رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 19 يوليو 2006
العدد 1737

كانت غايته أنْ يموت فوق خشبة المسرح
"شارلي شابلن" العرب/مدبولي.. غيَّبه الموت ولم تغب مآثره وإنجازاته وإبداعاته(1-2)

                                                                            

 

·         داهمته الشيخوخة وأمراض القلب والكبد والتهاب الرئة، وارتفاع معدلات السُّكر·· ومع ذلك ظل قلبه يخفق حبا للمسرح

·         فؤاد المهندس ظل على اتصال دائم به لحظة بلحظة·· وتلاميذ "المدبوليزم" كانوا في مقدمة العزاء

·         الفرنسيون نصحوا بعودته·· وأطباء مصر خرج الموضوع من أيديهم

 

كتب: الدكتور نادر القنّة:

صاحب مدرسة المدبوليزم madbolizme وعميدها، وفيلسوفها، ومؤسسها، ومنظرها، وباني قواعد الفنان "عبدالمنعم مدبولي" كانت غاية أمانيه أن يموت وهو واقف فوق خشبة المسرح· شأنه في ذلك شأن الكبار والعمالقة الذين سقطوا في بلاتوهات السينما، واستديوهات الإذاعة والتلفزيون، أو الذين فاجأهم الموت وهم في محترافاتهم، أو فوق منصات التتويج··· غير أنّ القدر لم يمنح مدبولي هذه الوفاة الرومانسية، ولم يمنحه تلك الفرصة التاريخية الخالدة·· فلم يسقط مثل الساسة فوق عرشه وهو قابض على الجمر يدافع عنه، ولم يلق حتفه مثل جنرالات الحرب وهم مغروسون في أرض المعركة·· فمات بعيدا عن عرشه وحاضنته ومملكته (خشبة المسرح) التي عشقها حتى النخاع ما يزيد عن ستة عقود من الزمان·· وجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن·· ومع ذلك، ورغم تبدد هذه الأمنية فإن "مدبولي" في حضوره وغيابه يشكل ظاهرة فريدة من نوعها في الفن العربي بشكل عام· وفي المسرح بشكل خاص· فهو أحد النُخب الكبار في هرم التمثيل المسرحي العربي· فلا يُذكر فن التمثيل الكوميدي إلا وىُذكر مدبولي، ولا يُذكر مدبولي إلا في حاضرة المسرح الكوميدي الرصين، حقا إنه شارلي شابلن العرب من غير جدال·

إذن· الأماني شيء، والواقع والقدر شيء آخر· فها هو شيخ الكوميديا العربية، وفيلسوف فن التمثيل (التراجيكوميدي) الفنان عبدالمنعم مدبولي ( 1921 - 2006) يضع القدر النقطة الأخيرة في رحلته الحياتية فوق السرير الأبيض بغرفة العناية المركزة بمستشفى "المقاولون العرب" شرق القاهرة، بعد أنْ أعياه القلب الذي أسعد ملايين الناس في الأقطار العربية طوال رحلة فنية امتدت لقرون ستة، بل وتجاوزت ذلك في تقديري، بعيدا عن التواريخ غير الثابتة في حياة مدبولي·

بجانب أمراض الشيخوخة وتقدم العمر·· كان الفنان الراحل يعاني من التهاب رئوي حاد، وهبوط في مناعة الجسم، وصراع غير قصير مع أمراض القلب ومضاعفاته·· الأمر الذي تقرر بموجبه في الأيام الأخيرة ضرورة دخوله إلى مستشفى المقاولون العرب لتلقي العلاج من تفاقم مرض القلب، حيث عانى من توقف نبضاته، مرتين قُبيل رحيله بأربع وعشرين ساعة·

وبحسب التقارير الطبية فإن مدبولي قد تمّ نقله لغرفة العناية المركزة بمستشفى المقاولون العرب خلال الفترة الماضية عدة مرات، وذلك في أعقاب عودته من باريس، حيث كان من المقرر إجراء عملية جراحية لاستئصال الطحال، غير أنّ الطاقم الطبي الفرنسي نصحه بعدم إجراء هذه الجراحة لتأخر حالته الصحّية·

وفي الأيام الأخيرة كان مدبولي يتغذى عن طريق الأنابيب والمحاليل، وكانت التقارير الطبية تؤكد أن حالته الصحية بشكل عام حرجة، حتى وإن كان يستجيب بين اللحظة والأخرى للكلام، والحركة مع الطاقم الطبي، أو مع أسرته·

ورغم الجهود الطبية المكثفة التي تابعت حالة الفنان عبدالمنعم مدبولي داخل المستشفى، إلا أن صحته كانت في تراجع مستمر خلال الأيام الأخيرة، حتى فارق الحياة فوق سريره بمستشفى المقاولون العرب يوم الأحد التاسع من يوليو 2006، ليعلن الأطباء أن الفنان القدير عانى من مشاكل في وظائف جميع أجهزة الجسم بما في ذلك القلب والكبد، بالإضافة إلى التهاب الرئة وارتفاع معدلات السُكر في الدم، وكما أشرنا فإن قلب مدبولي قد توقف مرتين خلال الأربع والعشرين ساعة في التاسع من يوليو، قبل أن يتوقف نهائىا، وينتقل إلى الرفيق الأعلى·

