
كتب محرر الشؤون الدولية:
لعل الأمور تغيرت، والسياسات تطورت، ولعل الفارق كبير بين ما حدث في تشيلي قبل ما يقارب الثلاثين عاما حين اغتال انقلاب عسكري دعمته الولايات المتحدة الرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور أليندي، وما يحدث الآن، حيث ترد شعوب أمريكا اللاتينية على مضطهديها وعلى تاريخ القمع والتعذيب والاغتيالات بانتخاب أولئك "المنبوذين" و"المطاردين" في الماضي·
ولكن ما تغير حقا كما يظهر من نتائج الانتخابات هو أسلوب المواجهة، فبدل أن يكون أسلوب جماعات ثورية متفرقة ومعزولة من السهل قمعها والقضاء عليها، أصبح أسلوب حركات جماهيرية واسعة يصعب إبادتها كما كانت تباد في الماضي فصائل الثورة والتمرد على الهيمنة الاستبدادية والنفوذ الأمريكي·
الرئيسة "ميشيل باشليت" هي العنوان الإضافي الذي طرحه الشعب التشيلي بعد أن طرح الفنزويليون "هوغو تشافيز" وجاء البوليفيون بحفيد شعب الانكا "ايفو موراليس" وتكررت التجربة في دول لاتينية عدة أخرى، وجاء فوز "باشليت" بالرئاسة بنسبة تصل في بعض التقديرات الى %67 من أصوات 8 ملايين ناخب على منافسها الملياردير "سباستين بينيرا" فوزا للخط الذي وضع أسسه سلفادور أليندي الذي سقط قبل ما يقارب ثلاثين سنة مدافعا عن نظامه الديمقراطي، فهي تنتمي الى الحزب الاشتراكي نفسه الذي خاض الانتخابات عبر تحالف جمعه مع أحزاب ديمقراطية أخرى، تماما مثلما حدث حين جاء بأليندي الى السلطة تحالف مماثل قبل أن يطيح به انقلاب الجنرال "اوغستو بينوشيه"·
وكانت "ميشيل باشليت" المولودة في العام 1951 قد تولت قبل خوض الانتخابات وزارة الصحة ثم أصبحت وزيرة للدفاع في العام 2002، قبل أن تغادر منصبها الحكومي وترشح نفسها للانتخابات الرئاسية خلفا للرئيس "ريكاردو لاجوس" الذين انتهت مدة رئاسته·
وتحمل سيرة حياة "باشليت" بالنسبة للتشيليين أكثر من معنى وذكرى، فقد مات والدها الجنرال في القوات الجوية في سجون "اوغستو بينوشيه" بسبب وقوفه ضد نظامه العسكري، وألقي القبض عليها هي ووالدتها عالمة الآثار في العام 1975، وأودعتا سجنا شهيرا بالتعذيب·
وبعد أسبوعين أطلق سراحهما وغادرتا البلاد الى المنفى طيلة أكثر من خمس سنوات في أستراليا وأوروبا، حيث أكملت "باشليت" دراسة الطب·
وعادت الى تشيلي في العام 1979 وأصبحت عضوا في الحزب الاشتراكي، ومن خلاله تولت مناصب حكومية عدة·
فوز "باشليت" من الواضح أنه جزء من تيار كبير أصبح يرى فيه المراقبون لشؤون أمريكا اللاتينية سيادة اليسار المنفتح عبر عملية ديمقراطية حقيقية، وستكون هي الرئيس الرابع القادم من تحالف اليسار الحاكم في تشيلي منذ عودة الديمقراطية إلى تشيلي في العام 1990· وتمثل كما يقول بعض المعلقين "تغييرا مع الاستمرارية في الوقت نفسه" أي أنها تمثل استمرارية نهج السياسات الاشتراكية والاقتصادية للتحالف، من جانب إلا أنها تمثل أيضا تغييرا كبيرا بالمعنى الثقافي كأول امرأة علمانية ومطلقة تتولى الرئاسة في مجتمع محافظ·