
إسماعيل فهد إسماعيل لم يعد بحاجة للتعريف، فقد استنفدت التعريف به مئات الصفحات وعدد من الكتب، بالإضافة إلى انتشار رواياته ودراساته على مساحة الأدب العربي المعاصر، وإذا كان لابد من تعريف إضافي فسيكون حول تجاربه التي لم تسجل بعد، ومثال ذلك هذه التجربة الطويلة نسبياً مع المؤسسة الثقافية ونعني بها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، المثقف والمؤسسة ربما هو العنوان الأكثر تعبيراً والأكثر جدوى·
اعتدنا أن يدور الحديث عن علاقة المثقف بالمؤسسة في الدواوين، وبين الخلصاء، وإن تناثر شيء ما جاء في سياق تعليق أو رد على سؤال، مختصر غير مفيد·
هنا شيء أوسع وأكثر صراحة ووضوحاً، لكي لا يظل الخفي خفياً، ولا الواضح دون المعنى والجدوى، في حوار "الطليعة" مع المثقف وتجربته·
· اقتربت من المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعشت تجربة هي تجربة مثقف مع المجلس لا تجربة، موظف، والفرق واضح بالتأكيد، ما نود معرفته هو تقييمك لهذه التجربة؟
- في السنوات الأولى لإنشاء المجلس الوطني وتشكيل لجانه الأساسية لم أكن موجودا في الكويت بشكل دائم، كنت في طور الدراسة، وطور الدورات التدريبية وتشكيلاته حتى طلب مني نسخاً من مؤلفاتي، فكان أول اتصال بيني وبينه، وفوجئت آنذاك بأن المجلس اقتنى نسخاً من رواياتي· 500 نسخة من كل رواية، مع مكافأة رمزية تعتبر عالية في وقتها·
بالطبع، وقبل هذا، كانت لي علاقة شخصية وطيدة بالمرحوم أحمد العدواني، وعلاقة من نوع ما بالأستاذ عبدالعزيز حسين بحكم مهماتي في الوزارة، وكانت لي علاقة مع الرعيل الأول في المجلس مثل د· خليفة الوقيان وعبدالعزيز السريع·
· أسأل عن مدى استفادتك من هذا الاحتكاك الأول بالمؤسسة وليس بالأشخاص؟
- الاستفادة ذات الأهمية والأولوية أن هذا الاحتكاك أعطاني فرصة تفرغ لمدة ستة أسهر سنوياً للتأليف، كنت في وزارة التربية، ولكن المجلس كان يمنحني تفرغاً، فكان يطلب مني تأليف كتاب بعد تقديم فكرة وليس كما هي الحال الآن، كان يكفي أن أقول أن لدي رواية أرغب بإكمالها، فأستفيد من منحة الستة أشهر بالإضافة الى الإجازة السنوية·
· وبعد فترة التفرغ كان عليك تقديم نتاج ما؟
- دائما كانت لدي منتجات جاهزة، ولكنهم لم يكونوا يطلبون إلا أنه كان عليّ أن أقدم مخطوطة حين أطلب فترة تفرغ ثانية، وظلت الحال هكذا في السبعينات والثمانينات، ثم تطورت علاقتي مع إنشاء اللجان الخاصة بتشجيع الأدب الكويتي والمؤلف الكويتي وباقتناء الكتب، فنشأت لجنة خاصة برئاسة خالد سعود الزيد، ورشحت للعمل عضواً فيها، وعملت في اللجنة منذ منتصف الثمانينات حتى منتصف التسعينات، مهمة اللجنة كانت الاطلاع على النتاج المحلي أو النتاج المكتوب عن الكويت بهدف دعمه إما بشراء نسخ أو تقديم دعم مالي، وأحياناً كان من مهمات اللجنة التقييم، فكان المرحوم خالد سعود الزيد يعتمد عليّ في ما يتعلق بالأعمال الأدبية من قصة ومسرح أو في ما يتعلق بالكويت·
· وأنت، هل حظيت بدعم مالي أسوة بالآخرين؟
- المرة الأولى التي احتجت فيها إلى دعم مالي من المجلس لتأليف كتاب كان بمناسبة مشروع سباعية "إحداثيات العزلة"، فكان المشروع فخماً، ووجدت نفسي عاجزاً عن طباعة السباعية، وطلبت الدعم لأن الموضوع خاص بالكويت، يومذاك كان الأمين العام هو د· سليمان العسكري، فطلب مني تقديم مخطوطة الجزء الأول، ثم تم اعتماد الأجزاء السبعة، وتقاضيت عن هذا العمل مبلغاً وصل الى 16 ألف دينار لقاء طباعة الأجزاء السبعة·
الآن أنا عضو في لجنة أخرى، هي لجنة التفرغ ودعم طباعة المؤلفات الكويتية، بالإضافة الى مهمات أخرى مثل المشاركة في لجان التحكيم·
علامات·· ولكن؟
