· لابد من إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع
· هناك حاجة ماسة لتفعيل جمعيات المجتمع المدني في المملكة
· يجب إعادة الاعتبار للمواطن السعودي وإدخاله في دائرة الحكم وصناعة القرار
أ·د· متروك الفالح
استاذ السياسة المقارنة والعلاقات الدولية (سابقاً)
قسم العلوم السياسية ـ كلية العلوم الادارية
جامعة الملك سعود ـ الرياض
العلاقات السعودية الغربية وبالذات بطرفها الأمريكي كانت تتسم بشكل عام بالتميّز طوال العقود الخمسة الماضية وحتى بداية الألفية الثالثة الميلادية· غير أن ذلك التميّزلم يكن، بالضرورة على وتيرة واحدة إذ شهدت العلاقات الغربية ـ السعودية، ومنها الأمريكية تحديدا، حالة من التوتر وعدم الاتساق خصوصا في فترة ما بعد 1995/1996 حيث تفجيرات الرياض والخبر ضد القوات الأمريكية والتي أسست وأرست لبداية قلق شعبي من الوجود الأمريكي، وكذلك عدم ارتياح رسمي من التدخل في الشؤون الداخلية خصوصا في إطار التحقيقات في تلك الأحداث· تلك الحالة العامة من العلاقات السعودية ـ الأمريكية والتي كانت على ما يبدو متميّزة، وان لم تخل من توتر كما أسلفنا، بدأت تتبدد على نحو لم يكن مسبوقا من قبل وذلك بعد الهجمات المميتة في واشنطن ونيويورك وبنسلفاينا في الحادي عشر من (سبتمبر) عام 2001·
ذلك الحدث وتوابعه في سباق ما سمي الحملة ضد الإرهاب بما في ذلك الحرب ضد أفغانستان ـ ولربما مستقبلا، ضد دول عربية أو إسلامية وكل ذلك يشير الى أن المسلمين ومنهم العرب تحديدا هم المستهدفون بدرجة واضحة من كل تلك الحملة واتجاهاتها ـ فتح ملف العلاقات الغربية العربية ومنها السعودية ـ الأمريكية تحديدا على مصراعيه باتجاه إعادة صياغتها أو تغييرها وعلى نحو بدا أنه يؤسس لأزمة ذات مخاطر على البلاد العربية عموما ومنها الدولة والمجتمع في السعودية تحديدا· تلك المخاطر تبدو هذه المرة مخاطر حقيقية وجدية وبالتالي تتطلب في المقابل معالجة حقيقية وجدية ولكن على أسس وصيغ جديدة لتتواكب وتتعامل مع مرحلة جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها·
3 ـ الإحاطة بالأزمة
الداخلية والخارجية وبديل الإصلاح
إن جوهر الأزمة بين الدولة والمجتمع يرتبط كما أسلفنا بانغلاق الأفق والنطاق السياسي للنظام في وجه القوى والفئات الاجتماعية والشعبية وما ولدته تلك الحالة من افتراق بين الطرفين، إن معالجة الأزمة الداخلية لا تتم من خلال المعالجة لبعدها الخارجي مع الغرب بمزيد من الاتساق معه وهو ما يعمق ذلك الافتراق ويزيد أزمة الشرعية للنظام تعقيدا، وليس عن طريق الحلول الأمنية والقسرية ومحاولة المراهنة على الوقت بمعالجات وقتية وظرفية، إن معالجة الأزمة الخارجية وكذلك الأزمة الداخلية تتجه جوهريا إلى الإحاطة بمسألة ذلك الافتراق وما يتطلبه بالفعل من الاتجاه إلى إصلاح الدولة وإعادة بنائها بصياغة جديدة للأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية·
إن نظريات التنمية السياسية بجميع تياراتها وتشعباتها (مدخل بناء الدولة القومية، ومدخل معضلة الخيارات ومسألة التحديث والاستقرار السياسي ومدخل قوة وضعف الدولة) تؤكد جميعها، وبرغم الملاحظات عليها، أن قدرة النظام السياسي لأي دولة على الاستمرار والبقاء والارتقاء بالمجـتمع ومقدراته، تقوم على قدرة ذلك النظام والدولة على التكيّف مع التحديات الداخلية والخارجية وضروراتها، كل ذلك مرهون بمرحلة من المراحل بقدرة ورغبة النخب الحاكمة على المضي في ذلك الاتجاه وليس الوقوف عند فكرة اللحظة التاريخية لتولد ذلك النظام باعتبار أنها وصياغاتها فكرة خالدة أويجب أن تستمر كذلك·
