
· كثيرون يخشون أن تكون الانتخابات العراقية شرارة لاشتعال حرب أهلية
· الأمريكيون يميزون بين المتطرفين والأحزاب الإسلامية
· عاكف: لا مانع من انتخاب مسيحي أو امرأة لرئاسة الجمهورية
· إدارة بوش أقرت بقوة الأحزاب الدينية وهزيمة العلمانيين في العراق
بقلم: ميغان ستاك وتايلور مارشال:
حين خرج العراقيون بأعداد كبيرة للإدلاء بأصواتهم للانتخابات التشريعية الأخيرة، أعلنت إدارة بوش أنها حققت نصرا ديمقراطيا في منطقة ترزح تحت عبء الفساد والمحسوبية والدكتاتورية منذ عقود·
ولكن نتيجة هذه الانتخابات قد لا تكون كما كان في بال إدارة بوش حين أطاحت القوات الأمريكية صدام حسين في شهر أبريل 2003· فقد هيمن رجال الدين على الانتخابات العراقية وسوف يضم البرلمان العراقي المقبل عددا كبيرا من الإسلاميين الذين يرتبط الكثيرون منهم بملالي طهران·
ففي الانتخابات التي جرت مؤخرا في العراق وعدد من دول المنطقة، استغلت الأحزاب الإسلامية بمهارة، الحريات السياسية الجديدة لكسب النفوذ والشرعية بشكل لم يسبق له مثيل في الشرق الأوسط· فالقوة المتنامية للأحزاب الدينية تمثل العنصر الذي لم تتوقعه إدارة بوش لدى طرح الرؤية الأوسع لاستبدال الطغاة بالديمقراطية·
فالأحزاب الإسلامية من التحالف العراقي الموحد الذي يهيمن عليه الشيعة في العراق أو حزب الله في لبنان أو حركة حماس في فلسطين أو حركة الإخوان المسلمين في مصر، كلها حققت فوائد لها في مشروع إدارة بوش لدفع الديمقراطية في المنطقة، ولكن الإسلاميين اكتسبوا مزيدا من القوة أيضا من معارضتهم الواسعة للسياسات الأمريكية، التي أقنعت بعض المسلمين بأن دينهم يتعرض للهجوم·
ويقول الكاتب المصري الليبرالي وشقيق مؤسس جماعة الإخوان المسلمين جمال البنا إن "السياسة الأمريكية أسهمت بشكل مباشر في صعود الإسلاميين، فالتدخل الأمريكي في العراق ودعم السياسات الإسرائيلية يؤديان إلى تنامي الاستياء في المنطقة· ويستفيد الإسلاميون كثيرا من هذا الاستياء"· ويقر المسؤولون الأمريكيون في مجالسهم الخاصة بأنهم يشعرون بالقلق من درجة المشاعر المناهضة للولايات المتحدة في المنطقة والقوة التي أعطتها هذه المشاعر للإسلاميين في صناديق الاقتراع، لكنهم يصرون على أن بالإمكان احتواء خطر أيديولوجية التطرف·
عقبات في الطريق
ويضيف مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية باري لوينكرون مخاطر مجيء حكومات متطرفة - إسلامية كانت أم غير إسلامية - بأنها "عقبات في الطريق"· وعدد في مقابلة أجريت معه مؤخرا، الخطوات اللازم اتخاذها لتشجيع الأحزاب العلمانية في العالم العربي على المنافسة- ومنها رفع الأحكام العرفية وتوسيع حرية الصحافة والسماح بحق المجتمع، إضافة إلى إجراءات أخرى لضمان سماع مختلف الأصوات·
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن إدارته تميز بين "المتطرفين" والأحزاب الإسلامية·
ومع ذلك، فإن الأحزاب الإسلامية تمثل مأزقا للولايات المتحدة· فعلى الرغم من أن واشنطن ظلت - تاريخيا - تبقي على مسافة بيينها وبين الإسلاميين، إلا أن التأييد الشعبي الواسع الذي تحظى به الأحزاب الإسلامية الآن، يجعل من الصعب على أي مدافع عن الديمقراطية، أن يتجاهلها·
لقد أثبتت الأحزاب الإسلامية في شتى أرجاء العالم المنطلقة قدرة كبيرة على الاستفادة من الانفتاح الديمقراطي· فهي تتمتع بحرية العمل انطلاقا من المساجد التي تعتبر في الواقع، المساحات الوحيدة التي يمكن فيها مناقشة القضايا السياسية علانية في العالم العربي· كما أن شعاراتهم تمس المشاعر الإسلامية بعمق، إضافة إلى أن إرث العمل الاجتماعي والخيري يمنحهم المصداقية في الشارع·
وبرع الإسلاميون في التأقلم مع الظروف الراهنة والتماهي مع المزاج العام، فقد توقف الكثير من السياسيين الإسلاميين عن الدعوة لإقامة الجمهوريات الإسلامية وأصبحوا بقدرة قادر، من دعاة الديمقراطية!
