ديفيد هيرست*
هناك اتفاق دولي واسع الانتشار على أن امتلاك إيران للأسلحة النووية متوقع تشير اليه النذر، ولكن القليل من الانتباه يوجه نحو السبب المباشر والواضح لهذا، وهو أن هناك سلفا قوة نووية شرق أوسطية هي إسرائيل مصرة على الاحتفاظ باحتكارها·
وهكذا فإن الأزمة المتوقعة في العقود القليلة القادمة، وستندلع تلقائيا مع ظهور قوة نووية ثانية، سواء كانت صديقة أو غير صديقة للغرب، ولأن إيران هي القوى غير الصديقة المحتملة، فإن هذا هو ما يعزز الافتراض الواسع الانتشار بأنها وحدها المسؤولة عن خلق الأزمة، ووحدها مسؤولة عن حلها· ولكن هل هذا الافتراض صحيح؟
من المؤكد أن إيران ليست بعيدة عن كونها ملامة، فتسلحها النووي سيوجه ضربة قوية الى نظام عدم انتشار السلاح النووي الدولي المتداعي أولا، وثانيا، ستلجأ إيران الى لعبة خداع كبرى، وثالثا، ستحسب إيران من القوى غير المسؤولة بسبب كونها أسوأ "دول الشر" حسب الولايات المتحدة التي تقسم القوى النووية القائمة والمحتملة الى قوى مسؤولة وقوى غير مسؤولة·
وأي "دولة شر" نمطيا تجمع بين طبيعة عدوانية وقوة عسكرية غير مكافئة لحجمها، بالإضافة الى كونها مستبدة، وبغيضة إيديولوجيا ومعادية للأمريكيين، ومن هنا تفرض تهديدا مستمرا واستثنائيا لنظام إقليمي قائم، وأي شيء أكثر حسما في إدراج إيران في مجموعة دول مثل هذه مثل رئيسها الجديد مع دعواته الى "محو إسرائيل من الخريطة"؟
ولكن رغم هذا، ووفق المصطلحات النووية في الشرق الأوسط فإن المخطئ الأصلي هو إسرائيل، لأن عدم انتشار الأسلحة النووية يجب أن يكون شاملا: فإذا أصبح طرفا في أي منطقة نزاع محتمل نوويا، لا يمكن أن نتوقع إلا أن يحذو خصومه حذوه، وستتحمل إسرائيل دائما، بخرقها لهذا المبدأ، ولا يهم أنه تم منذ زمن طويل، المسؤولية عما سيحدث لاحقا مهما كان·
ثانيا: لم يكن خداع إسرائيل أقل من خداع إيران ورغم أنه لم تكن هناك معاهدة منع انتشار آنذاك، إلا أنها لم تخدع سوى الولايات المتحدة الأمريكية· وقد حذرت المخابرات المركزية الأمريكية، وهي تعي ما كان ينذر به الكذب الإسرائيلي، في العام 1963، من أن القدرة النووية، بتعزيزها لإحساس إسرائيل بالأمن، ستقلل من فرص قبول العرب لها ولن تزيدها، فهي ستستغل "ميزاتها النفسية" الجديدة لتخويفهم، وهو ما يشير ثالثا: الى الاستخدام غير المسؤول الذي مارست فيه إسرائيل هذه الميزات بالفعل، ولا ريب أنها بررت القدرات النووية بوصفها خيارها المسمى "خيار شمشون" ملجأها الأخير ضد جيران يسعون الى تدميرها، الآن لا وجود لتهديد من هذا النوع· ولكن إذا كان موجودا ذات يوم، أو سيعود مرة أخرى، فالسؤال هو لماذا؟·
جزء كبير من الجواب هو أنه في غالب الاعتبارات تصرفت إسرائيل مثل "دولة شر" باستثناء توجيه الشر الى الولايات المتحدة الأمريكية، فقط خرجت الى الوجود كممزق هائل لنظام الشرق الأوسط القائم، بوساطة العنف والتطهير العرقي، ولا يمكن لدولة استيطان مثل هذه أن تحظى بشرعية سليمة، وتكامل سليم مع نظام جديد مازال في طريقه الى الاكتمال إلا بإرجاع حقوق الفلسطينيين التي انتهكتها في إنشائها ونموها· وهذا هو في العمق ما تستهدفه "عملية السلام" الدائم· لدى العالم تحديد واسع للتسوية يقع في نهايتها وهي لا تتضمن تحررا كاملا لشعب من السكان الأصليين، مثلما كان الأمر المتبع في تفكيك الاستعمار الأوروبي، بل مساومة فحسب أشد مشقة وأكبر على الفلسطينيين المهزومين منها على الإسرائيليين·
ولكن التسوية لا تجيء أبدا لأن إسرائيل تقاوم حتى هذه المساومة، وتؤكد هذا قوتها النووية التي تقف على رأس تفوقها التقليدي الطاغي سلفا، مثل هذا الاستخدام اللامسؤول لقوتها النووية، هو ما كان يلمح إليه "شمعون بيريز" حين قال "إن حيازة نظام تسلح متفوق ستعني إمكانية استخدامه لأهداف لابد منها، أي إكراه الجانب الآخر على قبول المطالب الإسرائيلية السياسية" أو ما عناه "موشيه سنيه" وهو استراتيجي إسرائيلي بارز، حين قال: "لا أريد للمفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية أن تجري تحت ظل قنبلة نووية إيرانية" كما لو أن العرب لم يفاوضوا تحت ظل قنبلة نووية إسرائيلية طيلة العقود الأربعة الماضية·
