رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 12 يوليو 2006
العدد 1736

هوميروس من كوسوفو
منشد الحكايات!

                                                                                  

 

أحدث كتاب "مغني الحكايات" للباحث البريطاني "ألبرت لورد" حين صدر في العام 1960 صدمة في أوساط الدراسات الكلاسيكية، فقد خرج هذا الباحث، تلميذ الأستاذ "مليمان باري" صاحب نظرية "الأدب الشفاهي" بكتاب يوثق الدراسات الميدانية التي أجراها هو وأستاذه في يوغوسلافيا، وتوصلا فيها إلى أن شعر الملاحم وأشهرها ملاحم هوميروس، نشأ مشافهة، وصدر عن مخيلة راوية حكايات "ارتجل" حكاياته وفق قوالب متوارثة· ومع إعادة نشر هذا الكتاب منذ وقت قريب، استطاع عدد من الباحثين الآخرين متابعة النظرية والتثبت منها بدراسة الشعر الكلاسيكي العربي والروسي والأسكتلندي·· إلخ، وتجمعت من كل هذا  مكتبة كبيرة يضاف إليها كل عام ما يستجد من دراسات في هذا الميدان· في المقال التالي الذي نشرته "الصنداي تايمز" عرض لهذا الكتاب وتجربة صاحبيه منذ بواكيرها الأولى·

ثورة محررة ومؤلمة حدثت في ثلاثينات القرن الماضي عندما بدأ عمل الباحث الأمريكي الشاب "مليمان باري" يؤثر على مجموعة من الباحثين، ثم أطلق أخيرا تحولا شاملا في دراسة لغة الشعر، لقد أظهر "باري" أن العديد من السمات الخاصة والبارزة في شعر الملاحم الهوميرية، مثل اللغة التي نظم بها (خليط اللهجات الإغريقية التي لا يمكن أن تكون قد استخدمت أبدا في الكلام اليومي)، ومثل الأوصاف المكرورة للأشخاص والأسماء (أخيل السريع القدمين والبحر القاتم مثل الخمرة) يمكن تفسيرها انطلاقا من أساس مفاده أن هذه القصائد تم إبداعها في سياق تراث شفاهي على يد شعراء لا يعرفون الكتابة، شعراء أميون بالمعنى الدارج·

