رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 23 رمضان1426 هـ . 26 اكتوبر 2005
العدد 1701

"حكمة الجماعة".. يشرح الأسباب التي تجعل الجماعة أكثر حكمة من الأقلية

                                                                                   

 

·         تعدد الآراء يضيف أبعاداً جديدة  لأي مشروع أو قرار مطروح

·         القرارات الجماعية أكثر ذكاء من القرارات الفردية

·         العمل الجماعي يؤدي إلى أطروحات جديدة لا يمكن للذكاء الفردي وحده أن يحققها

·         "النمل" حينما ينفصل عن الجماعة فإنه يتساقط ثم يموت

·         كيف يؤدي التعايش الجماعي إلى تحقيق المصلحة العامة؟

·         التعاون وتبادل المعلومات يبرزان أكثر في المجالات العلمية والدليل "سارس"

·         الأمريكيون يبدون اهتماماً أقل من الأوروبيين تجاه التفاوت الطبقي في الدخول الفردية

 

تأليف: جيمس سورويكي - عرض سعاد المعجل

قد يكون من الصعب جدا على القارىء أن يعرض كتابا بحجم كتاب "حكمة الجماعة" للكاتب "جيمس سورويكي" دون أن ينتقص من أهميته ككتاب··· ولا نعني هنا حجمه المــســـاحي الذي يقع في أكثر من ثلاثمئة صفحة··· وإنما حجم الأهمية التي يتحــلى بهـا هذا الكتاب·

يحاول "سورويكي" في كتابه أن يقدم العديد من البراهين التي نتجت عن كثير من التجارب التي تشرح الأسباب التي تجعل الجماعة أكثر ذكاء وحكمة من الأقلية·

في بداية الكتاب يقدم "سورويكي" أمثلة من برامج ترفيهية··· مثل "من يربح المليون" وتجارب معمليه سواء في المدارس أو المصانع··· تؤكد أن القرار الجماعي هو دائما أكثر ذكاء وفاعلية من القرارات الفردية!! لكن هذه الحقيقة ليست مطلقة··· وإنما تشترط ظروفا معينة أولها أن يملك كل فرد من المجموعة حصته الخاصة من المعلومات··· وأن يتمتع كذلك باستقلالية عن المجموعة··· وألا يكون القرار مركزيا بمعنى أن الأفراد داخل المجموعة يملكون الحق للاستنتاج من المعلومات المتاحة·

وأخيرا أن تكون هنالك آلية واضحة لتحويل الاجتهادات الفردية إلى قرار جماعي·

وضوح

 

يرى "سورويكي" أن آلية القرار الجماعي تبدو واضحة في حالة كل المنتجات والصناعات الحديثة··· حيث يمر كل منتج جديد بمرحلة تنقيح داخل المجتمع المستهلك يتم خلالها اختيار الأفضل بإجماع الأغلبية··· وذلك بعد أن يكون السوق قد طرح كل البدائل والاحتمالات! وهذا بحد ذاته يشجع على بلورة أفكار مختلفة هي حتما ستؤدي إلى اختيار الأفضل··· لأن الأفكار المتشابهة لا يمكن أن تولد تحديثا أو تجديدا حقيقيا بمفردها! فتشعب وتعدد الآراء والرؤى يضيف أبعادا جدية لأي مسألة أو مشروع أو قرار مطروح··· والعمل الجماعي يؤدي حتما إلى غربلة القرارات وبالتالي عزل ما هو غير مفيد أو مؤذ! ولعل مثل هذا الأسلوب يكون أكثر فاعلية في حالة عمل الجماعات الصغيرة··· إلا أنه قد لا يكون بالفاعلية ذاتها في حالة الأداء داخل الأسواق الضخمة أو الحملات الانتخابية الكبيرة! فبحسب رأي "سورويكي" فإن العمل الجماعي قد يؤدي إلى أطروحات جدية لا يمكن للذكاء وحده أن يحققها· وهو هنا يصل إلى خلاصة مهمة وجدلية·· وهي أن قيمة الخبراء كما تعودنا فهمها··· فهي في الواقع مسألة مبالغ فيها··· لأن الخبرة أو الذكاء وحده لا يوفر الرؤى المتشعبة التي يوفرها الأداء الجماعي·

 

الطاحونة الدائرة

 

