رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الاربعاء 4 ذي الحجة 1426 هـ . 4 يناير 2006
العدد 1710

عرض لما طرحه الرئيس الإيراني حول فكرة زوال إسرائيل وردود الفعل التي صاحبت ذلك
ليس دفاعاً عن الرئيس الإيراني··· بل عرض لحقائق موضوعية
إمكانية انهيار وزوال دولة إسرائيل بين الأحلام والوقائع

                                                                      

 

 

·         يقول شارون: دعوة الرئيس الإيراني إلى شطب إسرائيل من الخريطة تعبر كثيراً عما يريده الكثيرون في المنطقة ويخشون قوله علناً

·         كان من الأولى بمن انتقدوا تصريحات الرئيس الإيراني قراءة نص ما قاله وخلفياته ثم الحكم عليه

·         إن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بقرار تقسيم فلسطين لا يعدو كونه مجرد توصية، وليس له أي سند قانوني ملزم لأي من الدول الأعضاء

·         يقول أحد المفكرين الإسرائيليين: "إن إسرائيل قد دخلت في قلب صراع لا أمل فيه وسوف يؤدي إلى نهايتها"

·         إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس "من يجرؤ على الحديث عن زوال دولة إسرائيل؟" بل: "لماذا لا يحاسب من محا دولة فلسطين من خريطة العالم وأقام بالحيلة والقوة دولة إسرائيل مكانها؟"

·         تطالب حركة "ناطوري" الصهيونية بتفكيك دولة إسرائيل سلمياً

 

                                                                            

 

دراسة من إعداد: عبدالله عيسى الموسوي

باحث في الصراع العربي - الإسرائيلي

هل يمكن أن تنهار دولة إسرائيل ؟ وهل تتحقق أحلام قطاع كبير من العرب والمسلمين بأن يشهدوا يوما زوالها من الوجود ؟ أم أن هذه مجرد أحلام وأمنيات لا أساس لها من الصحة، حيث إن المنطق والواقع يقولان عكس ذلك خصوصاً في ظل الاندفاع العربي المحموم للتطبيع مع دولة إسرائيل وتراجع أهمية القضية الفلسطينية على الأجندة السياسية للعديد من هذه الدول ؟!!·

الأمر الرئيسي الذي دفعني لإعداد هذه الدراسة تصريحات الرئيس الإيراني المنتخب مؤخراً (محمود أحمدي نجاد) التي دعا فيها لضرورة زوال إسرائيل من خريطة العالم وما صاحب ذلك من ردود فعل ما زالت أصداؤها مدوية حتى اليوم·

وسوف تنقسم الدراسة الموجزة إلى أربعة أقسام وهي :

- عرض لما طرحه الرئيس الإيراني حول فكرة زوال إسرائيل وردود الفعل التي صاحبت ذلك·

- رؤية القانون الدولي المحايد لنشأة إسرائيل والشبهات التي صاحبت ذلك·

- عرض لآراء مفكرين إسرائيليين وغربيين حول واقعية أطروحة انهيار إسرائيل وزوالها·

- الوضع الداخلي في إسرائيل بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية·

وكلي أمل أن أتناول هذا الموضوع الخطير والحساس في الوقت نفسه بكل موضوعية وتجرد خصوصاً وأن اعتمادي الأساسي على المصادر والأرقام والإحصاءات والتصريحات الإسرائيلية والغربية·

في 26/10/2005م ألقى الرئيس الإيراني (محمود أحمدي نجاد) خطاباً في مؤتمر (عالم بلا صهيونية) الذي أقيم في طهران بمناسبة الاحتفال بيوم القدس العالمي حيث جاء في الخطاب: (إلى الذين تساورهم الشكوك أو يتساءلون عما إذا كان ممكناً، وإلى الذين لا يصدقون أقول : إن عالماً من دون أمريكا وإسرائيل ممكن ومعقول·

إن الإمام الخميني أعلن أن نظام الشاه غير الشرعي يجب أن يزول، فزال، ثم قال إن الإمبراطورية السوفياتيه ستختفي، وحدث هذا، وقال أيضاً إن رجلاً شريراً مثل صدام يجب أن يُعاقب، ونرى الآن أنه يحاكم في بلاده· والإمام قال أيضاً إن إسرائيل يجب أن تمحى عن خريطة العالم وبمساعدة الله سنرى عالماً من دون أمريكا وإسرائيل)·

