كتبت غادة إسماعيل:
فيما تسعى الحكومة لتغيير صورتها كدولة قانون من خلال فرض تطبيقه، تعاني مؤسسات الدولة من عدم اكتراث كثير من المواطنين والمقيمين بالقوانين واللوائح والنظم، بل أصبح الأمر الطبيعي هو المخالفة والشاذ هو الالتزام·
يرى المراقبون أن هذا الوضع يمثل أزمة تشابه الى حد ما تلك الأزمات التي تتزامن مع انهيار النظام، حيث لا قانون يطبق ولا نظام يفرض، ويخشى المراقبون من تطور هذه الحالة الى درجة قد تشل معها جميع مؤسسات الدولة وتتفشى الفوضى·
ويرصد المراقبون عدداً من المؤشرات الدالة على ظاهرة ضعف هيبة الدولة يأتي في مقدمتها انتشار وتفشي ظاهرة الرشوة والفساد المالي الذي اعترفت به الحكومة في تقاريرها الرسمية وناقشها المختصون ونشرت تفاصيل فضائحها ولا تزال الصحف، ويرى المراقبون أن هذه الظاهرة تمثل تعبيراً صارخاً على فقدان الدولة هيبتها ويخشون أن يصل هذا الفساد الى مؤسسات القضاء إن استمر من دون معالجة، وهي حالة تشكل أخطر أنواع الفساد وضياع الهيبة وانهيار النظام·
ومن المؤشرات الأخرى التي رصدها المراقبون هو تراجع الحكومة عن قرارات كان قد اتخذها وزراء سابقون ودعمها مجلس الوزراء في أثناء توليهم الحقائب الوزارية، ثم أتى وزراء جدد فألغوا تلك القرارات تحت صمت مجلس الوزراء وكأن الأمر لا يعنيه وكأنه قرار فردي للوزير وليس جزءا من برنامج حكومي متفق عليه·
من القرارات التي اعتبرت إصلاحية عندما اتخذها عدد من الوزراء ثم ألغيت، يذكر المراقبون ما يقوم به وزير البلدية الذي نسف أغلب القرارات التي اتخذها الوزير السابق أحمد باقر ولاقت دعم مجلس الوزراء في حينها، وتلاقي القرارات الجديدة صمتاً من مجلس الوزراء الحالي، وقبلها قرارات الدكتور عادل الصبيح وزير الإسكان الأسبق والتي أطلق عليها في حينها "المنظور الإسكاني" ثم أسندت حقيبة الوزارة الى نائب الخدمات فهد الميع الذي نسفها كلها ولم يحرك مجلس الوزراء ساكناً رغم وجود الصبيح وزيراً في المجلس!!! ويتذكر المراقبون كذلك قرارات وزير الصحة الأسبق الدكتور عبدالرحمن المحيلان ومشروع "العافية نت" ثم مشروع تولية إدارة إحدى المناطق الصحية لإدارة أجنبية متخصصة تديره بالتوازي مع الإدارة الكويتية وتقوم بتطوير المستشفيات والمستوصفات ثم تكرر الفكرة على مناطق صحية أخرى، ما إن خرج الوزير المحيلان من الوزارة إلا ونسفت بالكامل وكأنها لم توجد ولم يدافع عها أحد من أركان الوزارة·
ومن أسباب ضعف هيبة الدولة، تخبط الحكومة في إقرار القوانين والتراجع عنها أو إقرارها وعدم تطبيقها ويدللون على ذلك بقرارات إزالة التعديات على أملاك الدولة والتراجع عن إزالتها تحت ضغوطات المخالفين وصولاً الى تقنين تلك المخالفات عن طريق الإبقاء عليها ودفع رسوم شهرية أو سنوية، وربما من دون وجود آلية لتحصيل تلك الرسوم وبالتالي عدم تطبيقها أيضاً أو أن توجد إدارات للتحصيل تكلف الدولة أكثر مما تجمعه من أموال·
ويضيف المراقبون أمثلة أخرى على عدم احترام الدولة لقوانينها وقراراتها مثل قرار إحالة من تجاوز ثلاثين سنة عمل الى التقاعد ثم عادت ووضعت استثناءات لذلك القرار لدرجة لم يعد للقرار أهمية بعدها، أما القانون الأكثر انتهاكاً، يقول المراقبون فهو قانون منع التدخين في الأماكن العامة والسيارات وعدم تطبيقه حتى في المستشفيات وربما في غرف العناية المركزة·
مساعي الحكومة لتطبيق القانون وتغيير صورتها من مساهمة في كسر القوانين الى مطبقة لها تحتم عليها البدء في خطوات واضحة وعلى مستوى عال وأن تبدأ بما هو واضح وجلي كوقف المخالفات التي يرتكبها الكبار أولا لتثبت جديتها وأمامها، كما يرى المراقبون، فرصا عديدة كالضغط على صاحب الوسيلة لإزالة المخالفات التي ارتكبتها شركته عند تنفيذها المشروع وإن لم يفعل فعليها أن تسحب المشروع·
من جانب آخر على الحكومة أن تمضي في إيقاف المشاريع المخالفة كما فعلت في مشروعي الجزيرة الخضراء والنادي العلمي وأن تفعل الشيء ذاته مع مشرعي البولينغ وأبو فطيرة وغيرها من المشروعات التي تشوبها شوائب المخالفات والتجاوزات، كما يتوقع المراقبون من الحكومة أن تنتصر لمؤسساتها عندما تواجه الشركات الكبرى وأصحابها ذوي النفوذ·
أما المخالفات المتعلقة بأملاك الدولة كالدواوين المخالفة فلابد أن تبدأ الحكومة حملتها ولا تقف بعد الضغوط من قبل المتنفذين كما يفترض المراقبون أن تشمل وربما تبدأ الحملة بالكبار أولا كي لا تعطي مبررات للصغار في تجاوزاتهم·