تروي الصحافية "مروة فتحي" في تقريرها الصحافي قصة مرض الفنان الراحل بشكل موجز وتقول: "كانت رحلته مع الألم والمرض قد بدأت منذ فترة ليست بالقصيرة حيث ظل فيلسوف الضحك الذي رسم الابتسامة على شفاه الملايين زبونا متقطعا على عيادات الأطباء خلال السنوات الأخيرة، وخضع لجراحات سابقة، وتطورت معاناته الأخيرة مع المرض منذ مطلع مارس الماضي (2006)، حيث لم يتمكن من مواصلة الوقوف على خشبة المسرح·· وكان قد سافر الى باريس قبل ما يقرب من شهر (مايو - يونيو 2006) لإجراء جراحة بمستشفى امبرواز بطلب من طبيبه المعالج في القاهرة الأستاذ الدكتور مصطفى الصيرفي رئيس قسم الأورام بالمعهد القومي للأورام في مصر، والذي نصح بسرعة إجراء الجراحة في أعقاب التدهور الكبير الذي شهدته حالة مدبولي الصحية وحجز له في المستشفى·· إلا أن الأطباء الفرنسيين بعد نتائج الفحوصات والتحاليل التي طلبها البروفيسور العالمي (برناد لينجز) الذي أشرف على الحالة الصحية للفنان الكبير· قرروا أن الحالة لا تحتمل إجراء الجراحة، وفضلوا عودته الى مصر، والخضوع للعلاج العادي تحت إشراف طبيبه المعالج الدكتور الصيرفي·· وانتقل الفنان الكبير للإقامة عند ابنته الصغرى أمل التي وفرت له الرعاية الطبية، وداهمته الأزمة الصحية الأخيرة التي أدخل على إثرها غرفة العناية الفائقة بمستشفى المقاولون العرب التي ظل بها حتى رحيله"· (جريدة الرأي العام)·

وقد جاء رحيل الفنان عبدالمنعم مدبولي قُبيل ساعات فقط من تكريمه في المهرجان الأول للمسرح المصري، الذي تقرر أن تكون انطلاقته في يوليو  2006، وكان من المفترض أن يتم تكريم الفنان مدبولي بجانب الناقد الراحل نبيل بدران، والفنان فؤاد المهندس، والممثل حسين الشربيني· ومع أن رحيله المفاجىء قد أربك إدارة المهرجان التي كانت تسعى الى تتويجه رائدا للكوميديا المسرحية المصرية المعاصرة بجانب زميل دربه فؤاد المهندس، إلا أن الترتيبات بقيت كما هي في ظل غياب / الحاضر دوما عبدالمنعم مدبولي· وهو ما أكده نقيب الممثلين أشرف زكي بقوله: "إن فقدان مدبولي لا يعوّض فهو خسارة كبيرة للفن المصري والعربي، حيث كنا نتعلم جميعا منه، وكنا قد أدرجنا اسمه في أوائل المكرمين للمهرجان، وكنا نتمنى أن يكون حيا ليرى تكريمه من قبل محبيه وتلامذته· سنكرم اسم الراحل، وسنشارك جميعا في جنازته"·

وكانت القاهرة التي تسلل الى شوارعها وحواريها وبيوتها الحُزن والألم بوفاة فيلسوف الكوميديا العربية المعاصرة، قد ودعت ابنها البار (عبدالمنعم مدبولي حسن) بعد ظهر يوم الاثنين العاشر من يوليو 2006· بحضور وزير الثقافة فاروق حسني، ومندوب رئاسة الجمهورية موفدا عن الرئيس المصري محمد حسني مبارك، ونقيب الممثلين أشرف زكي· وبمشاركة عدد من الفنانيين من تلامذة مدبولي، من أبرزهم: حسين فهمي، صلاح السعدني، جمال إسماعيل، أحمد بدير، محمد رياض، محمود القلعاوي، وخيرية أحمد· بالإضافة الى عدد كبير من عشاق فن المدبولي ومن محبيه، كان في استقبال المشيعين أبناء الفنان الراحل: أحمد ومحمد وأمل، وأحفاده حازم وسيف ونور أما الجنازة فقد انطلقت من مسجد "آل رشدان" بحي مدينة نصر في شرق القاهرة الى المثوى الأخير للفنان الراحل·· لتسجل القاهرة على جدرانها بحروف مشعة أجل الذكريات لفنان عبقري، مرهف الإحساس، عاشق للفن وللمسرح، اسمه عبدالمنعم مدبولي حسن·· عرف بحنكتهه وفطرته وماهرته كيف يصون عرش الكوميديا المصرية الرصينة، وكيف يتربع على هذا العرش مع زملاء دربه وتلامذته من أبناء المدبوليزم لفترة زمنية غير قصيرة في النصف الثاني من القرن العشرين·