هذا التصريح، وإن كان يمثل استراتجية إيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني عام 1979م إلا أن ردود الفعل التي صاحبته كانت أكبر من المتوقع· ويمكن إيجاز خلاصة المواقف بالتالي:

- اندفاع محموم من العديد من الكتاب العرب والإسلاميين لانتقاد التصريح كونه يضر بالمصالح الإيرانية العليا ويعطي الولايات المتحدة وإسرائيل ذريعة للقيام بعمل عسكري أو فرض عقوبات اقتصادية ضد إيران·

- دعوة حكومة إسرائيل المجتمع الدولي للتصدي لما اعتبرته (الهجوم الإيراني) عليها ووصل الأمر لتقديم المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة لطلب طرد إيران من المنظومة الدولية· وإن جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي (شارون) الذي أدلى بها في 1/11/2005م أمام الكنيست لتعكس حقيقة مهمة حيث قال: (دعوة الرئيس الإيراني إلى شطب إسرائيل من الخريطة تعبر كثيراً عما يريده الكثيرون في المنطقة ويخشون قوله علناً·

إن الدعوة الإيرانية لإبادة إسرائيل خطيرة وتدل كم أن هذا النظام خطير على البشرية لكن لا يقل عن ذلك خطراً هو وجود عرب كثيرين يفكرون في الأمر بطريقة الرئيس نفسها ولكنهم لا يفصحون عما يجول بخاطرهم· فمنهم أيضاً من يريد إبادتنا، بل يشجعون الإرهاب ضدنا أو يمارسونه بشكل يومي من أجل إبادتنا)·   

- ارتفاع وتيرة الانتقادات الدولية للموقف الإيراني خصوصاً من جانب المجموعة الأوروبية التي وجدت الأمر فرصة مناسبة لإظهار تضامنها مع إسرائيل وحليفها الأكبر الولايات المتحدة·

كلمات الرئيس الإيراني - التقليدية حسب الرؤية الإيرانية - أقامت الدنيا ولم تقعدها، لكن الصواريخ التي تطلق بصورة يومية على المدن الفلسطينية وسياسة الاغتيال والقتل العشوائي والتعذيب الدموي وإقامة جدار الفصل العنصري المخالف للقانون الدولي· كل هذا لم يقم الدنيا ولم يقعدها ولم يكلف أحد الكتاب - وأخص العرب والمسلمين الذين انتقدوا الرئيس نجاد - نفسه الإدانة بها واعتبارها جرائم حرب تستحق الدولة التي تقوم بها أن تطرد من الأمم المتحدة وان تفرض عليها العقوبات الاقتصادية وإن لزم الأمر تتخذ بحقها تدابير عسكرية لمنعها من التمادي في مخالفة القوانين الدولية·  

إن السؤال الذي يفرض نفسه ليس (من يجرؤ على الحديث عن زوال دولة إسرائيل) بل: (لماذا لا يحاسب من محا دولة فلسطين من خريطة العالم وأقام بالحيلة والقوة دولة إسرائيل مكانها؟)·

وفي الأسطر التالية، سوف نتناول بإيجاز القصة الحقيقية لقيام دولة إسرائيل والإشكاليات التي صاحبت إعلانها ومواقف رجال القانون الدولي المحايدين إزاء تقسيم دولة فلسطين وهي القصة المسكوت عنها عن عمد وجهالة·

 

رؤية القانون الدولي المحايد لنشأة

إسرائيل والشبهات التي صاحبت ذلك

 

جاء في دراسة قانونية قيمة للدكتور (هانز كولشر) أستاذ القانون الدولي في جامعة أنسبوك في فيينا أن حق تقرير المصير من الحقوق الثابتة التي تمارسها جميع شعوب العالم من دون تمييز بما فيها الشعب الفلسطيني الذي مارس هذا الحق الطبيعي قبل انهيار النظام العالمي في القرن التاسع عشر أثناء الحرب العالمية الأولى وهو قد عاش شعباً عربياً مستقلاً له حقوقه الثابتة أثناء الحكم العثماني لفلسطين· وتبعاً لما جاء في إحدى مواد ميثاق عصبة الأمم الذي صدر في نهاية الحرب العالمية الأولى، وأثناء انفصال فلسطين عن الإمبراطورية العثمانية، كان ينظر للشعب الفلسطيني على أنه مجتمع يمكن الاعتراف بوجوده كأمة مستقلة·