هنالك ثلاث طرق يمكن أن تسير فيها الأزمة، الأولى أن تصر إسرائيل على دوام "خطىئتها الأصلية" من دون تحد وتنجح في هذا، ليس لأن العالم" الى حد كبير كما يواصل الرئيس بوش القول، هو الذي يجد أن إيران نووية لا يمكن التسامح معها أبدا، ولكنه "العالم" باسم إسرائيل وليست مخاطر أن تهاجم إيران إسرائيل هي ما يجعل الأزمة بالغة الخطورة، بل المخاطر هي في أن تهاجم إسرائيل إيران، أو أن تتولى الولايات المتحدة الأمريكية القيام بهذا العمل ذاته· وبالنتيجة تصبح ترسانة إسرائيل النووية وحمايتها أداة سياسية ضد من أحسن إليها·
إنها تركة "خطيئة" أمريكا الأصلية، تلك التي امتنعت عن الإذعان لقيام إسرائيل نووية في البداية ثم تحولت لاحقا الى مصادقة بلا ضوابط عليها من قبل الحكومات الأمريكية التي تزايد دعمها لإسرائيل في ما يبدو منذ ذلك الوقت· إذن لدينا هناك كما كتب المحلل الاستراتيجي الأمريكي "مارك جافني"، قوة عظمى "بالغة العمى والغباء" بحيث تركت "لدولة أخرى - أي إسرائيل - السيطرة على سياستها الخارجية"·
وحذر في دراسة لامعة من أن هجوما أمريكيا على إيران قد ينتهي بكارثة تشبه مذبحة الفيالق الرومانية في "كانيه" على يد جيش هانيبال الذي كان دونها قوة· لأنه في مجال واحد من مجالات التقنية العسكرية· هي الصواريخ المضادة للسفن، تسبق روسيا الولايات المتحدة الأمريكية بأشواط، وامتلاك إيران لصواريخ 3M-82 الروسية هذه، يمكن أن يحول الخليج الى مصيدة موت للأسطول الأمريكي، وتأكيدا على هذا، تجيء التلميحات الأولى، من حكومة بوش ذاتها، بأنه في ضوء الدمار الإقليمي الذي يمكن أن تحدثه إيران بالفعل، قد لا يكون باستطاعة الولايات المتحدة أن تفعل شيئا لإيقاف تحول إيران الى قوة نووية·
ويشير هذا الوضع إلى الطريق الثانية التي يمكن أن تسير فيها الأزمة، بإجبار إسرائيل على التخلي عن احتكارها، ودخول الشرق الأوسط في "ميزان رعب" على نمط ذلك الذي كان سائدا في زمن الحرب الباردة· وقد يكون نمطا مستقرا، ومن الواضح أن "الملالي" مثل إسرائيل سيمارسون استخداما سياسيا غير مسؤول، لقدراتهم النووية ولكن مثل إسرائيل هدف المسعى النووي الإيراني هو دفاعي من حيث الجوهر، وحتى إن لم يكن بالمعنى "الوجودي" في الأساس كما هو المسعى الإسرائيلي· لا شيء يمكن أن يكون أكثر إقناعا لإيران بالحاجة الى رادع غير تقليدي من مصير "دولة الشر" تلك، عراق صدام، التي لم يكن لدى الولايات المتحدة مخاوف من مهاجمتها لأنها لم تكن تملك رادعا من هذا النوع·
الطريقة الثالثة: في حالة تخلي إيران عن مطامحها النووية، ستجد أفضل فرصة لها إذا تم إقناع إسرائيل بفعل الأمر نفسه، ليس لكونه مجرد نزع سلاح متبادل من حيث الجوهر، بل لأنه سيكون علامة على تغير أساس في نهج أمريكا كله تجاه المنطقة· وربما سيكون لهذا نتائج إيجابية تتجاوز المسألة النووية· قال المحلل العسكري الإسرائيلي "زئيف شيف": "هناك طريقة واحدة لتجنب ميزان رعب نووي، هي استخدام الوقت المتبقي، ونحن لا نزال نمتلك احتكارا في هذا المجال، لصنع السلام·· وفي إطار السلام، يمكن أن تقوم منطقة خالية من الأسلحة النووية"· ولكن هذه الطريقة، التي يصفها "شيف" التفاف على الموضوع·
فلكي تصنع السلام، كما تنبأت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، إسرائيل ليست بحاجة الى التصلب الذي يجلب أمن مطلق، ولكن الى روح المساومة الذي قد يكون جرعة حكيمة من انعدام الأمن·
ربما تكون هذه الفكرة مثالية، في وضعية بما لم يركز الآن على سوء النيات الإيرانية، ومع ذلك فهي أفضل من هجوم أمريكي سيضيف طبقة بالغة السماكة الى مخزون هائل قائم من الشعور المعادي للغرب، بحيث لا يمكن أبدا، أن تأمل إسرائيل معه أن تحظى بالقبول في المنطقة·
* عمل ديفيد هيرست مراسلا من الشرق الأوسط لصحيفة الجارديان بين العامين 1963 و 2001·
(عن الجارديان 4/4/2006)