
ليس من المؤكد إن كان الشاعر محمد الماغوط في رحيله عن عالمنا ظهر الإثنين الماضي قد حصد شيئا من الفرح الذي لم يكن مهنة ً له ، ولكن الأكيد أن القمر ظل يطل بضوئه على ذلك الحزن القديم الذي خرج به إلى العالم قبل 72 عاما في قرية السلمية بجوار حماة ·
وللقمر منذ البداية حكاية مع المتوحدين والمشردين ، أولئك الذين يولدون كما ولد الماغوط في قبو من أقبية عالمنا العربي وليس على خشبة مسرح من مسارحه او حتى وراء ستارة من ستائره ، ثم تتلقفهم السجون مبكرا ً ، فالشوارع ، فالمقاهي فالبطالة بكل أنواعها ، سياسية كانت أو شعرية · في كلا الحالين ليس ثمة من مخرج حتى الآن ، وبعد مرور أكثر من خمسين عاما ًعلى المفاجأة الشعرية التي أصبح اسمها محمد الماغوط · ولكن هذا الشاعر لايعد نفسه ولا عهد في نفسه أن يكون عاطلا عن العمل مادام يجيد شيئا واحدا أغناه عن متطلبات الحياة : الكتابة ··· والكتابة ، ولاشيء آخر · لا النصر ولا الهزيمة يدخلان في حسابه كما قال في آخر لقاء معه ·
هذا الغريب الفقير مثل عصفور أحدب أو مهرج يطلق سخرياته حين يصل إلى ذروة ألمه ِ ، قيض له أنم يبتكر أو يعيد ابتكار الشعر باستخدام أداة أكثر طواعية هي النثر · قبله كان هناك نثر كثير وشعر أكثر ، ولكن هذه التركيبة الفذة التي يتحوّل فيها الكلام إلى شعر كانت ابتكارا مدهشا ً خارجا ً على المألوف · وستمضي سنوات عديدة ، وتمر فصول كثيرة ، ولكن شهادة الماغوط على عصر المدن العربية التي شردت أبناءها ستظل باقية ، وسيعود الماغوط في مقبل الأيام ، فهكذا عودنا كبار الشعراء ؛ إنهم يأتون من المستقبل دائما ً ·
محمد الأسعد