ويتناقض قانون الانتداب الذي أقرته عصبة الأمم على فلسطين عام 1922م مع نصوص المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم لأنه تضمن في مقدمته، والمواد 2 و4 و6 و7 من المبادئ الأساسية لوعد بلفور· والانتداب البريطاني على فلسطين هو بحد ذاته انتهاك لنص وروح المادة 22 لميثاق عصبة الأمم· والذي تطالب الفقرة الأولى منه بحق الشعوب الواقعة تحت الانتداب بالدخول إلى الحضارة·

وبناء على ذلك، فإن تعيين عصبة الأمم بريطانيا وصية على فلسطين لا يعني إلغاء السيادة الوطنية الفلسطينية· أضف إلى ذلك أن الانتداب على فلسطين مثله مثل الانتداب على سورية والعراق والأردن كان يندرج تحت الفئة (أ) تبعاً لتصنيفات عصبة الأمم· وتختلف هذه الفئة عن الفئتين (ب) و (ج) بكونها تتضمن إمكان منح هذه الدول الاستقلال المبكر·

وعليه، فإنه طبقاً للقانون الدولي آنذاك فإن الوضع القانوني الناجم عن انفصال فلسطين عن الإمبراطورية العثمانية والاعتراف الكامل بشعبها كأمة مستقلة، كان يجب أن يجعل من هذه الدولة دولة متميزة ومستقلة وكانت جميع الفرضيات المتعلقة بالوضع الدولي لفلسطين قد بنيت على مبدأ أن السيادة على الأراضي الواقعة تحت الانتداب تعني السيادة على السكان· وتم التأكيد على هذا المبدأ القانوني في تقرير للأمم المتحدة يتعلق بجذور المشكلة الفلسطينية يعتبر أن السيادة في فلسطين التي صنفت تحت الفئة (أ) حق ثابت لا يحق لسلطة الانتداب أو حتى عصبة الأمم التصرف فيه·

وإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه الحقائق القانونية المتعلقة بمسألة السيادة الفلسطينية منذ نهاية الحكم العثماني، سنجد أن الفلسطينيين حرموا من حقهم في ممارسة السيادة على أرضهم منذ الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن بعد إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 181 في 19/11/1947م الذي أنكرت فيه أهم حق من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، وذلك بتقسيم فلسطين إلى دولتين على أسس عرقية غامضة، وسياسات تمييز واضحة، على ضوء بنود (وعد بلفور)، كما قامت بتضمين

بنود هذا الوعد في وثيقة الانتداب الصادرة عن عصبة الأمم· وتم فرض هيكليات سياسية جديدة على الفلسطينيين من دون أخذ رأيهم بذلك·

ومن الناحية القانونية البحتة، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تمتلك السلطة التي تخولها حرمان الفلسطينيين من سيادتهم على أراضيهم التي منحتها لليهود لإقامة دولتهم· كما لا تتمتع منظمة الأمم المتحدة، سواء كانت ممثلة بالجمعية العامة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو بمحكمة العدل الدولية بأية صفة قانونية تخولها حرمان أي شعب من الشعوب من حقه بالسيادة على أراضيه·

ومن المعلومات التاريخية التي غيبت وسط ضجيج قيام دولة إسرائيل رفض الجمعية العمومية للأمم المتحدة في 24/11/1947م وبفارق صوت واحد، مسودة قرار تقدمت به إحدى اللجان القانونية تطلب فيه استشارة محكمة العدل الدولية بخصوص قرار التقسيم، مما يعني أن القضية الفلسطينية قد حرمت منذ البداية من فرصة الحصول على تقييم قانوني محايد نوعاً ما بخصوص سياسة الأمر الواقع التي فرضتها عليها·

