رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربــعــــــــــاء 1 يوليو 2009
العدد 1802

سعدية مفرح.. يمامة رغم تواضع أحلامها مازال يراودها وطن

كتبت حنان عبد القادر

امرأة الأحلام المؤجلة.. تحاول اقتناص الفرح أينما كان، ابتداع لحظاته لاتنتهي، تسرقها الدهشة في عوالمها ؛ فتحثها على استقصاء إجابات لأسئلتها المعلقة، وإذا وعد بكتابة جديدة لاتعلم أيهما يكتب الآخر، ويبقى الشعر وحده القادر على سبر أغوارها، وحده القادر على تضميد جراح يتمها، ملء فراغات روحها، تلوين عالمها وأنس غياباتها فهو في روحها: «تلك الإضافة التي كان لا بد منها لكي تكتمل استدارة الكرة الأرضية، ويصير الشجر أشد اخضرارا، والسماء أشد زرقة، والبشر قادرين على الحياة، والصور الرمادية ملونة، .والقلوب أكثر اتساعا، والضحكات أعلى رنينا. الشعر اقتراح الحياة الأول، وصورتها النهائية. الشعر وحده القادر على ملء فراغات أرواحنا الخاوية بما يجعلنا أكثر قدرة على الحياة والحب …وعلى الموت أيضا ، الشعر يستحق أن يكون معيارنا الأول في نظرتنا لخيارات الحياة المتعددة . وهي التي رأت العالم : «سيصبح كائنا يتيما لولا الشعر، سيظل بحاجة إلى الشعر حتى يبقى عالما حقيقيا، وستظل السماء بحاجة للشعر حتى تظل سماء حقيقية.وتنظر إلى الشاعر على أنه: «وحده يستطيع إعادة رسم الأشياء وتلوين الملامح المرسومة بالأبيض والأسود… وحده القادر على ملء فراغات الروح بالموسيقا.

 وترى حياتها: «عبارة عن غياب متراكم، وأكاد لا أتحقق إلا بالمزيد من الإصرار على حجم الغياب فيها...»

هذه هي ، الشاعرة التي استطاعت أن تؤمن بأحلامها ، وتسعى لترسمها واقعا حتى تكرم عام 2006، مع أديبات يعتبرن من رائدات الأدب العربي.. والحركة الثقافية العربية بشكل عام هن: غادة السمان، ورضوى عاشور، وفاطمة المرنيسي، من جمعية «نساء المستقبل» في نيويورك ، لشجاعة خطابها، وجدية مسارها الصحفي والأدبي.. ولأن النص الشعري الذي تكتبه يستكشف النفس البشرية، ويطرح أسئلة الوجود التي تشغل كل إنسان على مختلف انتماءاته وجنسيته وظروف حياته ومجتمعه.

وتترجم قصائدها إلى عدد من اللغات الأجنبية مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والاسبانية والسويدية والطاجيكية والفارسية.

إنها الشاعرة سعدية مفرح، التي تعمل بالصحافة مذ كانت في الثامنة عشر من عمرها وحتى الآن، فهي تشغل رئيسة القسم الثقافي في الزميلة «القبس» وتكتب في مجلة العربي وجريدة الرياض السعودية كما تشارك في كتابة مقالات نقدية ومراجعات صحافية أسبوعية وشهرية دورية في بعض الصحف والمجلات العربية.

• صدر لها حتى الآن مجموعة من الكتب الشعرية وهي :

1) آخر الحالمين كان - 2) تغيب فأسرج خيل ظنوني - 3) كتاب الآثام - 4) مجرد مرآة مستلقية

5) تواضعت احلامي كثيرا.

• تهتم بالكتابة الشعرية للطفل، وأصدرت لها مجلة العربي مجموعة شعرية للأطفال بعنوان «النخل والبيوت « قالت عنها ذات لقاء:

«كنت أتمنى لو أنني كتبت تجربتي الوحيدة والتي صدرت على هذا الصعيد  بشكل أفضل، ويبدو أن عدم حمـاستي لها يرجع إلى عدم إعجابي بها كثيرا . لكنني نشرتها ربما  حتى أتخلص منها وأحاول كتابة ما هو أفضل، خاصة وأنا دائمة الاهتمام بكتابات الطفل وما يكتب له ، وأتمنى أن أنجح في كتابة قصيدة مختلفة جدا عن السائد للطفل …أحس أنني محتشدة بهذه الأمنية ومستعدة لتحقيقها… »

اكتشاف أثر الاغتراب

صدرت عن تجربتها بعض الكتب والدراسات باللغة العربية والانجليزية أهمها كتاب «انتحار الأوتاد في اغتراب سعدية مفرح «للناقدة العمانية سعيدة بنت خاطر الفارسي، وفي ذلك صرحت سعدية:

«إن ما كتبته عني اعتمادا على قراءتها لأشعاري فاجأني كثيرا.. وأسعدني أن يعكسني بهذا الشكل الذي قدمت فيه تأصيلا ساعدني على اكتشاف أثر الاغتراب على قصيدتي بشكل مباشر أو غير مباشر.