فقد أكد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر "إننا نؤمن بالديمقراطية ونترك الحكم لصناديق الاقتراع لتحدد من يحكم ومن لا يحكم، ولا نؤمن بأية وسائل أخرى للسيطرة على السلطة· فكيف أكون مسلما وألغي الحريات؟ هذا هراء"·
ولكن العديد من المجموعات الإسلامية تقصد الإبقاء على مواقف ملتبسة إزاء كيفية تعزيز قوتها الجديدة· ويعتقد بعض المحللين أنه إذا شعر الإسلاميون أنهم أقوياء بما يكفي، فسوف يسعون إلى حجب الحقوق عن غير المسلمين وعن المرأة، إضافة إلى تقليص العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو تطبيق صيغة متشددة من الشريعة الإسلامية·
وباختصار، فإن ثمة مخاوف حقيقية من أن يستغل الإسلاميون الانفتاح الديمقراطي للصعود تدريجيا إلى السلطة ومن ثم إلغاء الحريات التي أوصلتهم إلى سدة الحكم·
ويرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عماد جاد أنه "واثق من أن الإخوان المسلمين سيطبقون نمطا قديما من الشريعة الإسلامية وأنهم سوف يعاملون الأقباط كمواطنين من الدرجة الثانية وأنهم سوف يتمسكون بمقاعدهم في الحكم إذا وصلوا إليها· إنهم يطرحون كل هذه الشعارات المعتدلة كي لا يثيرون المخاوف منهم، ولا سيما في الغرب"·
ويعتقد محللون آخرون أنه لا داعي للخوف من الإسلاميين· ويجادلون بأن الإخوان المسلمين الذين صدموا مصر بحصولهم على 20 في المئة من الأصوات في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بدأوا يتحولون إلى منظمة أكثر اعتدالا كلما كسبوا مزيدا من السلطة السياسية·
قواعد اللعبة
وأقر مسؤول بارز في إدارة بوش "إننا إذا كنا صادقين في هذا الأمر، فعلينا الاعتراف أن هناك متسعا لدخول الأحزاب الإسلامية معترك الحياة السياسية"· وأضاف هذا المسؤول الذي رفض الكشف عن اسمه يقول السؤال هو: هل هذه الأحزاب ملتزمة بقواعد اللعبة؟ هذا هو المهم، وعليهم التطور بهذا الاتجاه·
وهناك أدلة على أن الأحزاب الإسلامية تفعل ذلك الآن· فقد رشحت حركتا حماس والإخوان المسلمون اللتان تربطهما صلات تاريخية، نساء على قوائمها للانتخابات الأخيرة في مصر وفلسطين· وأقامت كلتا الحركتين تحالفات سياسية مع مسيحيين· وقدم مرشد الإخوان مؤخرا تنازلا مذهلا حين قال إن بإمكان المسيحي أو امرأة تولي الرئاسة في مصر إذا كان ذلك قد تم بطريق الانتخاب·
وأشار الخبير الفلسطيني المرموق في مجال استطلاعات الرأي خليل الشقاقي إلى أن "حركة حماس بدأت تتبنى مواقف أكثر اعتدالا حيال قضايا تتصل بالنظام السياسي، ووجهات نظر أكثر ليبرالية تجاه المرأة وتجاه عملية السلام· وستكون حماس حركة مختلفة تماما بعد أربع سنوات من الآن"·
مؤلف كتاب "الإخوان في حالة تغير" حسام تمام، يعتقد أن دخول الإخوان المسلمين إلى الحلبة السياسية "جاء على حساب هويتهم"· ويقارن تمام البرنامج السياسي الراهن للإخوان الذي يدعو إلى السوق الحرة ولا يعترض على إقامة علاقات مع الولايات المتحدة، ببرامج الأحزاب المسيحية في أوروبا·
ويضيف تمام: "إنس الدولة الإسلامية أو الخلافة أو ما شابه، فكلما انخرط الإخوان "المسلمون" بالعمل السياسي، كلما حاولوا العمل وفقا لقواعد اللعبة السياسية"·