وكان (هانز كيلين) أحد القانونيين البارزين آنذاك قد أوضح طبيعة الإشكال القانوني المتعلق بقرار التقسيم في دراسة قانونية شاملة حول الصلاحيات التي يمنحها ميثاق الأمم المتحدة للجمعية العامة نفسها وقال: (إن تلك الصلاحيات تنحصر في إصدار توصيات فقط· وفيما يتعلق بقرار التقسيم فإن القرار الذي أوجد دولتين في فلسطين لا يعتبر ملزماً لأي من الدول الأعضاء، لأن التوصيات لا تمتلك بطبيعتها صفة الإلزام القانوني)·

وفي دراسة قانونية أخرى للخبير الأمريكي في قانون الأمم المتحدة (سلايد ايجلتون) جاء فيها: (إنه ليس من الصعب على أي دارس لميثاق الأمم المتحدة أن يتأكد من أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلق بقرار تقسيم فلسطين لا يعدو كونه مجرد توصية، وليس له أي سند قانوني ملزم لأي من الدول الأعضاء)·

ويرى الباحث القانوني (كونيسي رايت) أن قرار التقسيم يعتبر خرقاً للقانون الدولي· وجاء في دراسة قانونية أعدها خول هذا الموضوع: (إن قرار تقسيم فلسطين وإقامة دولة إسرائيل بناء على طلب الحركة الصهيونية لا يمكن أن يتوافق مع قوانين الجمعية العامة فالنزاعات المحلية بين الصهيونية والقوات العربية من شأنها أن تحرم الشعوب الواقعة تحت الانتداب من حقوقها الشرعية التي ضمنها صك الانتداب والمادة 80 من ميثاق الأمم المتحدة حيث تؤكد هذه المادة من مواد الميثاق بوضوح أنه فيما يتعلق بالمناطق الواقعة تحت الانتداب، يجب أن لا يتم فهم النصوص المتعلقة بالوصاية بأي حال من الأحوال بشكل يؤدي إلى سلب أي من الحقوق الشرعية لأي من الشعوب أو الدول الواقعة تحت الانتداب· وبذلك تكون الجمعية العامة للأمم المتحدة بإصدارها القرار 181 قد خرقت نصوص ميثاق الأمم المتحدة الذي يشكل الأساس القانوني لأية إجراءات قد تتخذها·

وعليه، فإن إسرائيل تعتبر من الناحية القانونية من خلال احتلالها للأراضي الفلسطينية عامي 48 و 67 م (دولة محتلة بالقوة) وينظر لجميع الإجراءات التي تتخذها على أرض الواقع بأنها باطلة وغير شرعية وأن قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين مجرد توصية بلا سند قانوني·

 

عرض لآراء مفكرين إسرائيليين وغربيين

حول واقعية أطروحة انهيار إسرائيل وزوالها

تعتبر (دولة إسرائيل) الدولة الوحيدة في العالم التي يثار فيها النقاش بصورة دائمة حول (إمكانية استمرار بقائها) و احتمالات (زوالها من الوجود) أو فرضيات (انهيارها من الداخل)·

وفي دراستنا الموجزة هذه  سوف نتناول رؤية مفكرين إسرائيليين لهذه الفرضية· ورؤية مفكر فرنسي يهودي وموقف حركة (ناطوري) اليهودية التي تدعو لزوال دولة إسرائيل من الوجود·

(فان كريفيلد) أحد الخبراء المتميزين في إسرائيل وهو أستاذ في قسم التاريخ في جامعة تل أبيب ومحاضر متخصص بالتاريخ العسكري وعلم الإستراتيجيات·

يقول كريفيلد في مقابلة صحفية من دورية (الأورشاليم الإسرائيلية): (إن لدينا قدرات هائلة، لكننا لا نستطيع استخدام معظمها· حتى لو كان علنا استخدامها، فإن من المشكوك فيه أن تساعد كثيراً· لقد ألقى الأمريكيون ستة ملايين طن من القنابل على فيتنام، ولا أذكر أن هذا قد أفادهم بشي· وقد كنا نمتلك القوة في لبنان ولكننا فررنا من هناك· هذا صراع ينبغي على العاقل ألا يدخل معركته، وعلى من يجد نفسه الآن في أتونه أن يبحث عن طريقة سريعة للخروج· إن إسرائيل قد دخلت في قلب صراع لا أمل فيه، وسوف يؤدي إلى نهايتها)·