هذا لا يعني أن الملاحم كانت تؤلف ببساطة في الرأس في أوقات الفراغ، ثم تحفظها الذاكرة وتعيد إنشادها، بل يعني شيئا أكثر عمقا، وهو أن المنشد ولّد أو أعاد توليد كل عناصر نشيده في لحظة الأداء ذاتها، وقد أدى هذا الفن وظيفته على كل مستوى، بدءاً من الحبكة ومرورا بالمشهد فاللازمة المتكررة فالعبارة، ووصولا الى أساليب التعبير، وكان الشاعر قادرا على إنتاج أشكال ملائمة للأنواع الأدبية المتوارثة ونمطها الإيقاعي المعقد الذي يجب أن تجد تعبيرها فيه، وبهذا تم حل جميع الألغاز المحيطة بشعر لملاحم دفعة واحدة· وفسر "باري" ببصيرة نافذة لماذا كان تعبير السفن "المتزنة المستوية" وأحيانا "السوداء"  أو "المبحرة"، أو "المستديرة" لا يجيء لمجرد نزوة جمالية، بل لأن تراثا طويلا، هو خفي الآن، يكمن وراء شاعر ملحمي مثل هوميروس، طوّر مادة موجزة ومرهفة لأساليب وصفية مناسبة تُستحضر حيثما احتاج الشاعر الى الإشارة الى السفن، وأن هذه المادة تمتلك نسبة معينة من الفراغات التي تحتاج الى أن تملأ·ووجد الثراء اللغوي المتنوع تفسيرا في كوابح الوزن السداسي، فأصبحت التعابير اللغوية مثل الكائنات التي تنشىء لها أصدافا بالتراكم، وقد بنت أجيال من الأسلاف اللغة الاصطناعية عبر هذا التراكم التدريجي، محتفظة بذلك بأجزاء من أشكال من اللهجات الأيولية والإيونية والأتيكية، وفقا لاستخدام الأشكال الإيقاعية التي تقدمها هذه اللهجات، وهذا هو الذي يفسر وجود ستة أشكال لفعل الكينونة (To be) في يونانية هوميروس، ولكل منها تقطيع عروضي مختلف· كان هدف هذه العملية التطورية (التطور والتكيف الفعال) لمعجم الملاحم هدفا وحيدا، أن لا يفتقر المنشد الى الكلمات، وبهذا يصبح حرا في التركيز على القضايا الأكبر، مثل تطوير الفعل والحبكة·كانت مساهمة "باري" الكبرى في شرح وتفسير طبيعة شعر الملاحم الهوميرية هي تعيين مكان جماعته المفترضة، وعرف زملاؤه أن هناك نوعا من التأليف الشفاهي المرتجل الذي نسبه الى "هوميروس" ما زال يمارس في أنحاء من قارة آسيا وفي جنوبي أوروبا الشرقية حيث مازال انتشار الكتابة ضيقا، وانطلق "باري" لاختبار نظريته ميدانيا، فاختار في البداية السفر إلى جمهوريات آسيا الوسطى السوفياتية، إلا أن خياره لم يتحقق بسبب الأوضاع السياسية السائدة آنذاك في ثلاثينات القرن العشرين، فذهب الى منطقة البلقان، وإلى أقلها اضطراباً آنذاك أي البوسنة وأقام مختبره هناك، وهناك وجد في المقاهي والحانات منشدين يتضمن مخزونهم أغاني ملحمية من نوعين، نوع للصرب وآخر للجمهور الإسلامي، وهنا وبمساعدة "ألبرت لورد" بدأ بتسجيل وتحليل أغاني "الجوسلاريين" الذي يستمدون هذا اللقب من آلة وحيدة الوتر يستخدمونها لترافق إنشادهم تسمى "جوسل"، والتي لم يكن بإمكانهم الاستغناء عنها كما كانت الحال بالنسبة الى قيثارة هوميروس·وبالفعل، وكما وجد "باري" بالتجربة، فإن قدرتهم على تأليف أشعارهم كانت تصاب بالشلل والإعاقة إذا طلب منهم الإنشاد من دون "الجوسل" إلا أنهم، وبوساطة هذه الآلة مع الشراب والقهوة والسجائر، يتمكنون من التأليف بطلاقة، ووفق معجم سرد ذي صيغ مكرورة يشبه تماما ذلك الذي يظهر في الملاحم الهوميرية، وهكذا وجدت فرضية "باري" تجسيدها العملي· وخيبة الأمل الوحيدة ربما بالنسبة الى الباحثين هي اكتشافهم أن الشعراء المكفوفين في البوسنة وكوسوفو على كثرتهم، لم يكونوا ذوي مستويات "جيدة جدا"· ومات "باري" قبل أن ينشر عمله الميداني، فتولى استكمال المهمة مساعده "ألبرت لورد" وقام هذا برحلات عديدة إلى يوغوسلافيا في أوائل الخمسينات، وكانت تقنيات التسجيل قد تحسنت الى حدما، ثم جاءت سنوات التحليل بعد العودة الى جامعة هارفارد وإنشاء سجل محفوظات كبير من الأشرطة والمخطوطات، وكل هذا توج بصدور كتاب "مغني الحكايات" الذي يعد أكثر كتب كلاسيكيات القرن العشرين نفوذا وتأثيرا· وهذا الكتاب أعيد نشره الآن بعد أربعين عاما على صدوره مع مقدمة جديدة وتسجيلات على قرص مدمج لصوت آلة "الجوسل" وإنشاد الشعراء أنفسهم·

طباعة  

لماذا يساند حزب الخضر الأمريكي حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة؟!
 
حلقة باختين.. تجربة في البحث الجماعي