كتب ماجد سلطان:
لن يكون برنامج المؤلف والمخرج المسرحي سليمان البسام لهذا العام من دون محطات جديدة ستأخذه إلى بعض العواصم والمدن الشرقية والشرق أوسطية والغربية بعمله الجديد " كليلة ودمنة" والذي سيشهد عرضه الرسمي الأول في العاصمة اليابانية طوكيو في العاشر من مارس الجاري· ومن المتوقع تقديم سبعة عروض في طوكيو قبل انتقاله إلى كيوتو في التاسع عشر من الشهر ذاته· إلى مجموعة من العواصم والمدن، ما بين الشارقة، وأبو ظبي، وبيروت، وبريطانيا في كل من غلاسكو ولندن وأكسفورد·
وقد بدأ تقديم ثلاثة عروض لكليلة ودمنة تنتهي اليوم الأول من مارس ضمن الموسم الثقافي الحالي لدار الآثار الإسلامية و عروض العمل التحضيرية ما قبل اكتمال العمل حسب تصورات البسام للعمل المسرحي، والذي يراه عملاً حيا متطوراً و قابلاً للتطوير مالم، ربما، يرضي طموحه الفني·
البسام الذي تحدث معنا حول عمله الجديد " كليلة ودمنة " و السابق والذي عرف العالم المسرحي موهبته وجهوده الفنية من خلاله، " مؤتمر هاملت " وقدمه في عدد من المهرجانات والعواصم وأعطاه شهرته التي تدفعه لتقديم أعمال لا تقل قيمة عن هذا العمل والذي لا يزال يمكن تقديمه إلى جانب عمله الجديد·
الطريق إلى النجاح
"لست سنوات كنت أكافح في إنجلترا بأعمال وتجارب مسرحية، ولأسباب عديدة لم أستطع اختراق "قصر النجاح"، فقد واجهت صعوبات في بريطانيا " يقول البسام، ويضيف " أول عمل ناجح استطاع تحقيق أثر كبير هو "مؤتمر هاملت " في إطار مهرجان أدنبرة الدولي عام2002 والذي بدأ بمغامرة ذاتية وتمويل ذاتي· اقترض فيها البسام من أحد البنوك ليقدم هذا العمل في مهرجان أدنبرة· وللمفاجأة فقد استطاع العمل تحقيق جائزة النقاد للابتكار في الإخراج والتأليف· وانتقل العمل إلى مهرجان القاهرة التجريبي في العام ذاته، وبتمويل ذاتي استطاع العمل تحقيق أفضل جائزتين من لجنة الحكام حينما أحرز جائزة أفضل إخراج وأفضل عمل متكامل·
على إثر هذا النجاح تلقى البسام وفرقته " زاووم" عرضاً لتقديم هذا العمل من وزارة الثقافة اليابانية عبر " المؤسسة اليابانية Japan Foundation على أن يعرض باللغة العربية في افتتاح مهرجان طوكيو الدولي· وقدم العمل في طوكيو في فبراير من العام 2004· ومن هناك بدأ صداه العالمي في المهرجانات المختلفة من مهرجان شكسبير في بريطانيا الى عروض أخرى في بولندا وسنغافورة· ولمدة سنة ونصف والعمل يتجول عالمياً ويحقق النجاح في كل مكان· فهو "العمل الذي تكاملت فيه كل عوامل النجاح" حسب قول البسام·
صعوبات الإنتاج المحلي
يعتقد البسام أن الإنتاج المحلي تواجهه صعوبات فهو لا يخفي انزعاجه في كل مرة أذكر له تجربة عمله المسرحي "المقايضة" وقد عرضت لليلتين فقط وبين العرض الأول والثاني مدة ثلاثة أشهر· والحقيقة أن كل من مسرحيتيه " ذوبان الجليد " و" المقايضة "بجميع العروض لم تتجاوز العشرة عروض (وكلا العملين من إنتاج (2003 قدمت الأولى ثلاثة عروض في الكويت وعرضين آخرين في العاصمة المصرية " القاهرة، بينما اكتفت الثانية بليلتين·
ويعتقد البسام أن قلة العروض واحد من أهم الصعوبات، ذلك أنها تساهم بعدم انتشار العمل ونضجه واستقراره، "وكأن العمل لا يستحق مع كل الجهد الذي بذلته فيه أن يعرض لأطول فترة ممكنة"· ففي مثل هذه الظروف يحتاج العمل إلى تمويل إضافي و ميزانية أكبر لعملك في بيئة عدم استمرارية العرض، وكل هذا بعيد عن معايير شباك التذاكر، فالمعنى هنا هو قيمة العمل الفني"·