والاغتراب الذي رصدته الدكتورة سعيدة الفارسي في مجموعاتي الشعرية ، هو الاغتراب الاجتماعي والاغتراب القومي بالإضافة إلى الاغتراب عن المدينة، وكل هذه (الاغترابات) التي رصدتها الباحثة في شعري هي اغترابات حقيقية، لكنني لم أكن أعي أنها موجودة بهذا الشكل إلا بعد أن قرأت الكتاب، خاصة أنني لم اكن اقصد التعبير عنها، ولا حتى الاشارة اليها، فموضوعات القصيدة لا يعرفها الشاعر بالضرورة وخصوصا تلك التي تنجد في احتلال زواياها الخفية بين سطور الشعر، وتحاول أن تبث أنفاسها بين مفردة وأخرى دون أن تظهر تحت الضوء».

هي امرأة قهرها عرف مجتمع ، فحاولت إثبات وجودها فيه .. وهي ترى قاهرها الرجل : يمارس قمعا وقهرا مقيتا في مجتمعاتنا ضد المرأة ولكن هذا لا يعني أنه شخصيا قد حقق ذاته الحرة ، بل أن قهره للمرأة يعود بالدرجة الأولى إلى ما يعاني منه هو شخصيا من قهر وبالتالي فإنه يمارس قهر المرأة  وفقا لفكرة تصدير القهر الممارس ضده نحو المرأة ..»

ضحك كالبكاء

وترى أبناء جيلها «الأكثر وعيا بمعطيات المرحلة التي يعيش في خضمها، وهذا لا يعني انهم الاكثر ثقافة مثلا.. لكن الوعي بتلك المعطيات قدم لهذا الجيل حلولا فردية لا بأس بها للتعامل مع قضاياه الخاصة و العامة عبر شعريته غير الخاضعة لاشتراطات فنية خانقة.. كما كان يحدث في السابق. نحن اكثر حرية في تداول الشعر وتناوله والتعبير من خلاله حتى عن اللاشيء، ونحن أيضا اكثر قدرة على تخليص قصيدنا من ضرورة ان يكون له وظيفة ما سواء اكانت هذه الوظيفة معنية بالشأن الاجتماعي او السياسية او حتى الشأن الخاص . قصيدنا هو نحن بكل متناقضاتنا وبحجم وعينا الناتج عن كل هذه الاحباطات والانكسارات التي يبدو أننا تآلفنا معها حتى أنها لم تعد تثير حنقنا بقدر ما تثير سخريتنا، ولم تعد تستفز دموعنا بقدر ما تستثير ضحكنا.. ولكنه ضحك كالبكاء..!!

الإنسان عنوان العدالة

همها الأثير هو «الإنسان في كل زمان و مكان، وفي كل ثقافة، و ديانة. وبالتالي يمكن أن يكون عنوان «العدالة» عنوانا صالحا للتعبير عن هذا الهم الذي أحاول أن أعّبر عنه بدوري من خلال شعري، ولكن بطريقة غير مباشرة».

وهي تبحث دائما عن التغيير: «وأحاول أن أخوض غمار التجريب حتى لو كتبت قصيدة عمودية ولكنني أتمنى أن أخترع قصيدتي الخاصة على صعيد اللغة والموسيقا والصور والتراكيب وما يحتوي كل ذلك من إهاب شعري  .

الموهبة في رأيها هي القادرة دائما على صنع المعجزات الإبداعية بغض النظر عن حالة المبدع ، والمتلقي يعد ركنا ركينا في عملية الإبداع فكثير من النصوص الشعرية لا تكتمل إلا بتلقي القارئ لها ، فلايزال يراودها نقص شعري ،ولا يزال هذا النوع من النقص الشعري الكامن لدى المتلقي هو أحد تجليات الكمال الشعري في القصيدة الخالدة.

الصحافة الثقافية

وعن الصحافة الثقافية، وصفحاتها تقول: «ليس مطلوب من الصفحة الثقافية إيجاد ثقافة بقدر ماهو مطلوب منها عكس الحالة وتكريسها وتفعيلها. وجزء من هذا الدور يترجم في إثارة قضايا واكتشاف أصوات إبداعية جديدة وتكريس الأصوات الموجودة بالفعل ونشر الأخبار المتعلقة بالحدث الثقافي وتغطية الأنشطة وغير ذلك.