يستخدم "جيمس سورويكي" في كتابه تجربة أجراها عالم الطبيعة الأمريكي "ويليام بيب" للتأكيد على أهمية وجدوى حكمة الجماعة أو الأداء الجماعي··· حيث لاحظ "ويليام بيب" أن النمل حين ينفصل عن جماعته فإنه يبدأ في تشكيل دائرة قطرها 1.200  قدم يدور حولها النمل الضال إلى أن يتساقط أغلبه ميتا·· وأطلق على هذه الحركة اسم "الطاحونة الدائرة"·

أما القانون الذي يحكمها فيقول ببساطة··· اتبع النملة التي أمامك حين تضل الطريق إلى الجماعة··· وتستمر هذه الدائرة إلى أن تخرج عنها بعض النمل بالصدفة··· فيتبعها الأحياء منهم! وبذلك يكون الانتماء الجماعي في مملكة النمل مسؤولا عن نجاح تلك المملكة المنظمة··· ولكن أحيانا قد يؤدي إلى فناء النمل كذلك·

لكن البشر ليسوا كالنمل··· فهنالك استقلالية في القرار حتى في إطار العمل الجماعي··· ولذلك فإن "سورويكي" يرى أن مثل هذه الاستقلالية لا تقل أهمية عن الذكاء··· لأنها أولا تحاصر الأخطاء داخل المجموعة البشرية وتمنعها من التفاقم··· وثانيا لأن استقلالية الأفراد داخل منظومة الجماعة تؤمن معلومات جديدة·

هنالك تجربة أخرى لعالم الاجتماع "ستانلي ميلغرام" تؤكد أنه كلما زاد عدد الجماعة·· يزيد امتثال الأفراد لقرارها·· مؤكدا بذلك أن نفوذ الجماعة يكون أكبر كلما زادت رقعة الجماعة!! وهي ما يفسرها البعض "بثقافة القطيع"·· لكنها تبقى الأسلوب الأمثل للمسار السليم أو الآمن الذي قررته الجماعة·

ولعل ذلك يبدو واضحا في أسواق المال·· حين يقبل الناس على شراء الأسهم التي تتزاحم الأغلبية على شرائها··· وهو ما يفسره علماء الاقتصاد بكونه نابعا من قناعة الإنسان بأن الآخرين يملكون كمّا من المعلومات  المفيدة!! عندها يبـــدأ ما يعـــرف بتـــداعي القـــرارات·· حـين يبدأ كل فرد بالتوقف عن الاعتـــماد على قراره الشخصي أو رؤيته·

 

هفوات

 

لكن مثل هذا النهج الذي يتميز بتقليد الآخرين لا يخلو من الهفوات!! فهل يعني ذلك أن على الأفراد أن ينغلقوا على أنفسهم ويتوقفوا عن تقليد الآخرين؟! في الواقع الإجابة هي النفي·· لأن التقليد مسألة إيجابية خاصة في مجتمعات مفتوحة كالولايات المتحدة·

وإذا كان التقليد في مملكة الحيوانات يعتبر أسلوبا من أساليب التطور البيولوجي·· فإنه في مجتمع البشر محكوم بالذكاء·· بالإضافة إلى أن هنالك مسائل أو منتــــجات قابلة لأسلوب التداعي أو التقليد أكثر من غيرها·· وكما هي الحال في عالم الأزيــاء والموضة·

يخصص "جيمس سورويكي" فصلا كاملا يتحدث فيه عن الأخطاء التي وقعت فيها وكالة الاستخبارات المركزية في أمريكا·· حين عجزت عن التأمل مع الإرهاب الذي ضرب المصالح الأمريكية أكثر من مرة!! وكيف أن نظام اللامركزية المعمول به سواء في الـ CIA أو FBI·· قد أدى إلى مشاكل وأخطاء في كلا المؤسستين·

ويرى أن التعاون داخل هاتين المؤسستين قد افتقد لعنصر المشاركة في المعلومات·· وأن المخرج الأفضل لذلك هو في خلق شبكة معلومات ترط بين كل مكاتب وكالة الاستخبارات المركزية لتبادل المعلومات ومن دون التقيد بهرمية المؤسسة التقليدية!

