داوود حسين·· والحديث بصراحة -(2)
د· نادر القنّة
ما قدمه داوود حسين في "قرقيعان 2005" من مشاهد درامية متواضعة، وحوارات تعليقية استخفافية ركيكة تنال من إرث وإنسانية بعض الشرائح العربية وغير العربية، وتقليد ساذج سطحي لا يحمل فكرا، ولا يخدم قضية، وتصوير أبله لنماذج إنسانية تتسم بالبساطة والتواضع والعفوية· كل ذلك كفيل أن يهز مكانته الفنية في قلوب محبيه أولا، وفي قلوب الذائقة الجمالية ثانيا، وفي قلوب الغيارى على الفن الجميل ثالثا، ورابعا، وخامسا· وكفيل بتقويض سنوات نجوميته التي تعب على صناعتها، وبلورتها الى أن وصلت الى ما وصلت إليه من انتشار وتألق وازدهار·
وهنا نقول له بصوت عال، ولغيره من الفنانين الذين يعمدون إلى محاكاة هذه الموجة من الأعمال الدرامية والمنوعة: بأنه ليس من الفن في شيء، وليس من الثقافة في شيء أن يجهد الإنسان نفسه في صناعة أعمال فنية تقوم على تسفيه تراث الآخرين، والاستهزاء من لكناتهم ولهجاتهم، وأزيائهم، وسلوكيات حياتهم، وأنماط معيشتهم··
نعم ليس من الإبداع في شيء أن يتجاوز الفنان حدود المنطق، وحدود المسموح والمعقول، والمتفق عليه ضمنا·
وليس من اللياقة الفنية والثقافية التعامل مع عباد الله بهذا الازدراء، وهذا الاستعلاء، وهذا الاستخفاف باسم الكوميديا، وباسم المادة الترفيهية الرمضانية·
إن تراث الآخرين، وثقافة الناس ليسا ملكا شخصيا لداوود حسين ولا لغيره من الفنانين والإعلاميين، الذين يجدون في التعدي على ثوابت الغير فرصة لإطلاق "كوميديا مجانية رخيصة"· تنفر الناس من صانعيها أكثر مما تقربهم منهم· بل تجعلهم محط نقد سهام المتضررين، ومحل السخط عليهم، وعلى فنهم، وعلى صناعتهم·· فلا يوجد شعب في الكرة الأرضية كلها يوافق على أن يقوم أحد ما من خارج انتمائه وجنسه بالاستهزاء بثوابته وإرثه وممتلكاته· فالأزياء ثوابت، واللجهات علامات، والسلوكيات طبائع، والأغاني والموسيقى ممتلكات·
في إطار ذلك سألت عددا من الفنانين الكويتيين الذين يحملون قدرا من الغيرة على سمعة الحركة الفنية في البلاد، ومن الذين تعبوا على صناعتها، ماذا سيكون الحال لو قامت قناة فضائية عربية أو غير عربية، خاصة أو حكومية بالنيل من التراث الشعبي الكويتي وجعلته محل استخفاف أو تندر ضمن برنامج ممنوع على شاكلة (قرقيعان 2005)؟
بعيدا عن كل التفاصيل التي قيلت في الإجابة عن هذا التساؤل، كانت الآراء متفقة ومتشابهة، وواحدة، ملخصها: بأننا لا نسمح لأحد بالنيل منا، لأن أزياءنا هويتنا، ولهجتنا مثار فخرنا، وأغانينا سجلنا في التاريخ الحضاري· وإذا حصل ذلك سنرد على (المتفننين، والمتفلسفين، والمدعين، والحاقدين، والمتعالين، و·· و··) بكل قوة· لأننا إذا فعلنا ذلك فنحن ندافع عن ذواتنا وعن هويتنا، وكياننا·
إذن ما قدمه داوود حسين مؤخرا يحتاج الى إعادة مراجعة، والى مزيد من التأمل والتدبر، وحساب الأمور بعقلانية من أهل الحكمة والحساب·· وإلا فإن جرس الإنذار قد توقف عن الرنة الأخيرة، وهو ينذر بانهيار نجومية فنان أحببناه، وأوجدنا له في قلوبنا مكانة خاصة··· فلا هو وصي على تاريخ الحركة الفنية الكويتية حتى يلحق بها هذا الضرر، ولا هول مالك لتراث الآخرين حتى يصبح من حقه أن يعبث به تلقزيونيا كيفما يحلو له·
إن داوود حسين لا يحتاج الى نجومية زائدة حتى يقبل على هذه النوعية من الأعمال، ولا ينقصه المال حتى يبرر للناس دوافع اشتغاله في تجارب فنية غير ناضجة، ولا يحتاج الى خفة ظل حتى يتصنع الكوميديا·· ولا يحتاج الى عمل حتى يكون مضطرا للظهور في شهر رمضان الكريم على هذا النحو الذي ظهر به·
الكلام في هذا الجانب كثير وكثير، وقد يتشعب أكثر وأكثر بحجم الإشكالية التي أثارها العمل نفسه على مستوى الرأي العام الجماهيري، وعلى مستوى ما تناقلته وكتبته الأقلام النقدية في الصحافة المحلية·
وهنا نهمس في أذن داوود حسين ونقول له بصوت عال: أن تبقى حاضرا في الذاكرة الفنية والجماهيرية والتاريخية وأنت غائب عن الشاشة·· أكثر نفعا لك من أن تكون غائبا عن الذاكرة، بل ملغيا منها، وأنت حاضر في الشاشة· فليس شرطا أن نراك في كل رمضان ما لم تكن تملك تجربة فنية ناضجة وجديدة، وليس شرطا أن نراك في كل مناسبة وأنت غير جاهز بإضافة جديدة، وليس شرطا أن تكون جزءا من الخريطة البرامجية الرمضانية وأنت غير مهيأ لذلك··· وأن تكون في قلوبنا كم عهدناك، خير لك من أن تكون على رؤوس أقلامنا وألسنتنا· وتذكر أن كل شعوب الدنيا تعتز بإرثها، وتاريخها، وممتلكاتها، وثقافتها· فلا خير في فن يؤسس البغضاء بين الناس، ولا خير في كوميديا نضحك عليها وعلى أصحابها أكثر مما تضحكنا، وتدخل السعادة في وجداننا··· واعلم جيدا أن النجومية إذا انكسرت فلا يصلحها عطر العطارين· ولا تنفعها عبقرية المنتجين·
fonon@taleea.com