والصحافة الثقافية اليومية لا تصنع المشهد الثقافي ولكنها تساهم في تفعيله، وبالتالي تساعد على بلورة الكثير من الأفكار والرؤى الثقافية، وتقديمها للقارئ باعتبارها منجزا جاهزا أحيانا، و رسم خرائط واضحة للوصول إليها في مظانها الأصلية أحيانا أخرى. ولعل واحدا من الأدوار المهمة للصحافة الثقافية اليومية بشكل عام هو مساهمتها في النشر للأصوات الأدبية الجديدة والتي لا تجد مساحة لنشر إبداعاتها الأولية في المجلات الثقافية المتخصصة». وتضيف: «لعل هذا ما يبرر اضطرار المحررين لهذه الصفحات إلى التساهل قليلا في معايير النشر وهم بصدد النشر للأصوات الواعدة. ورغم أن الصفحات الثقافية العربية حققت الكثير من الإنجازات على صعيد تفعيل المشهد الثقافي العربي بشكل عام، إلا أن مشكلتها الكبرى هي عدم وجود حريات تناسب طموح الكاتب العربي على هذا الصعيد. بالإضافة إلى أن الكثير من القائمين على أمر الصحافة العربية لا ينظرون نظرة ود للصفحات الثقافية باعتبارها لا تجلب الكثير من القراء وبالتالي لا تجلب الكثير من الإعلانات والتي هي عصب الحياة بالنسبة لأية صحيفة!!.

التطور البنائي

ولأنها تؤمن بالتطور البنائي، وتعتقد في القول الذي مؤداه: «اللي ماله أول ماله تالي» وتحترم الماضي الذي يقوم على أكتافه الحاضر ثم المستقبل تقول: «لست من أنصار قتل الأباء أو إلغائهم، بل من أنصار التحاور، والاستفادة من تجاربهم، حتى وإن أدى ذلك إلى الاختلاف معهم، وهو يؤدي غالبا، أو يتسبب في القطيعة معهم، وهو يتسبب أحيانا ومن هذا المنطلق أنظر لتلك الرموز الجميلة التي مرت بتاريخنا الثقافي وأضافت له الكثير، وأثرت في كل الأجيال التي أتت بعدها حتى لو لم تعترف تلك الأجيال بذلك التأثير أو حجمه أو طبيعته».

هي الحالمة دوما بالسفر، ولما عز الحلم عن التحقق، ابتكرت جغرافياتها الخاصة التي لا يحتاج السفر إليها إلى تأشيرة مرور.. وعن حلمها الدائم الأكثر تواضعا من قلبها اللؤلؤي تعترف:

آه من البشر، إنهم الكائنات الوحيدة التي تجيد الظلم وتمارسه بحرفية موروثة يزيدها التدريب مهارة!!.، لذا.. أحلم بعالم أقل صخبا، عالم يتكون من سماء أكثر اتساعا، وأرض أكثر حميمية وأصدقاء أقل عدوانية وبيت أكثر دفئا، وقصيدة شعر..مجرد قصيدة شعر، ألم أقل لكم إن أحلامي متواضعة جدا؟!.

وقال لها الشعر :.

هئت لك ..الآن ......

حلي ضفائرك الخضيبة

وانفضي عنك السكوت

وأسرجي قنديل قلبك

يا مهرا ... أتعبه الحنين

فإن « غادرتك البلاد التي غدرت بالهوى «

فأوي إلى « جبل من كلام»

فإن « راودتك ، وراودتها»

فلا تجعلي الليل يرخي سدولا من الوهم

حين تنتاب روحك الحالمة

موجة عشق جميل .

وكوني كشمس

كل مساء ..

تنفض عن ذيل عباءتها

سخافات العابثين

وتبهرنا في الصباح

بثوب زفاف جديد .

اشرئبي .....

كما النخل باسقة

تدغدغ أقدامها السخريات

وتدهشها في العلا الأمنيات

فتهدي لحشد المريدين

أجمل أسمالها

وتطعمهم

طيب أثمارها

وهم من شروها بثمن بخس

خناجر مسمومات

وألسنة حدادا

قد آن لك الآن

ألا تخافي ولاتحزني

وقومي فهزي إليك الحلم

فيساقط ربيعا

ولا تنشدي عدل أوراقهم

فماذا يفيد

وتلك النفوس التي أثقلت بالرماد

ترى كل «زرقاء»....

يمطر من مقلتيها القذى

وكل ورقاء ......

أم قويق تنعق في خدرها

فلا تطلبي صدق إنصافهم

فأنت التي ........

وأنت الـ .........

ليست كما يزعمون

وقد هئت لك الآن

شفيفا كروحك

عبقا كأنفاسك الحائرة

فاجدليني نطاقا

وانثريني نجوما

بحلكة وحدتك الجائرة

وقدي ستائرك المسدلة

لأغزو صمتك

هذا الأثير

وأحرمك

لذة الانفراد

بنمنمات التفاصيل

أيا امرأة ......

دوختها المعاني

وأثملها

في الغناء

....صهيل.

«إهداء خاص لصاحبة الروح الشفيفة الشاعرة: سعدية مفرح

 

طباعة  

اليوم العالمي للتنوع الثقافي نعم للحوار بين الحضارات.. لا لمنطق الرفض والانعزالية