يجيب "سورويكي" في كتابه على السؤال الذي طالما دارت النقاشات حوله·· وهو المتعلق بأثر الثقافة أو الموروثات الاجتماعية في التعاون بين الأفراد وداخل دائرة المجتمع الواحد··· وحيث يرى "سورويكي" أن الثقافة غالبا ما تلعب دورا مهما في تحديد طبيعة مثل هذا التعاون·· وذلك من خلال ما تشيعه من أعراف وتقاليد تنظم عملية التعاون تلك وتؤطرها!

وغالبا ما تكون هذه التقاليد طويلة الأمد··· إلا أن ذلك لا يعني أن لا تقاليد جديدة تنشأ بفعل الحاجة!! ولعل أشهر هذه التقاليد نظام الجلوس في المسارح والسينما··· ونظام الطوابير·· ونظام خدمة العملاء في البنوك والمحلات التجارية حيث تكون الأولوية للقادمين أولا·

 

عرض وطلب

 

وعلى الرغم من أن التقاليد لا يمكن فعليا أن تؤثر في الاقتصاد وحركة المال لأن هذه تعتمد على التحليل والاستراتيجية وليس على تقاليد سنها وسار عليها المجتمع·· إلا أنها وكما يرى "سورويكي" تتدخل في الاقتصاد من حيث إنها تؤثر في ثقافة تسعير السلع·· والتي غالبا ما يحددها قانون العرض والطلب·· وهو قانون يرى "سورويكي" أنه نابع من تقاليد الحاجة داخل المجتمع·· وحيث تتسرب المعلومات التي تحرك عملية الشراء من البائع إلى المستهلك وبالعكس· مما يؤسس ميكانيكية للتعاون هي في أساسها ما يطلق عليه الآن الاقتصاد أو السوق الحر والذي ما هو إلا أسلوب فعال لتسوية المشاكل التي قد تنشأ نتيجة للتنسيق والتعاون داخل المجتمع الواحد!

 

التفاوت الطبقي

 

يتطرق "سورويكي" لمسألة الجهد والعائد والتي أشبعها الاقتصاديون بحثا ودراسة! حيث يرى الغالبية أن ملاءمة العائد بالجهد هي مسألة تفتقد للإنصاف والعدل في أغلب الأحيان· بينما يرى "سورويكي" بأنها مسألة مرتبطة بالثقافة إلى حد كبير·· فعلى الرغم من أن التفاوت في الدخول من سمات المجتمع الأمريكي·· إلا أن الأمريكيين يبدون قلقا أقل بكثير من الأوروبيين تجاه مثل هذا التفاوت الطبقي في الدخول الفردية·

 

تنسيق

 

يؤكد "سورويكي" في كتابه على أهمية التنسيق والتعاون داخل المجتمعات وذلك على المدى البعيد·· وهو تعاون لا يمكن أن تضمنه القوانين والتشريعات وحدها ما لم تتولد لدى أفراد المجتمع نزعة التعاون· أما ركيزة مثل هذا التعاون فتكون في الثقة التي نعززها بمرور الوقت تعاملات الشركات والمؤسسات والأفراد وفقا لشريعة وأعراف المجتمع!! ثم يضرب "سورويكي" مثالا لذلك من النظام الرأسمالي الذي نما وتطور وفقا لثقافة الثقة بين البائع والمستهلك وأيضا لقناعة المجتمع بجدوى العائد بعيد المدى وليس قصير المدى فحسب! لكن مثل هذا النظام لا يخلو بالطبع من المنغصات والتي يأتي على رأسها أن مثل هذه الثقة قد تؤدي إلى تسخير الأكثرية لخدمة الأغلبية!! وقد تنعكس على التزامات أخرى كالالتزام الضريبي الذي يحتاج إلى ثقة مطلقة من قبل المواطن في مدى صدق الحكــــومة ومــدى مقدرتها فعليا على تسخير العوائد الضريبية للمصلحة العامة·

يرى "سورويكي" أن ثقافة التعاون وتبادل المعلومات تبرز أكثر ما تبرز في المجالات العلمية ويستشهد هنا بالمعركة العالمية لمواجهة فيروس "سارس" حيث تواصلت مختبرات من كافة أنحاء العالم لمواجهة هذا الفيروس· ويرى كذلك أن مثل هذا التعاون يضمن للعلم تشعيبا إيجابيا في الرؤى يحقق نجاحا أكثر خاصة وأن العلم يعتبر من أكثر المجالات حاجة لتوفر المعلومة للبـــاحثين وتسهيل عبورها من دولة إلى أخرى