أما المفكر الإسرائيلي (ديفيد جروسمان) فقد وصف الوضع الحالي في إسرائيل بأنه (مثير للرعب) وقال في تصريحات صحافية أثارت جدلاً في إسرائيل أن الخوف من الموت الكامن في أية زاوية من زوايا مدن إسرائيل دفع الناس إلى التمعن وراء الشعارات العتيقة التي يطلقها اليمين وإلى العجز عن التفكير أبعد من الخطوة التالية وكأنهم يعيشون كما ودوا فوق القبور·

وأضاف:  (أول سؤال أوجهه لأبنائي عند عودتهم للمنزل: كيف كانت حالة الطريق ؟ وقد كان اثنان من أبنائي يدرسان في المدرسة نفسها في مركز مدينة القدس·· أنا أشعر بقدر من الخجل أن أروي ذلك، لكنه ضروري لرسم الحالة التي نعيش في ظلها· فقد كنا أنا وزوجتي نتلاعب ونخترع الوسائل التي تحول دون صعود كلا الصبيين على الحافلة نفسها التي تحملهما إلى المدرسة· فقد كنا نجعل الأول يستقل حافلة السابعة وثلاث دقائق مثلاً ويستقل الثاني حافلة السابعة وعشرة دقائق· المهم أن لا يستقلا الحافلة نفسها· كنا خائفين· وكان علينا، كما هي الحال بالنسبة للعديد من الإسرائيليين أن ننجز هذه الحسابات الرهيبة· وهذا ما يمكن أن يعطيك صورة للوضع الذي نعيش في ظله)·

أما المفكر الفرنسي الكبير (غي سومان) وهو يهودي الديانة فقد طرح مسألة إمكانية استمرار دولة إسرائيل أو زوالها في كتابه الشهير (أبناء رفاعة) حيث أجاب على أسئلة مفصلية من مثل: هل أذنت نهاية إسرائيل ؟ هل اقتربت نهاية الشعب اليهودي في العالم ؟ هل يمكن إنقاذ التراث اليهودي ؟

وهذه الأسئلة، لم يطرحها من معاد للصهيونية أو عربي متطرف ومتحمس للقضية الفلسطينية بل جاءت على لسان مفكر بارز في فرنسا، تحظى كتاباته وآراؤه باهتمام كبير بالإضافة لكون عدد كبير من أفراد عائلته يعيشون في إسرائيل·   

وقد واجه المؤلف حملة إعلامية مضادة كونه دخل المحظور الذي وصفه بأنه (حقائق يجب أن نواجهها بشجاعة)·

ونختم هذا الجزء من الدراسة بموقف حركة (ناطوري) اليهودية التي تدعو علناً لزوال دولة إسرائيل وتفكيكها من منطلق ديني·

ونقرأ في القانون الأساسي لهذه الحركة - التي بدأت شهرتها تتنامى في العالم -   التالي: 

1 - تأسيس دولة فلسطين محرم بسبب الديانة اليهودية· حيث إنها تتحدى العقاب الموروث للشعب اليهودي وتسعى لتجسيد ما هو فكرة روحية إلى وجود مادي دنيوي·

2 - نحن نؤيد سيادة الفلسطينيين على كامل الأراضي المقدسة (فلسطين التاريخية) بلا قيد أو شرط·

3 - نحن نطالب، وبدون مساومة، بتفكيك دولة إسرائيل سلمياً وبغض النظر عن بقاء اليهود، أو أعدادهم، في حال تفكك إسرائيل، فإنه قرار يعود فقط للفلسطينيين·

4 - الشعب الفلسطيني ضحية الصهيونية الفاقدة للأخلاق التي أنكرت وجودهم· إن للشعب الفلسطيني الحق في أرضه، وفي التعويض عما لحق به من أذى بسبب الصهيونية على مدى أكثر من خمسة عقود· 

5- إن الحل الذي نتبناه _ تفكيك دولة إسرائيل _ هو تقليدي من العهد التوراتي··· سنستمر بالدعاء والصلاة والدعوة لتفكيك إسرائيل حتى يتوقف سفك الدماء العربية والفلسطينية واليهودية· نحن نصلي حتى يدرك الناس أن السلام سيتحقق عندما يعود اليهود لممارسة دينهم وهو عبادة الرب بالمنفى وإقامة ديانة الأخلاق والأمانة·