وإن حقيقة الاختلاف الشاسع في رؤى المحللين السياسيين للأحزاب الإسلامية تعني أن نوايا هذه الأحزاب تظل غامضة·
وفي الوقت الذي يرى الكثير من العرب أن السياسة الأمريكية
تقوم على العديد من التناقضات، إلا أن الدعم الأمريكي ظل ثابتا - مثلا - للمملكة العربية السعودية التي تعتبر نموذجا للدولة الإسلامية·
نهج مختلف
بمعنى آخر، يرى المنتقدون للسياسة الأمريكية أن واشنطن تقبل القمع الديني من حكومات إسلامية صديقة، وفي الوقت ذاته تستشهد بمخاطر القمع المماثل لتبرير رفض التعاطي مع المجموعات الإسلامية المعارضة التي تمثل خطرا سياسيا على حكومات صديقة أخرى· ويقول المسؤولون في إدارة بوش إن اختلاف التاريخ والتركيبة لكل دولة من دول المنطقة يستدعي نهجا مختلفا للتعامل مع كل دولة·
وحين يتعلق الأمر بالعراق، فإن إدارة بوش لا تحتمل التعامل بعدم ارتياح مع قادة الحركات الإسلامية·
ففي محاولاتها الدؤوبة لتشكيل حكومة عراقية جديدة من رحم دمار الحرب، من الواضح أن إدارة بوش تفضل التعامل مع زعماء مثل إياد علاوي، الشيعي العلماني· ومع ذلك، رضخت للقبول بالحقائق السياسية وأقرت بالوضع القوي للأحزاب السياسية القائمة على أساس الدين في معسكر الشيعة والسنة على السواء·
لقد أثارت الأحزاب الشيعية المخاوف حين أعلنت عن عزمها تطبيق الشريعة حال تشكيل الحكومة الجديدة·
ويبدي نشطاء حقوق المرأة معارضتهم لمرسوم جديد يمنح
رجال الدين السلطة - وحدهم - على قضايا القانون المدني كالزواج والطلاق والميراث· وفي أثناء المفاوضات لكتابة الدستور الجديد في العراق، سعى المتشددون لجعل الشريعة الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع·
ولكن بعض الآراء الأمريكية المؤثرة تنظر بحذر إزاء احتمال تطبيق الشريعة الإسلامية في العراق· فمثلا قال عضو الكونغرس الديمقراطي جوزيف بايدن في أثناء زيارته لمدينة الحلة في يوم الانتخابات "إن هذا ليس من شأننا"·
بعض المحللين يعتبر العراق نموذجا للعيوب المثيرة للاضطراب في الدعوة الأمريكية للديمقراطية· فقد هيمن رجل الدين الشيعي آية الله علي السيستاني على الجدول الانتخابي· كما أن العملية الانتخابية عملت على تأجيج النزاعات الطائفية والاثنية·
وفي ظل ضيق الوقت أمام بناء مؤسسات ديمقراطية، يخشى كثيرون أن تكون الانتخابات شرارة لاشتعال الحرب الأهلية·
ويرى زبيغنيو برجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر أن "تطوير الديمقراطية عملية بالغة الدقة ولا يمكن ضغطها"·
ومع ذلك، لا يبدو أن أيا من هذه "العراقيل في الطريق" قد أدى إلى فتور حماس إدارة بوش لتطبيق رؤية الرئيس·
وترى الإدارة أن الكثير قد تحقق على هذا الصعيد منذ إطلاق الرئيس مبادرته قبل أقل من عام· وتستشهد دينا باول المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية على ذلك بالانتخابات الفلسطينية وانسحاب القوات السورية من لبنان وقرار منح المرأة حقوقها السياسية في الكويت·
وتضيف باول "أعتقد أننا بحاجة للحديث عن الحرية والديمقراطية، فأنا أعرف أن لذلك أهميته وصداه، ونحن نلحظ ذلك في المنطقة· ولكن علينا أن نفعل ذلك بطريقة تحترم سيادة وإرادة الشعوب في الشرق الأوسط·
" عن لوس أنجلوس تايمز "