*ديموغرافيا متشابهة في البلدين: صرب ومسلمون وكروات في البوسنة مقابل سنّة وشيعة وأكراد في العراق
بقلم: مايكل بورتيلو:
حين زرت إحدى المقابر الجماعية التي ترقد فيها 60 جثة من أصل ثمانية آلاف من الرجال الذين قتلوا في مدينة سربرنيتشا قبل عشر سنوات، سيطر على الذهول، في البداية لم أر الجماجم· أما العظام فقد اكتسبت لون الطين، وحين دققت النظر رأيت عشرة جماجم، إحداها أطلقت النار على صاحبها فوق الأذن· والآخرى لرجل يبدو أنه كان معصوب العينين، والثالثة لرجل مفتوح الفم وكأنه ما زال يعتصر ألما·
ويعتبر هذا الموقع للدفن الجماعي بالقرب من قرية سناغوفا ثانويا بالنسبة للمواقع الأخرى التي حوت آلاف الجثث· وكان القتلة قد حاولوا في عام 1995 وحين لاحت في الأفق فرصة التوصل الى اتفاق "دايتون" للسلام، تضليل التحقيق في الجرائم التي ارتكبوها ضد الإنسانية، من خلال استخدام معدات ثقيلة في انتشال الجثث ونقلها الى أماكن نائية، ولكن كما قال شكسبير، فإن "الحقيقة سوف تظهر والجريمة لا يمكن إخفاؤها لفترة طويلة"·
فأنا عضو في "اللجنة الدولية للمفقودين" التي تشرف على التعرف على القتلى· إن إخفاء الحقيقة عن عائلات الضحايا المكلومة يعد انتهاكا لحقوق الإنسان، وتسليم العائلة جثة القتيل لدفنها يساعدها في تناسي الآلام· وقد تكون هناك فرصة أفضل لتحقيق المصالحة بين الفصائل التي كانت متحاربة، إذا ما حظي معظم الضحايا بعملية دفن كريمة·
وتقوم اللجنة بإجراء فحوص الحمض النووي DNA على عظام الضحايا ومقارنتها بعينات من الدم أخذت من أقاربهم، وقد شملت هذه العمليات 40 ألف ضحية· وأخذت عينات الدم من 100 ألف عائلة مشتتة في أنحاء متفرقة من العالم من أوروبا الى أستراليا·
وهذا العمل البطولي جعل من الصعب على صرب البوسنة إنكار ارتكاب تلك المجازر، كما تم إثبات عدم صحة ادعاءاتهم بأن القتلى كانوا من الجنود الذين وقعوا أثناء المعارك، حين تم انتشال الجثث لأناس يرتدون الملابس المدنية أو كانت أيديهم مكبلة·
حاكم استعماري
والآن، ونحن نكافح من أجل إرساء النظام في العراق، فإنه يجدر بنا ملاحظة التقدم الذي أحرز في البوسنة خلال السنوات العشر الماضية· في البوسنة، لم تواجه قوات الناتو أي تمرد، وانتهى العنف يوم تدخل المجتمع الدولي· ولكن حتى الآن، لا تزال هناك حاجة لانتشار قوة عسكرية من الاتحاد الأوروبي قوامها ستة آلاف جندي للحفاظ على السلام·
ولم تحرز جهود المصالحة بين مختلف الفرقاء نجاحا كبيرا، بل في الواقع، حدثت انقسامات بين السكان وعمليات نزوح· فالصرب كانوا يشكلون نحو نصف سكان سراييفو· أما اليوم، فيشكل المسلمون 90 في المئة من سكانها· ويحجم اللاجئون عن العودة الى القرى التي يشكلون فيها الأقلية، أو تلك التي ما زال مرتكبو الجرائم طلقاء فيها·
البوسنة والهرسك ليست دولة ناجحة، إنها تتكون من كيانين: جمهورية صربيا وفيدرالية المسلمين والكروات· وفيها ثلاثة رؤساء كل رئيس يمثل إحدى الطوائف الثلاث· ومن الصعب أن تجد تعاونا في أي شيء بين المجتمعات الثلاث باستثناء معهد المفقودين الذي يمثل نموذجا للتعاون، ولكن حتى هذا المعهد له ثلاثة مديرين، كل مدير يمثل طائفته!