ذكريات كتبها المدبولي بعرقه واجتهاده ومرارة يُتمه وحرمانه، وطفولته المعذبة· بل وبشقاء السنين، والعمل الدؤوب المتواصل·

 وبإخلاصه لفنه، ووطنه، وثقافته، وناسه، ومحبيه، وبتواضعه الجم الذي صنع منه عملاقا في زمن العمالقة، ومدرسة فنية في أوج ظهور المدارس·

ذكريات ثرية وغنية بكل تفاصيلها المحكية، ترويها لنا العقود الست الماضية·· وهي تتحدث عن الفن الجميل، والزمن الجميل، وكوميديا الفُرسان، والعصر الذهبي للمسرح، وتقص لنا بكل صدق حكاية الفنان "بابا عبده" الذي لم يعشق شيئا في حياته غير الفن، بل وعلى وجه التحديد "المسرح" الذي كان يحلم في يوم ما أن يسقط واقفا فوق خشبته·

القاهرة، رغم ازدحامها وتشابكاتها، ورغم تعقيد التفاصيل فيها، فإنها لن تنسى في يوم ما ذلك الفنان العبقري الذي أعاد بإلهامه وإبداعه وفطرته صياغة الكوميديا المسرحية المصرية بأسلوب عصري، لن تدير ظهرها لفيلسوف الضحكة الشعبية، الضحكة الباكية، والكلمة المشبعة بالألم والابتسامة عبدالمنعم مدبولي، إذ سيظل اسمه وساما قاهريا معلقا في شوارع العاصمة العتيقة، يذكرنا بفنه الجميل الهادف، وبمشواره وعصاميته في درب النجوم، والأساطين، والعباقرة· باقيا في الذاكرة الشعبية المصرية بقاء الأهرامات صامدة في وجه الزمان·

لقد جاء رحيله في وقت كان يستعد فيه لبطولة مسرحيته الجديدة لهذا الموسم (أمير الخيال)· وهي مسرحية موجهة للأطفال، من تأليف يعقوب الشاروني، وإخراج حسام عطا·· يشاركه البطولة عدد من الفنانين من أبرزهم: أشرف عبدالغفور وعزة لبيب، ومنال عبداللطيف·

في تدريبات هذه المسرحية قاوم عبدالمنعم مدبولي المرض، وطرده من داخله، وانتصر عليه بإرادته، ووقف عجوزا حكيما متقدما في السن فوق خشبة المسرح، متكئا على عصاه، من غير أن ينسى اعتمار "برنيطته" التقليدية، ونظارته السميكة التي تعينه على الرؤية والسياحة في فضاء المسرح، مستمعا باهتمام بالغ الى إرشادات وتعليمات المخرج حسام عطا، الذي يبدو بالنسبة إليه أحد أحفاده في الحقل المسرحي·

وفي هذه التدريبات ضرب عبدالمنعم مدبولي أفضل الأمثلة النموذجية للفنان العاشق لفنه، ومهنته، ولتقاليد المسرح التي أرسى أركانها منذ ستينات القرن الماضي حينما تفجرت موهبته عن أسلوب جديد في التعاطي مع الكوميديا المسرحية من غير ابتذال وإسفاف·· وقف بكل احترام يستمع لإرشادات المخرج الشاب من غير استعلاء أو استكبار، ومن غير أن يسمح لتاريخه ونجوميته أن يطغيا في الحضور قبالة أسماء واعدة شابة ناهضة مازالت تتلمس الطريق بعد، لقد كان حضوره حضور الحكمة ذاتها، وحضور القلب الحنون، وحضور التجربة الغنية بكل أبعادها ، حضور النجم الذي يصر على أنْ يتعلم ويستفيد من كل الخبرات والطاقات حتى آخر لحظة في حياته، مؤكدا أن تعلم المسرح لا سقف له، غير معترف بحدود زمانية أو مكانية للتعلم، وأنه لا يتوقف عند مرحلة سنّية أو نجومية بعينها· هو ذلك العبقري الشامخ في عطائه، وموهبته، وفنه، وإبداعه، ونتاجاته· الفنان عبدالمنعم مدبولي·

 

 

طباعة  

الموت يغيّب الكاتب والناقد المصري الدكتور سمير سرحان
 
رغم وحشية القصف الصهيوني لمطار بيروت
مهرجان الإبداع العربي في لبنان يكرم المبدعين العرب

 
نجاة فؤاد المهندس من الموت بأعجوبة
 
بعد أن وصلت كلفته الإنتاجية 14 مليون جنيه
"حليم" لزكي: دموع وتصفيق في عرض خاص