ويعتقد البسام أن أسباب ذلك تكمن في عدم وعي الجهات المسؤولة بالثقافة· فميزانية الكويت للبرنامج والإنتاج الثقافي لا تذكر أمام الميزانيات الأخرى وهو يذكر كمثال على ذلك ما تصرفه الحكومة البريطانية على الثقافة، إذ تخصص الحكومة البريطانية مبلغ 320 مليون جنيه إسترليني سنويا· ولا يخفي البسام يأسه من الوضع الثقافي والمسرحي في الكويت تحديداً في الوقت الراهن· وحينما تسأله عن الأسباب، يرى أن الأسباب تكمن في عدم وجود أي خطة مركزية موضوعة من أجل المسرح أو الأعمال الفنية الأخرى، فأي هوية لهذه الأنشطة ؟ ليست هناك خطة·
ولكن ماذا عن مهرجانات المسرح والجوائز التي تقدم خلالها ؟ ألا تعد هذه ضمن ما هو مطلوب لتنمية مثل هذه الأنشطة؟
ولا يجد البسام في كل هذه الأنشطة ما يعتقده مطلوباً، متسائلاً بصوت عال " متى سمعت بآخر مرة عن شاب كويتي قال إنه سيحترف الإخراج المسرحي ؟!· إن لم يكن على استعداد لدخول معمعة حالة العرض والطلب وإنتاج أعمال مسرحية للقمة العيش· متى صدرت آخر مرة مسرحية كويتية ؟ كم عملا يستحق أن يخرج وبالتالي يعرض بناء على رغبة الجمهور؟ كم من ممثل كويتي قادر على الوقوف مع ممثلين عرب ويأخذ ويعطي في عمل مسرحي في اللغة العربية الكلاسيكية ؟ كم من مرة أقيمت ورش مسرحية لتطوير هذه الشخصيات الفنية ؟ هل زادت عدد دور العرض المسرحية ؟ كم من هذه الأسئلة تمت الإجابة عنه؟!·
ويعلل هذا بدور الثقافة في المجتمع الكويتي والنظرة الخاصة الى العمل الثقافي الذي لا يزال في طور أعمال الهواة دون مفهوم الاحتراف والخطة ذات المراحل، وهذا بالطبع لا يعني أن ظروف الإنتاج الدولية هي من السهولة التي يمكن العمل فيها من دون جهود·
ويضيف سليمان " 10 سنوات وأنا أتعب على عمل الإنتاج الدولي· وهو موضوع تراكمي، استطعت من خلاله أن أراكم خبرة الإنتاج الدولي، وهو ما يدلل على نجاح هذه الأعمال ثقافياً وفنياً وتجاريا"·
كليلة ودمنة
وهذا ما حققه البسام لإنتاج عمله الجديد " كليله ودمنة " إذ استطاع أن يجمع له منتجين من ثلاث جهات تبنت العمل فلأول مرة تجتمع دار الآثار الإسلامية من الكويت مع مسرح البربيكان البريطاني والمؤسسة اليابانية لإنتاج عمل· وبدأ المشروع بتكليف من دار الآثار الإسلامية بكتابة عمل حول " كليلة ودمنة "· والتفكير بالمسرحية من حيث كونها قصة مروية على لسان الحيوانات· ليكتشف البسام خلال التحضير للعمل، ومن قراءاته لصاحب ترجمة كتاب قصص "كليلة ودمنة " عبد الله بن المقفع شخصية تدعو للتفكير حولها· فقد وجد أنه من خلال هذا الكتاب وكتبه الأخرى مثل الأدب الكبير والأدب الصغير وكتاب آخر حول نظام مركزي للقوانين، كان يعد لمشروع مثل وزارة للعدل· وهو بالنسبة له أول من واجه مسألة دور المثقف في توجيه الدولة الإسلامية الناشئة، ودخل مخاض العملية السياسية وفي مشروعه الإصلاحي من أجل العدالة الاجتماعية، الجند والمحاكم، السلطة والخليفة في الدولة· كما يعتقد بأن ابن المقفع كان ينادي بوضع ما يشبه الدستور لتنظيم العلاقة بين الخليفة والأمة·
وهو أيضاً، أول من دخل في حوار عقلاني معها (السلطة) مازجاً إياه بمفاهيم دينية· وجاهد لمشاريع إصلاحية داخل الدولة الإسلامية الناشئة· هذا إلى جانب إمكاناته الفنية في تطوير النثر· فقد كان فناناً، كاتباً متميزاً· يتحدث بأكثر من لغة، إلى جانب كونه رجل تنوير· لم ينقطع عن نصح السلطة، وسعى لتأسيس معايير فكرية لدور الخليفة كقائد للأمة·
ولا يخفي البسام إعجابه بأسلوب ابن المقفع في " كليلة ودمنة " في النصيحة غير المباشرة، ونقله لفكرته بأسلوب غير مباشر· مما ساعد البسام على توفير تصور فني لتقديمها كعمل مسرحي·
ويعتقد البسام أن قصص " كليلة ودمنه " قابلة لأن تروى من قبل السلطة بطرق شتى وكل حسب طريقته الخاصة· وهو ما أعطاه مساحة للخلق ولاستخدام القصة كتعبير عن الواقع واستخدام السلطة لها للتعبير عن أهدافها·
شكل العمل الفني وهويته