· إنشاء المجلس كان علامة فارقة في المسيرة الثقافية، كيف ترى العلامة الآن؟
- كان للمجلس نوع من الاستقلال الذاتي، ولهذا تميز منذ البداية بارتباطه المباشر بمجلس الوزراء، وباللجان التي تأسست، ثم بالمشاريع التي كرس لها نفسه، ومنها أو أبرزها إصدار الدوريات وسلسلة عالم المعرفة، وكان أمراً مشرفا بالفعل أن يسافر أحدنا ويجد الإشادة بهذا المشروع في كل مكان، وتراكمت إنجازات المشروع مع توالي وتنوع الإصدارات طيلة السنوات الماضية، وتنوع النشاطات إلى معرض الكتاب، ثم مهرجان التعريف، فالجوائز التشجيعية، التي كان أول إعلان لها في العام 1989، وفوجئت يومها بفوزي عن القصة والرواية بروايتي، "النيل الطعم والرائحة"·
· هذا نوع من الوصف العمومي الذي يتوافق عليه الجميع، فماذا لو توقفنا عند بعض جوانب هذه التجربة، تجربتك الشخصية؟
- ألاحظ أولاً، أن المجلس تميز في السنوات الأولى بنوع من الحيوية الملموسة داخل الكويت وخارجها لدى المثقف في الداخل والخارج، ولمس الجميع انفتاح فرص نشر الثقافة بمعناها العميق على مستوى العالم العربي، ووصولها الى القارىء بأسعار مناسبة، بعد ذلك، أرى أن أعمال المجلس تشعبت أكثر فأكثر، وجرى قطع للعلاقة بينه وبين مجلس الوزراء وألحق بوزارة الإعلام، وصار وزير الإعلام هو الرئيس الأعلى، وألحقت به جوانب أخرى، رغم أهميتها، مثل إدارة المسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والتراث والمباني الأثرية، إلا أنها قادت الى تشعب جعل المجلس جهازاً مترامي الأطراف، ضم أحياناً مسؤوليات حرفية وكان يفترض أن يحول هذا التوسع المجلس الى وزارة ثقافة، وفي هذه الحالة تكتسب المسؤولية طابع الاستقلالية لا أن تظل رهناً بشخصية الوزير·
وبدل أن يكون هناك مديرون عامون، يصبح للمجلس أمناء عامون متعددون، ويتخذ عمله طابع الثبات والفاعلية، ويكتسب نوعاً من الاستقلالية، الخاصة بطبيعته·
· معنى هذا أن تعاد هيكلته على شكل وزارة؟
- نعم·· وزارة ثقافة، الآن يمكن أن يستمر هذا التنوع والتشعب على صعيد المسؤوليات، ولكن هذا التضخم الحالي ضمن تبعية لوزارة معينة، وميزانية محددة، يعرقل أعمال المجلس، ويدخله في عمليات روتينية كثيرة، بسبب موظفيه ووكلاء داخل الوزارة، وعبر علاقتهم بوزارة الإعلام والمالية·· وهكذا·
هناك أمر آخر، وهو لوائح وقوانين ونظم وضعت في السبعينات تنظم طبيعة تعامل المجلس مع المبدع أو مع الجهات الأخرى، الكثير من هذه اللوائح تجاوزها الزمن طيلة الثلاثين سنة الماضية أو أكثر، بما فيها اللوائح المالية وكيفية التعامل مع المبدع الكويتي أو العربي الموجود في الكويت، وبما فيها قضايا النشر ومسؤوليات اللجان الأساسية التي يوجد بعضها خارج الكويت، كما هي حال سلسلة عالم المعرفة التي تتم إجازة مطبوعاتها من مكان ما خارج الكويت، هذا كان ضروريا يوم أن كان كادر الجامعة الأساسي غير كويتي، وكانت هناك حاجة إلى تشاور وتوجيه ورعاية من قبل مثقفين عرب جيدين، الآن كما هو واضح بدأت المسؤوليات توكل إلى أناس من داخل المجلس أو إلى قريبين من المجلس·
ومن الأمور اللافتة للنظر أيضا، يفترض أن المجلس مسؤول عن الثقافة، وهناك جهات ثقافية أخرى في الكويت ولها مكاناتها، في البداية وخلال العقد الأول من وجوده، تكرس نوع من التعاون والعمل المشترك بما يخدم الثقافة في الكويت، ولكن ما نلاحظه الآن هو وجود نوع من القطيعة غير المعلنة، ولكنها واضحة المعالم، بين المجلس وهذه الجهات، فحين يتم الإعداد لمهرجان القرين من المفترض أن يكون هناك دور فاعل وأساسي لرابطة الأدباء مثلا، الآن نشعر أن دور الرابطة هامشي، أين يقع الخلل؟ بالتأكيد هو يقع في الجانبين لا في جانب واحد، أحيانا يستفاد من قاعة الرابطة، ولكن دور أعضائها في رسم سياسة المهرجان وتسمية الأشخاص والضيوف وأنواع الأنشطة غير موجودة·