الوضع الداخلي في إسرائيل بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية·

منذ اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية في عام 2000م وإلى اليوم فإن المجتمع الإسرائيلي يعيش حالة من الرعب سببها قدرة الفلسطينيين على الوصول للعمق الإسرائيلي وتطوير أسلحتهم وتحقيقهم توازن الرعب بين فترة وأخرى·

ولعل من المناسب أن نبين للقارئ الواقع المرعب في المجتمع الإسرائيلي من الصحافة الإسرائيلية وهي الأقدر على نقل الواقع بل وتعتبر الحجة الأنجع كونها صادرة من الإسرائيليين أنفسهم·

فالانتفاضة حسب الصحافة الإسرائيلية ليست هبة موقتة بل هي (حرب استنزاف) أغرقت إسرائيل في (لجة من الدماء) هآرتس 1/2/2002م، وأدخلتها في (دائرة دموية) يديعوت احرونوت 29/1/2002م، لقد تسبب في فيضان (أنهار الدم ) هآرتس 8/2/2002م، كما أدت إلى الغوص في مياه راكدة، وإلى الغرق في المستنقع)·

وقد وصف أحد الكتاب الإسرائيليين الموقف بهذه العبارة الدالة: (صغيرة هي المسافة بين الخوف والذعر، والجمهور الإسرائيلي يعيش بين هذا وذاك) معاريف 10/2/2002م·

وقد أثارت رسالة نشرها جندي إسرائيلي على الإنترنت في29/8/2001م الهلع بين الإسرائيليين حيث جاء فيها: (أخاف من الموت، بلا سبب كالأبله على الرمال النتنة المسماة غزة·· لا أعرف أن أطير عندما يطلقون علي النار عدت من الانتفاضة الأولى، ومن حرب لبنان، ومن الانتفاضة الثانية·· عدت بحالة جيدة، بمحض المصادفة···أشعر بأن هؤلاء الجالسين في أبراجهم العاجية لا يتابعون إطلاقاً ما يحصل لي ولكتيبتي وربما لنا جميعاً··· إني أخاف من الموت كالأبله)·

وقد رسم الكاتب الإسرائيلي الصورة الحقيقة في المجتمع الإسرائيلي في مقال نشرته (يديعوت احرونوت) في 2/4/2002م حيث قال: (هذه أيام عصيبة للمواطن العادي· أيام مجنونة· لم يسبق لبيت إن كان محصناً مثل هذه الأيام· البيت هو الحصن· إنه غرفة عمليات· مع الهواتف، التلفزيون، والتأكد من أن الجميع على قيد الحياة· الوسادة هي كيس رمل· الغطاء هو سور أسمنتي· رائحة الربيع تطرق النوافذ رائحة البرتقال، رائحة الياسمين، ولكن الأيدي خاوية والأرجل ثقيلة لا تقوى على الخروج)·

وهذه الأجواء التي وصفها الكاتب، منتشرة إلى اليوم في المدن الإسرائيلية التي تطالها صواريخ (القسام) وهي صواريخ بدائية استطاع تطويرها مهندسو حركات المقاومة وهي بالرغم من عدم خطورتها العسكرية الكبيرة إلا أنها تدخل الرعب في قلوب سكان المدن·

كما قدرت إحصاءات الجيش الإسرائيلي إصابة أكثر من 6700 جندي وضابط بأمراض نفسية نتيجة حالة الرعب التي أصابتهم بسبب المواجهة اليومية _ وجهاً لوجه _ مع أناس يعشقون الموت كما جاء على لسان أكثر من مسؤول بالجيش الإسرائيلي·     

ولحل هذه المشكلة، تم إنشاء قرية (إيزون السرية) وهي مخصصة لمعالجة الحالات النفسية لدى الجنود خصوصاً أولئك الذين خدموا كمجندين في الجيش ثم عادوا لمنازلهم وأعمالهم ليكتشفوا _ هم أو أهاليهم _ بأنهم أصيبوا بأمراض العدوانية أو الاكتئاب أو الهلوسة وغيرها من الأمراض النفسية والعصبية بعد أن عاشوا الرعب لمدة ثلاث سنوات هي فترة التجنيد الإلزامي·

