
كانت "حلقة باختين" مدرسة معاصرة للفكر الروسي محورها أبحاث ودراسات "ميخائيل باختين" (1895-1975)· حيث تناولت الحلقة بالدراسة والبحث القضايا الاجتماعية والثقافية التي فرضتها الثورة الروسية ثم انحدارها إلى تعابير فلسفية عبرت عنها دكتاتورية ستالين، وركزت الحلقة على مركزية قضايا الدلالة في الحياة الاجتماعية بعامة والخلق الفني بخاصة، في فحصها للطريقة التي تسجل فيها اللغة النزاعات بين الفئات الاجتماعية، وتقوم مفاتيح رؤية الحلقة على أن النتاج اللساني هو نتاج "حواري" من حيث الجوهر، يتشكل في عملية التفاعل الاجتماعي، وأن هذا الحوار يؤدي إلى تفاعل مختلف القيم الاجتماعية بكونها مسجلة في تعابير كلام الآخرين التي يعاد التأكيد عليها، وفي هذا السياق، في الوقت الذي تحاول فيه الطبقة الحاكمة تثبيت خطاب واحد كنموذج يحتذى، فإن الطبقات الثانوية التابعة تميل الى تدمير انغلاق هذه المنطق الأحادي، وفي المجال الأدبي، تمثل الملحمة والشعر القوى الجاذبة نحو المركز في نطاق الساحة الثقافية، بينما تكون الرؤية تعبيرا محكما من ناحية بنيوية عن النقد الإيديولوجي الشعبي، وقد تضمنت حلقة باختين كل من "ما تفي ايسافتش كاجان" (1889 -1937) و"بافل نيكولا فيتش ميد فيدف" (1891-1938) و"ليف فاسيليفتش بومباينسكي" (1891 -1940) و "إيفان إيفانوفتش وليسرتنسكي" ( 1902 -1944) وفالنتين نيكولافيتش فولوشينوف" (1895-1936) وآخرين·
بدأ "باختين" وحلقته في عقد الاجتماعات في مدن نيفيل وفيتبسك في بيلوروسيا في العام 1918 قبل أن تنتقل الحلقة الى لينغراد في العام 1942· وقد انقطعت الاجتماعات بسبب اعتقال الكثير من أعضاء الجماعة في العام 1929· ومنذ ذلك الوقت وحتى وفاته في العام 1975، واصل باختين بحث ودراسة الموضوعات التي شغلت جماعته في عزلته حيث نفي الى كوستاناي أولا في كازاخستان (1930 -1936)، ثم في سافيلوفو بالقرب من موسكو (1930 - 1936)، ثم في سافيلوفو بالقرب من موسكو (1937-1940)، وبعدها في سارانسك في مولدافيا (1945 - 1969)، وانتقل أخيرا الى موسكو في العام 1969، حيث توفي عن عمر يناهز الثمانين عاما وتشتهر حلقة باختين في أن من أطلقها كان "كاجان" إثر عودته من ألمانيا، حيث درس الفلسفة في "ليبزج" و"برلين" و"ماربورج"· وكان تلميذا لمؤسس الكانتية الجديدة هيرمان كوهن في ماربورج، واستمع إلى محاضرات "إنست كاسيرر، وأنشأ "كاجان" منتدى للدراسات الكانتية نوقشت فيه مختلف القضايا الفلسفية والدينية والثقافية·
وكان عضوا في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تفرع عنه الحزبان، البلشفي وحزب البيض، ومن المحتمل أنه انجذب الى فلسفة كوهن بسبب قرابتها المفترضة بالماركسية، مع رفضه لإلحاد الشيوعية الروسية، ومهما كان من أمر اتجاهات مؤسسة الحلقة هذا، إلا أن أعضاءها لم يقيدوا أنفسهم بالفلسفة الأكاديمية، بقدر ما انخرطوا في النشاطات الثقافية في زمنهم، وهي نشاطات ازداد التركيز عليها مع انتقال الجماعة الى فيتبسك، حيث أقام الكثير من الفنانين الطليعيين من أمثال "ماليفتش" و"شاجال" ليتجنبوا متاعب الحرب الأهلية·
ولم تطرح الجماعة أكثر أعمالها أهمية إلا بعد الانتقال الى ليتغراد في العام 1924، وبدا أن الجماعة حين أصبحت واعية بالفعل بالتحديات التي فرضتها ألسنية فرناند دوسوسير وتطورها في أعمال الشكلانيين الروس، ومن هنا برز وعي جديد بأهمية فلسفة اللغة في الفلسفة والشعر، وفي الفترة ما بين 1926 -1930، نشر "فولوشينوف" أكثر الأعمال أهمية في فلسفة اللغة، وهي سلسلة من المقالات ظهرت في كتاب في ما بعد تحت عنوان "الماركسية وفلسفة اللغة"، وساهم "ميدفيدف" الذي كان مسؤولا عن محفوظات الشاعر الرمزي، "الكساندر بلوك" في المناقشات الحادة بين منظري الأدب الماركسيين والشكلانيين بسلسلة مقالات وكتاب حمل عنوان "المنهج الشكلي في الدراسة الأدبية" (1928)، وفي العام 1929 أنتج باختين الطبعة الأولى من دراساته الشهيرة في أدب ديستويفسكي تحت عنوان "مشكلات أعمال ديستويفسكي الأدبية"، ولكن الكثير من أعماله الأخرى التي ترجع الى العام 1924 و 1929 ظلت غير مكتملة وبلا نشر·
وبين هذه الأعمال مقال نقدي يتناول النزعة الشكلانية يحمل عنوان "مشكلة المحتوى والمادة والشكل في الخلق الفني الشفاهي" (1924)· ودراسة بحجم كتاب تحمل عنوان "المؤلف والبطل في النشاط الجمالي" (1927)·
ومنذ سبعينات القرن العشرين، نُسبت الأعمال التي نشرت تحت اسمي "فولوشينوف" و"ميدفيدف" بأغلبيتها الى باختين، الذي لم يقبل أو يرفض، وكتب للكثير حول صحة هذه النسبة من عدمها، ولكن في ضوء عدم وجود أدلة ملموسة تشير الى أن المؤلفين المنشورة هذه الأعمال بأسمائهم ليسوا هم المسؤولون عن النصوص، يبدو أن لا إجابة محددة في هذا الخصوص، ويبدو على الأرجح أن مادة هذه الكتب كنتيجة لمناقشات هذه الجماعة حول هذه القضايا، والتي سجلها أعضاء الجماعة في ما بعد كل حسب منظوره، وهنالك الكثير من التعارضات الفلسفية والإيديولوجية والأسلوبية تشير، رغم حضور تماثلات معينة ونقط اتفاق، إلى أن هذه الأعمال المختلفة هي نتاج مؤلفين مختلفين، وحسب فلسفة باختين نفسه، يبدو من المنطقي معاملتها كنتاج مشترك لحوارات قامت بين أعضاء الجماعة من جانب، وبينهم وبين المفكرين المعاصرين الآخرين من جانب آخر·
· عن موسوعة الفلسفة على شبكة الإنترنت