
بخلاف الاتفاق الذي تم الإعلان عنه في 6 يناير الماضي حول تقاسم الثروة وكذلك عائدات البترول بحيث يتم تخصيص %50 منها للجنوب ومثلها للشمال، فلم تشهد مفاوضات الأزمة السودانية تقدما كبيرا منذ توقيع اتفاق الترتيبات الأمنية في نهاية جولة نيفاشا الأولى في 25 سبتمبر من العام الماضي، وكان هذا الاتفاق قد أثار التفاؤل والأمل باقتراب الوصول الى اتفاق نهائي للأزمة السودانية بين الطرفين المتحاربين على أساس أنه قد أزاح من طريق التسوية واحدة من أهم العقبات التي كانت تثيرها الحركة الشعبية والمتمثلة في إصرارها على الحفاظ على قواتها وعتادها العسكري تحت سيطرتها خلال المرحلة الانتقالية حتى يتم إجراء الاستفتاء على حق تقرير المصير·
وانعقدت الجولة الثانية من مفاوضات نيفاشا في الفترة من 5-26 أكتوبر 2003 ولم تستطع أن تنجز شيئا ذا بال وظلت القضايا الرئيسية العالقة كما هي دون إحراز تقدم يذكر وجرى ترحيلها الى جولة نيفاشا الثالثة التي بدأت في 6 ديسمبر الماضي وكان مقررا لها أن تنتهي بالتوقيع على الاتفاق الإطاري في 19 ديسمبر لكي يتم التوقيع على الاتفاقات النهائية قبل نهاية العام إلا أن الصعوبات الجمة التي واجهت المفاوضات حالت دون الالتزام بهذا السقف الزمني·
وتأتي المفاوضات الجارية الآن وسط ضغوط ومطالبة بالإسراع في تحديد اتفاق نهائي، ويرى المراقبون أن هناك بعض الملاحظات التي قد تعين على فهم الآليات العامة لهذه المرحلة من المفاوضات وهي:
1 - رغم الأجواء الإيجابية في الداخل الناتجة عن الرغبة الشعبية العارمة في إغلاق ملف الحرب والتوصل الى تسوية إلا أن كلا طرفي التفاوض بدا وكأنه في سباق محموم لجمع المزيد من الأوراق التي قد تعمل لصالحه على طاولة الحل النهائي، فجرى الإعلان عن لقاء رباعي في باريس يجمع بين المؤتمر الشعبي الذي يقوده الترابي وكل من الميرغني والمهدي وجون قرنق إلا أن بعض التقارير أشارت الى تحفظ واشنطن على هذا اللقاء خشية من عودة أسهم الترابي الى الارتفاع من جديد، الأمر الذي أفشل هذا اللقاء، في المقابل أفلحت جهود نظام الإنقاذ في توقيع >اتفاق جدة< مع الميرغني بصفته رئيسا للتجمع الوطني الديمقراطي المعارض، إلا أن هذا الدعم الذي حصلت عليه الخرطوم تعرض للانتكاس بعد فشل مفاوضات >نجماينا< مع مقاتلي دارفور·
2 - إن الضغوط العنيفة من الولايات المتحدة وتحديد سقف زمني لانتهاء عملية التفاوض لأسباب تتعلق برغبة الإدارة الأمريكية في تحقيق إنجازات سياسية في عام الانتخابات الرئاسية الأمريكية، خلقت أجواء من التوتر والارتباك ما جعل طرفي التفاوض يلجؤون الى تحاشي الملفات ذات الصعوبة واتباع تكتيك تفاوضي يقضي بالتركيز على الملفات التي تبدو أكثر سهولة مثل قسمة الثروة إلا أن ذلك لم يفلح في الوصول الى إنجاز سريع بسبب الفجوة الضخمة بين مواقف الطرفين مما أدى الى تعثر الحوار وانقطاعه أكثر من مرة·
3 - إن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على طرفي التفاوض تبدو في بعض الأحيان غير متوازنة رغم تظاهرها بأنها تترك التفاصيل للطرفين المتفاوضين حيث إن ما يهم الإدارة الأمريكية هو التوقيع على الاتفاق أكثر مما يهمها محتواه، وهذه النقطة يستغلها جون قرنق الى أبعد مدى ممكن من خلال التعنت والتشدد·
4 - هناك إحساس عاما لدى الكثير من المراقبين وكذلك لدى الكثير من القوى السياسية السودانية نفسها بأن الاستعجال في التوقيع على الاتفاق النهائي أو حتى مجرد اتفاقات إطارية للقضايا المطروحة في ظل الضغوط والتدخلات الخارجية قد يؤدي الى التوصل الى نصوص غائمة مليئة بالثغرات لا تتسم بالتوازن ولا تعبر عن الإرادة·