ستلفت انتباهك لائحة طويلة لأسماء أنواع مجهولة ومعروفة من القهوة مع كتابة السعر بجانبها، ستغامر فى طلب شيء ما من هذه القائمة ثم الانتظار لأخذه قبل أن تدلف إلى الطابق الأرضى حيث المقاعد الواسعة التى تؤمن متعة الجلوس لوقت طويل برفقة أصدقاء أو للكتابة على الأوراق أو الكمبيوتر المحمول براحة تامة من مراقبة النادلين· لكن "ستارباكس" بطرازه الأمريكي العصري الذي يبث حياة مختلفة في "شارع الحمرا" يبدو غير متوائم مع نمطية الشارع ذات التيمات الخاصة المتداخلة والمنسجمة فى آن واحد·
بماذا ينفرد شارع الحمرا إذن الآن؟ ربما من المحزن القول إن هذا الشارع الذي لم يتأثر بطلقات الرصاص أو قذائف الهاون أيام الحرب لحقته الشيخوخة سريعاً أيام السِلم، رغم أنه مازال يجتذب السياح والغرباء لأنهم يبحثون فيه عن أشياء سمعوا عنها ،متجاهلين تحول هويته وتبدلها، فقد أقيم مكان صالة سينما "الدورادو" متجر كبير للملابس يحمل الاسم نفسه، وصار "الدورادو" الجديد معلماً أساسياً من معالم الشارع ومن المستجدات الغريبة على الشارع محل "زين الأتات" خبير الأعشاب الذي ذاع صيته في ضواحي بيروت وصار له الآن فرع رئيسي في "شارع الحمرا"· ولا يمكن إغفال الحضور الخليجي المتمثل في محل العطور الشهير "عبدالصمد القرشي" الذي يحتل مكانته في أول الشارع·
رويداً رويداً تبدل شارع الحمرا صار له هوية تجارية تواكب التحولات تفرض حضورها، وتطغى على أية ذكريات ماضية·
الداون تاون وأشباح الساحة
كان صوت فيروز يرتفع من أحد المقاهي "ورقه الأصفر شهر أيلول··تحت الشبابيك···ذكرني فيك"، ربما لأننا في أيلول، وربما لأن فيروز ظلت عبر تاريخها الطويل تغني عن لبنان الذي يحلم به الجميع ولا يجدونه·
إنه وسط لمدينة، الوسط التجاري، أو كما اصطلح على تسميته "الداون تاون" وهذا المكان الذي كان قبل الحرب يزدحم بالأسواق الشعبية والمقاهي تحول إلى أنقاض منذ اندلاع الحرب الأهلية واستمر كخط تماس يفصل بين بيروت الغربية بجزئها "المسلم" وبيروت الشرقية بجزئها "المسيحي"· في هذا المكان تبرز مساحة شاسعة كانت تعرف باسم "ساحة الشهداء" ظلت الأشباح تسكنها، ويخيم عليها الموت حتى إعادة إعمار وسط المدينة، وتحولها إلى مركز النشاط التجاري المرتجى لإعادة نهضة بيروت· قامت بعملية الإعمار هذه شركة "سوليدير" عبر شراء الأراضي من الملاك وإعادة إعمارها مع الاحتفاظ ببعض الآثار التاريخية لأغراض سياحية·
المتاجر القديمة التي دمرت خلال الحرب قامت مكانها متاجر أنيقة "فيغاستور نيكي والفيرجين" هكذا صار قلب المدينة الذي شهد مقبرة جماعية للأرواح والأموال أهم سوق تجاري في لبنان، مكانا لا يقصده إلا القادرون على شرب فنجان قهوة أو تناول وجبة من دون الالتفات لقائمة الأسعار· لا يمكنك التجول فى "الداون تاون إلا سيراً على الأقدام إذ عليك أن تركن سيارتك خارجاً وتدلف إلى وسط البلد لتطالعك سلسلة من المطاعم المتشابهة التي تضع طاولاتها على الأرصفة وتقدم الأراجيل والبيتزا، وأنواع مختلفة من السلطات، والأيس كريم، والعصائر، ليس ثمة ما يميز بينها سوى إعلان البعض عن تخصصه بتقديم الأطباق اللبنانية المحلية، فى هذا المكان ستشاهد وجوها، وأزياء، لم تألفها فى شارع الحمرا، إنه خليط من البشر· يسترعي