المؤسسة وعلاقاتها
· ألا يكفي وجود أعضاء من الرابطة في لجان المجلس؟
- هؤلاء قلة، ودورها محدود، ربما بسبب دور الرابطة المحدود ذاته الذي يحتاج إلى وقت وتكريس في ظل أن عملها تطوعي، بينما يحتاج العمل الثقافي بطبيعته الجماهيرية إلى الحضور الدائم والحركة·
· وماذا عن العلاقة بالمؤسسات الثقافية الأخرى على مستوى التنسيق وتبادل الآراء؟
- بين آونة وأخرى ينشط المجلس لتوطيد علاقاته بهذه المؤسسات، مثلا بالمسارح القائمة، ولكن هناك دائما نوع من الاغتراب بين الجهتين، لأن الإداريين في داخل المجلس غير فاعلين إبداعيا، في الساحة، ولا تواصل لهم مع الجهات الأخرى، هم ليسوا وجوها معروفة ثقافيا على صعيد المؤسسات الثقافية، باستثناء أعداد محدودة مثل المنصور الممثل والفنان، وطالب الرفاعي، إلا أن هذه العلاقة ليس فاعلة عبر وشيجة عمل مشترك مطلوب·
· أين تبرز مظاهر انقطاع العلاقة، أين نقط ضعفها؟
- في التظاهرات، المسرحية والأدبية والمهرجانات، وفي اختيار الوفود التي تسافر إلى الخارج لتمثيل الكويت، وحتى على صعيد مطبوعات المجلس، مثلا كان يفترض أن يسعى المجلس منذ إنشائه الى نشر الثقافة الكويتية على مستوى الوطن العربي، ولو بالحد الأدنى، إلا أن هذا لم يحدث حتى الآن، يذهب المبدع الكويتي من أجل طباعة نتاجه الى لبنان أو سورية أو مصر، في حين أن عندنا سلاسل تطبع 50 ألف نسخة مثل عالم المعرفة، كان لدي اقتراح قديم أتقدم به الى المجلس سنويا، وهو تخصيص عدد من سلسلة عالم المعرفة للتعريف بالأدب الكويتي وتقديم نماذج منه، وحتى الآن لم يؤخذ بهذا الاقتراح· وليد الرجيب حين كان مسؤولا في المجلس طرح فكرة تم اعتمادها تقوم على إصدار كتيب يحتوي على نماذج من الأدب الكويتي تلحق كمنشور مع كتاب عالم المعرفة، وتشكلت لجنة برئاستي، وطلب مني اختيار نماذج، ثم ألغيت الفكرة!
· ماذا كانت الفكرة بالتحديد؟
- اختيار عينات إبداعية متميزة لكتّاب كويتيين، دراسة مثلا، أو رواية صغيرة أو قصص قصيرة أو قصائد لشعراء من أجيال مختلفة ترفق بدراسات أو سير ذاتية، وتتنوع العينات بين سنة وأخرى، فمرة قصة ومرة مسرح·· وهكذا، وبهذا يمكن خدمة الثقافة الكويتية بنشرها عربيا عبر اختيار نماذج متميزة، وبهذا يستكمل المجلس مهمته الثقافية والأدبية والفنية، لا بالاكتفاء بالترجمة واستكتاب الآخرين وتقديم نماذج من الأدب العالمي فقط· لا بد أن يكون للثقافة الكويتية دور· صحيح كان المبدعون قلائل حين نشأ المجلس، ولكن الحال تغير تماما الآن·
· وأين أصبح هذا الاقتراح؟
- قيد الدراسة دائما، وطيلة سنوات، قبل الغزو العراقي وبعد التحرير، ومازلت أواصل تقديمه سنويا، ويأتي الجواب دائما واحدا·· نريد أن نفتح علينا بابا·· لماذا نشرتم لفلان وعلان وليس لفلان أو علان،·
· لماذا لا تبتكر سلسلة خاصة بالأدب المحلي؟
- لا ثقة بإنتاج المبدع الكويتي، جرى التفكير بالكثير من المشاريع، ودائما يدرس الاقتراح ويحفظ! النظرة السائدة أن يتم تقدير العطاء الكويتي بقدر ماله من وجود عربي، ودائما يتم تقييم الكويتي على أساس مكانته في العالم العربي، في حين أنه لا يمكن أن يصل إلى هذا العالم إلا عبر مؤسساته المحلية· يضاف الى هذا طبيعة المبدع الكويتي الذي يتميز بالفورة العابرة، ولا يمتلك جدية ونفسا طويلا·
· هناك مجالات غير الأدب، هناك الدراسة السياسية والتاريخية والنقدية·· لماذا لا تتجه إليها الأنظار؟
- لهذا عدة أسباب أيضا، هناك من لهم وجود على المستوى العربي الى جانب وجودهم في المجلس ولهم فاعليتهم إلا أنهم يفضلون نشر أعمالهم في الخارج حتى لا يحرجوا المجلس··!