ثمة من يتساءل حول هوية العمل المسرحي والمسرح وما إذا كانت، ( وخاصة مع ما يقدمه البسام من أعمال مسرحية هي عبارة عن إعادة خلق لعمل مسرحي شهير يسقط دلالاته على واقعنا والمعاصر) هي أعمال معبرة عن هويتنا وواقعنا وأصالتنا ؟· فجملة من أعماله هي إعادة صياغة لمسرحيات شكسبير، مثل " مكبث / مكبث تحت فانوس 60 وات" هاملت / مؤتمر هاملت - هاملت في الكويت- قمة هاملت" وروميو وجولييت / المقايضة "ويعمل الآن على مسرحية " ريتشارد الثالث " بتكليف من الفرقة الملكية الشكسبيرية لتقديمها باللغة العربية وهو ما سيحدث للمرة الأولى في تاريخ هذه الفرقة العالمية"·
وقال البسام: "مكونات الفعل المسرحي ثلاث هي النص، كونه بصريا، لغوياً، و اللافظ - الممثل، وأخيراً الجمهور· ونحن قد أخذنا هذه التوليفة من طقس غربي· وهناك بحوث ومصادر تقول إن في منطقتنا الطقوس نفسها في الحضارات السومرية والبابلية كما أن للشاعر الجاهلي جانبا مسرحيا· وأنا أعتقد أياً كان أصله، في هذه المرحلة موضوعاتنا وموضوع أعمالنا هو الذي سيكيف لنا مثل هذه الأعمال"·
ويضيف البسام "نحن نعيش في فترة تاريخية تطرح علينا مجموعة من القضايا مثل دور الفرد في المجتمع ودور هذا الأخير تجاه الفرد، علاقة الفرد بالسلطة، الديكتاتورية، ومن هنا أرى ارتباطا ضمنيا بين المسائل المطروحة والحلول والمضامين الشكسبيرية·
ويقول "إن مشروعاً مثل " كليلة ودمنة "هو مشروع قصة تعود أحداثها إلى (133هـ -145 هـ)، وهي عبارة عن ملحمة تاريخية· ومن خلال تصرفي بالأحداث والدراما· صارت تدور حول شخصية ثانوية هي حياة عبدا لله بن المقفع فلا شك أن في تركيبة الملحمة التاريخية جوانب شكسبيرية تأثرت بها من خلال البيئة التي أعطتني الأسس ولكن هذه التجربة عربية· وهي تأتي ضمن مراحل من التجارب التاريخية لنضال الأشقر و قاسم محمد وسعد الله ونــوس وآخرين·
ويعتقد أن الجانب الابتكاري الحقيقي لن يصل إلى الجمهور إلا حينما يقدم باللغة العربية·
ويضيف " حينما عملت على " هاملت " فقد عملت من أجل خلق تساؤلات حاضرة في الواقع العربي، وبالمعنى نفسه بالنسبة لـ "كليلة ودمنة" وليس من أجل إضافتها إلى رصيد الأعمال المسرحية· وإنما لعرض ألاعيب السلطة الآن وراهناً·
ويمضي البسام في إيضاح تصوره فهو انطلاقا من " هاملت " أو ريتشارد الثالث " أو باختياره موضوعا من البيئة العربية، لا يقوم إلا باستخدام البعد التاريخي في خلق مناورة مع الجمهور، " مناورة فكرية " على حد نعته لها· فأنت تشاهد قصة هاملت، ولكنك تشاهد الحرب الأهلية في لبنان، الطاغية في العراق، أو أي مشاكل يعانيها المواطن العربي·
وهو بعد ذلك، يرى أن أسلوب الطرح يفرض نفسه على هذا العمل وبالتالي صيغة الفعل المسرحي المرغوب مع الطرح الدرامي والتناغم البديهي· وهذا البحث هو الذي يؤدي بك إلى تآلف غريب· ذلك أن لكل رغبة تعبيرية شكلها الذي يتناسق مع أبعادها وأهدافها·
* * *
سليمان البسام في سطور
· مواليد الكويت، 1972·
· تخرج من جامعة أدنبرة عام 1994·
· عمل كمساعد مخرج في لندن قبل أن يؤسس فرقته المسرحية " زاووم " عام 1996·
· تأليف مسرحية "كليلة ودمنة" أو مرآة الملوك 2005، بتكليف من دار الآثار الإسلامية·
· ألف وأخرج مسرحية " ذوبان الجليد " 2003·
· ألف وأخرج مسرحية "المقايضة" 2003· بتكليف من الهيئة العامة للشباب والرياضة·
· حصل على جائزة الدولة التشجيعية لعام 2004، في مجال الإخراج المسرحي عن عمله المسرحي "مؤتمر هاملت"·
· حاز وفرقته المسرحية "زاووم" عن مسرحية "مؤتمر هاملت" على جائزة النقاد الأولى في مهرجان أدنبرة الدولي عام 2002· وجائزتي أفضل عرض و إخراج من مهرجان القاهرة المسرحي التجريبي 2002·
· حصل على عدة جوائز ورشح ضمن أفضل عشرة مخرجين واعدين في مهرجان ديجون في فرنسا عام 1997·
· عرض في عدة مهرجانات دولية، وفي عدد من العواصم والمدن العالمية وهو يطوف بأعماله المسرحية الناجحة·