· واشنطن تبنت استراتيجية "الفوضى البناءة" بدلا من "الشراكة البناءة مع سورية"
· سورية رفضت صفقة أمريكية بتبرئتها من دم الحريري مقابل تعاونها في العراق ولبنان وفلسطين
بقلم: أندرو تابلر
اتهام المحقق الدولي ديتليف ميليس لـ "مسؤولين لبنانيين وسوريين رفيعي المستوى" باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، أطلق عاصفة من الجدل حول الطريقة الأمثل للضغط على دمشق للتعاون مع التحقيق· وبينما تتركز كل الأنظار على الرئيس السوري بشار الأسد وما الذي سيفعله، من المهم ألا تضيّع واشنطن الفرصة لتقرر من يجدر التعامل معه في دمشق·
فمنذ أن تسلم بشار الأسد السلطة خلفا لوالده قبل خمس سنوات، ظل سؤال واحد يتردد بين المراقبين والدبلوماسيين في دمشق هو: هل يسيطر بشار على زمام الأمور؟
حتى أن شبكة "سي· إن· إن" وجهت له هذا السؤال مباشرة قبل أيام، فأجاب الأسد: "لا يمكن أن أكون دكتاتورا وفي الوقت ذاته لا أسيطر على الوضع، فهل هذا ممكن؟"· فمنذ أن تولى بشار السلطة في يوليو 2000، ظل ينحى باللائمة في كل ما يحدث من إبطاء الإصلاحات الى الاضطرار لسحب القوات من لبنان، على ضعف الرئيس الأسد أمام "الحرس القديم"·
ولكن حين بدأ هذا الاعتقاد يؤثر في العلاقات مع الولايات المتحدة - ولا سيما مطالب واشنطن بشأن العراق - غيرت إدارة بوش سياستها تجاه سورية من "الشراكة البناءة" الى "عدم الاستقرار البناء"· وهذا يشمل فرض عقوبات وإطلاق التهديدات العلنية، بل أيضا أنشطة عسكرية أمريكية على طول الحدود العراقية - السورية· لقد غاب أي حافز لدمشق للتصرف على نحو جيد·
صفقة
وفي الأسبوع الماضي، أكد مسؤول أمريكي رفيع الشائعات بأن بلاده عرضت على دمشق صفقة تقضي بتبرئتها من الاتهامات باغتيال الحريري مقابل أن توقف تأييدها للتمرد في العراق وأن تنهي كل أشكال التدخل في الشؤون اللبنانية وتوقف دعمها لحزب الله وفصائل المعارضة الفلسطينية·
ولكن الأنباء أفادت أن دمشق رفضت الصفقة·
وربما يمكن للمرء أن يفهم سبب رفض الاقتراح، لأنه ليس من الواضح ما إذا كان هناك من يمتلك ما يكفي من السلطة في دمشق لتغيير السياسة الخارجية لهذا البلد، والتي ينتهجها منذ ثلاثين عاما· وقد كشفت النسخة غير المنشورة من تقرير ميليس التي أوردت أسماء مسؤولين بارزين في نظام الأسد، حجم الخلافات التي تمزق هذا النظام·
إن احتمال تورط شقيق الرئيس وصهره في اغتيال رجل بحجم الحريري يعني أن النظام في سورية يتألف من أقطاب عدة·
وربما كانت الولايات المتحدة بحاجة للبحث في ما إذا كان هناك من بين هذه الأقطاب من هو في موقع يمكنه من التفاوض معها، حتى مع فرض العقوبات على دمشق· فالعقوبات قد تكون لها آثار مأساوية وقد تخلق الفوضى، في وقت ربما تكون الفوضى في دولة شرق أوسطية، هو آخر ما نحتاج إليه، وكذلك فإن الضغوط الأولية على دمشق الآن قد تؤدي الى زيادة مشاعر التطرف القومي وتأجيج مخاوف النظام من الخارج، وبالتالي إعاقة أية مساع للإصلاح·
فالإصلاحات السورية تستند بشكل أساسي على مشاريع ومساعدات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وزيادة الضغوط الدولية على دمشق قد تؤدي الى تسييس عملية الإصلاح وإعاقة تقدمها·
ويجب تفادي مثل هذا الوضع بأي ثمن، فارتفاع معدلات المواليد في سورية (2,85 في المئة) وانخفاض معدلات العمل ورأس المال، يعني أن مستويات البطالة الحالية (11-20 في المئة) سوف ترتفع بسرعة، الأمر الذي قد يؤدي الى تغذية التطرف الأصولي في سورية والمنطقة·
العصا والجزرة
ولذلك، فبدلا من استغلال حادثة اغتيال الحريري لحشر سورية في الزاوية من خلال فرض عقوبات عليها ورؤيتها وهي تنزلق نحو الهاوية، يتعين على واشنطن منح الرئيس الأسد الفرصة لإثبات أنه يسيطر على زمام الأمور· ويمكن لأمريكا أن تعرض عليه جزرة خاصة جدا الى جانب عصا العقوبات·
إن السماح بإعادة فتح خط أنابيب النفط بين مدينة كركوك وميناء بانياس السوري لمعرفة ما إذا كان بوسع الأسد الحفاظ عليه دون تخريب، يمثل خطوة أولى إيجابية في تحديد الى أي مدى يبسط الأسد سيطرته على مقاليد الأمور في سورية·
وهذا من شأنه أيضا، أن يخفف من متاعب الولايات المتحدة في تصدير النفط العراقي ويعطي الأسد والشعب السوري حافزا ماديا للمساعدة في استتباب الاستقرار في العراق· والأهم من ذلك، أنه يفتح الباب لحل سلمي للأزمة الكبرى التي تلوح في الأفق للولايات المتحدة في المنطقة·
هناك بعض الإشارات على أن الأسد قد يكون في وضع يمكنه من القيام بأشياء جيدة في هذا السياق· فقد بدأ الرئيس السوري في تعزيز قبضته على السلطة في أعقاب اغتيال الحريري في شهر فبراير الماضي، حيث شهد المؤتمر العام لحزب البعث السوري في شهر يونيو الماضي، تقاعد الكثير من كبار المسؤولين·
ومات غازي كنعان، الذي كان منافسا محتملا للأسد، في حادث غامض مؤخرا، قالت الرواية الرسمية إنه كان انتحارا·
والولايات المتحدة بحاجة - الآن على الأقل - لمن تتعامل معه داخل النظام السوري· ولكن النظام في دمشق ليس بحاجة الى أمريكا، بالضرورة· ولدى النظام الكثير من التجارب التي تمكن فيها من النجاة من الحصارات، مهما كانت قاسية·
فسورية تخضع للعقوبات الأمريكية منذ عام 1979، وأصبحت لديها خبرة في الالتفاف عليها· كما أن لديها احتياطيا نقديا يصل الى 18 مليار دولار يكفيها للاستيراد من الخارج لمدة ثلاث سنوات· ويجيد زعماء النظام البعثي في دمشق، لعبة الانتظار ببراعة· وحتى لو لم يكن الرئيس السوري ليضاهي الرئيس جورج بوش، إلا أنه أثبت قدرة غير عادية على البقاء·
" عن: هيرالدتريبيون "