وتجري التعيينات في الوظائف العامة على أساس الطائفة وليس على أساس الكفاءة، والاقتصاد في حالة ضعف شديد، ويعاني ربع السكان من البطالة· ويعيش نحو نصف السكان عند أو تحت خط الفقر·
وفي حين يستمتع الناس بمزايا السلام، إلا أنهم لم ينبذوا الحرب أو يتعهدوا بعدم العودة إليها مرة أخرى·
فما زالت الأسلحة والقنابل في أيادي الناس بالآلاف· ويدين رجال الشرطة بالولاء للطائفة أو المجموعة الإثنية وليس للدولة·
وإذا تجدد القتال، فقد يصبح رجال الشرطة هؤلاء جزءا من المشكلة، لا الحل·
ويقوم اللورد آشدون الزعيم السابق للديمقراطيين الأحرار في بريطانيا بدور الممثل الأعلى للمجتمع الدولي في البوسنة، أي أنه أشبه بالحاكم الاستعماري· ويجري إغراء البوسنة بإعطائها وعدا بالدخول في عضوية الاتحاد الأوروبي إذا تحقق السلام فيها، لكن مشكلات هذا البلد لا تزال بعيدة عن الحل· فمثلا إذا منح ألبان كوسوفو الاستقلال "الواقع فعلا"، فسوف يطالب صرب البوسنة بالحقوق ذاتها، وكذلك كروات البوسنة·
وحين جلست الأسبوع الماضي في مقهى لأرتشف القهوة في الهواء الطلق، لم أستطع أن أمنع نفسي عن مقارنة الوضع في البوسنة، حيث التوترات العرقية بين المجموعات الثلاث: الصرب والمسلمين والكروات، وتلك القائمة في العراق بين الأكراد والشيعة والسنة·
الحقيقة والمصالحة
وبالإضافة الى ذلك، فإنهم في العراق أيضا، تجري عمليات البحث والتنقيب عن المقابر الجماعية لضحايا صدام حسين· وعدد الضحايا في العراق هو أكبر بكثير من البوسنة· وستكون هذه عملية طويلة ومضنية في العراق· لكن يجب السماح للعائلات العراقية بالتعرف على ضحاياها ومعاقبة القتلة·
فالعراقيون من حقهم التمتع بحقوق الإنسان، ومن حقهم أيضا معاقبة المسؤولين عن الضحايا الذين سقطوا منذ انهيار نظام صدام، وإن كانت قوات التحالف لا تزال ترفض إحصاء هؤلاء الضحايا·
إن انخراطي في العمل الإنساني في البوسنة جعلني أفكر كيف يجب على الدول أن تتعامل مع ماضيها· وقد يجادل البعض بأن نبش الجثث يجعل الناس يركزون على ماضيهم الحزين ويثير الانقسامات· ولكني لا أتفق مع هذا الرأي، على الأقل في المدى المتوسط· فالأمهات العاجزات عن الحداد على أبنائهن لن ينسين، ولن يغفرن للقتلة·
لقد اختارت بعض الدول كجنوب أفريقيا وتشيلي تشكيل لجان الحقيقة والمصالحة وبذلك تغلبت على مشكلة إنكار ارتكاب الجريمة، ففي النهاية سوف يصدر تقرير رسمي يتضمن تفاصيل ما حدث· ولكن عادة ما يتم إنجاز ذلك من خلال منح الحصانة للشهود من الملاحقة القانونية·
ولكن في حالة يوغوسلافيا السابقة، اتخذ المجتمع الدولي نهجا آخر· فالرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش يخضع للمحاكمة في لاهاي، على الرغم من أن رادوفان كاراديتش وراتكو ملاديتش ما زالا طليقين للأسف الشديد·
وعلى أي حال، فإن عمليات نبش القبور الجماعية لا يمكن أن تستمر الى الأبد· فلا بد من وضع موعد نهائي لهذه العملية، حتى إن كان البعض سيشعر بأنه سيحرم من العدالة· إن التمادي في هذه العملية الى ما لا نهاية سيحولها من شرط للمصالحة الى أداة لإثارة المزيد من الصراعات·
لقد تحولت إسبانيا من الدكتاتورية الى الديمقراطية ولم تكن هناك لجنة مصالحة أو محاكمات لرموز العهد البائد· ولكن مما ساعد الإسبان أن معظم الجرائم ارتكبت في السنوات الأولى لعهد فرانكو أو - على الأقل - قبل ثلاثين عاما من وفاته·
وساد هناك ما يشبه الإجماع بأن النسيان هو الخيار الأفضل لهم·
إنني أشعر أن الجمجمة ذات الفم المفتوح التي رأيتها الأسبوع الماضي في البوسنة تنادي بالعدالة· ولكن الوقت ربما يكون أفضل دواء لعلاج الجروح، حتى من العدالة·· ولا بد من أن نمنح الوقت فرصة لمداواة جروح البوسنة·
*(وزير الداخلية البريطاني الأسبق)
" عن: صنداي تايمز "