كما تحدثت عشرات التقارير عن ارتفاع حالة الهجرة لخارج دولة إسرائيل خلال فترة الانتفاضة لتصل لنحو مليون مهاجر أغلبهم برر سبب هجرته بانعدام الأمن وانهيار الاقتصاد والمخاوف من تفكيك الدولة أو انهيارها بعد مجموعة من الضربات الموجعة التي قد تصيب دولتهم في مقتل· 

بالإضافة إلى ذلك، فقد قتل أثناء الانتفاضة أكثر من 1500 إسرائيلي وجرح قرابة 5000 شخص _ حسب الإحصاءات الرسمية ال+إسرائيلية حيث وللمرة الأولى في تاريخ الصراع العربي _ الإسرائيلي تتحقق نسبة 1: 3 بالنسبة للقتلى وهي التي كانت في أفضل الأحوال لا تتجاوز8 : 1

الخلاصة

هل يمكن أن تزول دولة إسرائيل كما قال الرئيس الإيراني مؤخراً ؟

سؤال الزوال _ واستنادا على ما سبق _ ليس جديداً، فلهشاشة دولة إسرائيل طرحه قادتها عند أول هزيمة لحقت بالدولة في أكتوبر 1973م ومن يقرأ ما كتبته (غولدا مائيير) رئيسة الوزراء الإسرائيلية آنذاك يدرك أنه كان هناك إحساس حقيقي بأن كل ما تم بناؤه على امتداد 75 عاماً منذ مؤتمر بازل الأول وحتى حرب أكتوبر تعرض للهدم في الأيام الأولى للحرب، ولم يسترد الصهاينة ثقتهم بأنفسهم إلا بعد أن وضعت أميركا بكل ثقلها في المعركة لصالح إسرائيل وغيرت موازين القوى ليتحول المهزوم إلى منتصر يستطيع الوقوف على قدميه مجدداً· 

ويرى كثيرون أن إسرائيل تسير على طريق الانتحار (منذ أمد بعيد وإنها كانت تحمل بذرة فنائها منذ يوم نشأتها، ورأى (ناثان فانتيسوك) الكاتب الفرنسي الذي كان صهيونياً ثم تحول إن إسرائيل تركض من نصر إلى نصر نحو خرابها·

وفي الأيام الأولى لقيام الدولة، قال أحد العلمانيين الصهاينة: (لم أؤمن يوماً بما تحتويه التوراة من افتراءات تدعم حقنا في فلسطين ولكني بعد قيام إسرائيل أيقنت أن نهايتها قريبة)·

حسب قناعتي إن إسرائيل منذ زرعها في قلب فلسطين فإنها تحمل بذور فنائها· وهذه البذور هي الممارسات اللاإنسانية وغير القانونية التي تمارسها بحق أبناء الشعب الفلسطيني بصورة يومية منذ نشأتها عام 1948م إلى اليوم·

وعليه، فإن تصريحات الرئيس الإيراني لا تخرج عن هذا الإطار كونها تشكل منطقاً يفرض نفسه وهو منطق يؤمن به العديد من الإسرائيليين والغربيين ولكن تم تضخيم تصريحات الرئيس الإيراني للاستفادة منها إعلامياً ولتجييرها في الحرب النفسية على الجمهورية الإسلامية في إيران خصوصاً فيما يتعلق بعدائها المطلق لإسرائيل واعتبارها (غدة سرطانية) يجب أن تُستأصل من قلب العالم العربي وكون إيران ماضية اليوم في مشروعها النووي السلمي وهو المشروع الذي تعارضه أمريكا وإسرائيل·

ولعل أفضل خلاصة لدراستنا عرض ما قاله الرئيس الفرنسي السابق (شارل ديغول) وكان أحد الأصدقاء المقربين من إسرائيل

ولكنه كان صريحاً في رسالته التي بعثها لأول رئيس وزراء إسرائيلي( ديفيد بن غوريون) التي قال فيها: (إن المجتمع الإسرائيلي عدواني ودموي، وبسبب هذه السياسة والإستراتجية سوف يندثر بمرور الزمن)·

طباعة