الطليعة - خاص:
لعل أبرز ما يلخص وضعية العراق، وهو يتهاوى في وديان الفوضى والمذابح تحت بصر وسمع قوات الاحتلال الأمريكية وحليفتها من الدول الأخرى، وعجز أحزابه وقواه الوطنية عن تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الأمن، هو مأزق تشكيل الحكومة العراقية رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على إجراء الانتخابات النيابية، واتضاح صورة الكتل البرلمانية الفائزة بانتماءاتها المختلفة، فقد برزت قضية الاعتراض على مرشح الائتلاف العراقي الموحد إبراهيم الجعفري من قبل الكتلة الكردية والسنية على حد سواء، مما خلق وضعا غريبا يعاكس كل الآمال التي انعقدت على الذين ذهبوا الى الانتخابات تحت راية الديمقراطية، فإذا بهم يتحولون الى نقض كل حرف من حروفها بهذه الحجة أو تلك· لكي نفهم هذه الوضعية، من المهم ملاحظة أن البداية جاءت مع الحملات على حكومة الجعفري مبكرا واتهامها بأنها حكومة متحيزة لطائفة محددة هي الطائفة الشيعية· وكان مصدر الاتهام هو ما قيل عن ممارسات لوزارة الداخلية العراقية أو أطراف فيها، وترافق هذا مع تغيير جوهري في التعامل الأمريكي مع هذه الحكومة، أو مع نتائج الانتخابات بالأصح إذ بدأ وضع الشروط الأمريكية، مترافقا مع اتصالات وصفقات تعقد مع جهات يقول الأمريكيون إنها "تود إلقاء السلاح ودخول العملية السياسية"·
حقيقة الأمر كما بينته تقارير صحافية وملحوظات سياسيين، هو أن الاطمئنان الأمريكي الى موقف الشيعة الهادىء تحول الى قلق شيئا فشيئا مع تصاعد المواجهة مع إيران، وبدأت الحسابات الأمريكية الجديدة تتجه نحو إيجاد قوى عراقية موازية توازن ثقل كتلة الائتلاف العراقي الموحد·
هذه هي إذن حصيلة ثلاث سنوات من الاحتلال، ولكن الحصيلة على صعيد الشارع العراقي، أو المجتمع العراقي أكثر سوداوية وأكثر مأساوية، فبعيدا عن أزمة تشكيل الحكومة، يجد المواطن العراقي نفسه في مواجهة حملات قتل عشوائي متواصلة تطال تجمعاته في المساجد والأسواق وأماكن العمل، تستهدف تارة المواطنين الشيعة وتارة المواطنين السنة، وتارة تتجه الى الكنائس، في ظل حملات تحريض إعلامية مصدرها الفضائيات ومواقع على الإنترنت، تحرض أبناء كل طائفة على الأخرى، مع تحليلات وتصريحات رسمية وغير رسمية تؤكد أو توحي بأن ثمة حربا طائفية قائمة·
لا يمكن وصف وضعية المواطن العراقي إلا بالذهول، فبعد وعود هائلة بالتحرر من نظام جمهورية الخوف الصدامية، يجد نفسه كما يعبر الكثيرون في منطقة لا هي بالدولة ولا هي بشبه الدولة، تقبع بالخوف من القتل أو الاختطاف بلاسبب مفهوم، ورغم أن الفضائىات والتصريحات تحاول تغيير ما يجري على أنه من فعل "جماعات إرهابية"، قادمة من وراء الحدود، ومن "عصابات بعثية" صدامية، إلا العديد من المواطنين العراقيين لا يخفون شكوكهم في أن يكون كل ما يقال صحيحا، وقد مل وضجر الكثيرون منهم من إلقاء مسؤولية جريمة ترويع العراقيين على أسماء لم تعد بالنسبة للعراقيين سوى أسماء وهمية، ولا يخفي بعضهم علنا شعوره بأن ما يجري هو عمل منظم ليس بعيدا عن رعاية قوات الاحتلال التي تخلق حسب هذا البعض ذريعة للبقاء، وذريعة لمنع امتلاك أي مؤسسة عراقية المقدرة على إدارة الشؤون العراقية بما في ذلك المؤسسة الحكومية والجيش والشرطة، وهي التي كانت ضحية إجراءات الإعفاء منذ اللحظة الأولى التي وطئت فيها أقدام الأمريكيين بغداد·
لا شيء تحقق من أي وعد أطلقته سلطات الاحتلال، والأدهى أن ما يرتسم على الأرض، أصبح باعتقاد البعض كابوسا يهدد بتمزيق العراق كشعب هذه المرة، أو إلغائه بالأحرى·