 

لا مركزية

 

يتناول "سورويكي" مسألة اللامركزية في قطاعات العمل والمصانع·· ويستشهد هنا بشركة الملابس الإسبانية الشهيرة "زارا" والتي يرى أن إدارتها تعكس ثقافة العمل الحديثة التي سيشهدها القرن الحالي وكيف أنها كشركة قد حققت شوطا كبيرا في هذه الثقافة عبر أفرعها الستمئة المنتشرة عبر العالم·· وحيث يتمتع كل رئيس فرع باتصال مباشر بالإدارة العليا للشركة ليطلعهم على رأي المستهلك لما يتعلق بأدق التفاصيل· وهو ما عجزت عنه إلى الآن وفي رأي "سورويكي" الشركات الأمريكية التي لا تزال تقيدها تلك الهرمية الصارمة في العمل على الرغم من كل ما يطرحه الاقتصاديون في السوق الأمريكية من محاولات لترويج ثقافة اللامركزية الحقيقية والتي من أهم انعكاساتها أنها تعطي المستهلك أو الموظف إحساسا بالمسؤولية·· بالإضافة إلى أنها تؤمن أداء أفضل·· وتشعبا إيجابيا في المعلومات والخبرة!

 

مقارنة

 

يقارن "سورويكي" بين طبيعة التعاون والتبادل في حالة أسواق الأسهم من جهة·· وحركة المال في السوق الشرائية اليومية!! فبينما تعتمد أسعار الأسهم على رأي الآخرين بمعنى أنها عملية غير مستقلة أي أنها تعمد على رؤية الآخرين للسعر المناسب للسهم·· فإن الحالة ليست كذلك في عمليات شراء السلع اليومية· وفي حالة المضاربات داخل أسواق الأسهم· يأتي تقييم الآخرين لسعر السهم كمسألة في غاية الأهمية، بينما لا يهم كثيرا تقييمهم لأسعار السلع الاستهلاكية كالشاي والخبز وغير ذلك·

يختم "سورويكي" كتابه الشيق بمقارنة بين طبيعة التعاون داخل المجتمع الاقتصادي من جهة والديمقراطية من جهة أخرى· حيث يحاول الكثير من الاقتصاديين أن يستخدموا الأدوات نفسها التي استخدموها في تفسير طبيعة العمل في الاقتصاد، ويطبقوها عند دراستهم لأسلوب العمل السياسي· ويرى "سورويكي" أن الهدف في الحالتين أي الاقتصاد والسياسة يجب أن يكون الصالح العام· وليس المصلحة الشخصية الضيقة!

ومن وجهة نظر "سورويكي" فإن الحلول لمشاكل التعاون والتنسيق يجب أن تنبع من الحكمة والحنكة الجماعية·· لأن ذلك في نهاية الأمر هو مغزى الديمقراطية·· فالهدف سواء في الاقتصاد أو السياسة هو العمل على حل المشاكل بين الأفراد داخل المجتمع الواحد وتيسير سبل التعايش فيما بينهم·· وذلك هو جوهر الحس الديمقراطي الذي يركز أساسا على ضرورة التعامل بحكمة مع المعوقات الأساسية التي قد تكون حجر عثرة في طريق التنسيق والتعاون داخل المجتمع!!

 

تعايش جماعي


كيف نعيش مع بعضنا البعض؟ وكيف يؤدي التعايش الجماعي الى تحقيق المصلحة العامة؟ أسئلة تجيب عنها الممارسة الديمقراطية، لأنها كتجربة لا تعني حصول الفرد على ما يرغب وإنما هي تجربة تجعل الفرد يتقبل تميز الآخرين وتفوقهم دون أن يخشى أن يشوهوا ما يعتر به وما يقيمه داخل نطاق مجتمعه، ولكي يدرك على ضوء التجربة الديمقراطية، أن الفرص ستكون متاحة له مستقبلا ليحقق ما حققه الآخرون·

قد لا تعكس القرارات التي تحققها الأنظمة الديمقراطية حكمة الجماعة·· لكن القرار باستخدام الديمقراطية في تحقيق تلك القرارات هو حقا جوهر حكمة الجماعة·

 

     

طباعة