انتباهك فى تباينه الواضح· هناك العائلات الخليجية التى تقصد المكان للتبضع، وعند إحساسها بالتعب تلجأ للراحة فى إحدى المقاهي المتشابهة، هناك أيضاً السياح الأجانب الذين سمعوا عن بيروت "قبل وبعد" وجاؤوا لرؤية ما سمعوا، ثم فئة قليلة من اللبنانيين معظمهم من الشباب العشريني المرفه يجد فى "الداون تاون" صورة مصغرة لمدينة يبحث فيها عما تحكيه وتصوره الفضائيات وشاشات الكمبيوتر، هذا بالإضافة لأماكن التبضع التى تحمل أسماء ماركات عالمية هناك متجر "الفيرجين"، الذى يقصده كل من يبحث عن كتاب جديد أو آخر إسطوانة "سى دى" لبرتني سبيرز أو چينفر لوبيز· "فالفيرجين" مكان يجسد الثقافة الحديثة بشكلها المتعولم والمرعب أيضاً حيث الإغواء بشراء كل ما تحلم به من الموسيقى الكلاسيك إلى آخر إصدارات دور النشر الغربية لكن عليك أن لا تتوقف كثيراً أمام الثمن المراد دفعه·
فى "الداون تاون" أيضاً شيد ضريح كبير للرئيس الشهيد رفيق الحريرى بعد أن تقرردفنه فى المكان الذى عمل خلال حياته على إعادة إعماره وتحويله لما هو عليه فى شكله الحالى·
الليل فى مونو:
مونو شارع ليلى بامتياز، إذا أردت اكتشافه عن كثب عليك أن تقصده ليلاً·مونو الهادئ فى الصباح لن تجد على شرفاته سوى عجائز يحتسينٌ القهوة ويتحدثن عن ذكرياتهن مع الشارع قبل أن يتفجر فيه عنفوان الشوارع الشابة بكل ضجيجها·
"مونو" الحى المسيحى الراقى هو جزء من المنطقة اليسوعية التى تضم مسرح مونو فى الأشرفية، وجامعة القديس يوسف،ومركز الآباء اليسوعيين· هذا الشارع صار له حياة ليلية متألقة لا يقصدها إلا أصحاب المزاج الخاص لشرب كأس من شراب ما فى أحد أماكنه البازخة، لذا يكون معظم رواده من الأثرياء أو الخليجيين، إذ يصعب على الفرد اللبنانى المنتمي إلى الطبقة الوسطى إرتياد الحانات الليلية فى هذا الشارع الذى تفرض حد أدنى للشخص الواحد ما يعادل ثلث راتبه·
" شارع مونو" أيضاً أيام الحرب كان خط تماس عرف القناص، والتباهى ببراعة القتل، وبات فى السلم عنواناً للترفيه واللهو إذ تتوزع على جانبى رصيفه الضيق حانات وملاهى ومطاعم تضم مختلف أنواع الديكورات من الطراز العربى حيث الأرائك والمساند والسجاد، العصرى والحداثى: أمريكى، فرنسى، إيطالى، هذا الشارع المقصود من الغرباء ومن جيل شابات وشباب يبحثون عن حريتهم وعن أماكن للرقص وسماع موسيقى متنوعة،أو عدة طاولات ينزوون فيها بحثاً عن رومانسية مفقودة· يختلف مونو فى نوعية مقاهيه عن مقاهى "الداون تاون" المكشوفة إلى الخارج والتى تولد شعوراً كرنفالياً يدعو للنظر والتحديق ورغم ذلك لن يعلق فى ذهنك سوى تشابه الأشياء والوجوه· فيما "مونو" يمنح خصوصيته ويتيح لرواده الاختيار مابين الرقص تحت الأضواء الشاحبة، والبحث في أماكنه عما يناسب الأذواق المختلفة·
لعل من أكثر الأماكن المثيرة للدهشة فى "مونو" هو ملهى يحمل اسم 975 وهذا الاسم هو تاريخ الحرب اللبنانية، ويبدو هذا المكان كما لو أنه أرشيف حي للحرب يصور للأجيال الشابه ملخص حكاية الحرب، فجدرانه مثقوبة بالشظايا والقذائف، والعاملون به يرتدون ثيابا عسكرية مرقطة بالكاكى· المشهد فى1975 مرعب إذ ليس فيه أى حنين لزمن ماضٍ سوى لمن امتهن الحرب، وصار عاطلاً عن الحياة فى زمن السلم·
* كاتبة لبنانية