إن إدارة البلد وعلى الطريقة التقليدية حتى إن استندت إلى تكنوقراطية وبيروقراطية تبدو حديثة - لم تعد تتناسب والتغيرات المجتمعية المحلية وكذلك المعطيات الدولية والإقليمية المحيطة، كانت تلك الإدارة مناسبة ربما لفترة ما قبل نهاية الثمانينيات من القرن الماضي أما منذ العقد الأخير للقرن الماضي وبدرجة أكبر منذ دخولنا الألفية الثالثة فإن تلك الإدارة ليست فقط غير مناسبة بل إن استمرارها يشكل عبئا وتكلفة باهظة ليس على القائمين عليها فقط وإنما على البلد دولة ومجتمعا، ورغم ما يقال عن ديموقراطية الصحراء لتلك الإدارة ومجالسها فإن تلك لم تعد تمثل الإطار المناسب وكذلك فإن مرتاديها هم في الغالب من كبار السن وليسوا من الأجيال الجديدة والذين قد لا يجدون فيها الخلاص، ورغم الجانب الإنساني في تلك المجالس بأن يقابل أعلى قيادي في البلد مواطنيه (وبعض منهم بشكل دوري كما هي الحال مع سمو ولي العهد الامير عبدالله) فإن الأمر لا يخلو من آثار سلبية في الوقت ذاته، ذلك أن عددا من الذين يرتادون تلك المجالس غالبا هم من كبار السن والشيوخ والذين يأتون من أماكن بعيدة للبحث عن حلول لمشاكلهم والتي لووجدت الآليات والإجراءات والمؤسسات المركزية والمحلية ذات الصلاحيات والأطر القانونية، لما كان لهذه المعاناة أن تحدث وتستمر· أضف إلى ذلك حقيقة بشرية وهي عدم إمكانية وقدرة أن تستطيع القيادة، أي قيادة مهما أوتيت من قدرات ورغبات في ذلك الاتجاه (رغم احتمال وجود مستوى عال من الرغبة في ذلك) أن تحل مشاكل أفراد المجتمع وفئاته بهذه الطريقة والتي أيضا، إن وجدت، قد تبقى أسيرة للحاجب والوسيط والذي يتحكم بمن يدخل ومن لا يدخل ثم بعد ذلك للشارح والمنفذ والمتابع وكلها حلقات يصعب التحكم بكفاءاتها وبالتالي إضعاف تلك الإدارة عموما لدرجة أنها تولد نقيضها من حيث عدم قدرتها على الاستجابة لتلك الحاجة الاجتماعية العامة وبالتالي تصبح فعليا غير ملائمة·
ولحل الأزمة الداخلية في السعودية ـ ولربما في البلدان العربية الأخرى المماثلة قياسا ـ وبما هي علاقة بين الدولة والمجتمع فإن المخرج هو بديل الإصلاح والذي يتطلب التفهم وإمعان النظر فيه من قبل المعنيين ببقاء الدولة والمجتمع على حد سواء، وحيث إن بديل الإصلاح يتطلب إصلاح بنية الدولة وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس تكيّف قدرات النظام في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فإن الأمر يحتاج إلى تحديد الخطوط العامة للإصلاحات المطلوبة في تلك المجالات·
في المجال السياسي
يجب الانطلاق من فكرة جوهرية وهي الانطلاق من المواطن نفسه وإعادة الاعتبار إليه والثقة فيه بحيث يكون الأساس والجوهر هو إشراك المواطن في الحكم بمعنى إدخال المواطن إلى دائرة الحكم وصناعة القرار بدلا من أن يكون خارجها كما هو حاليا، تلك تقتضي معالجة مسألة المشاركة السياسية وهذا يتطلب إيجاد صياغة حقيقية لفصل السلطات (التشريعية، والتنفيذية، والقضائية) منطلقة من قيام نظام دولة ملكية دستورية بحكومة رئاسية وهذا يعني ويضمن بقاء واستمرار الملك على قمة هرم الدولة وهو ما يعني أيضا التأكيد على بقاء الأسرة السعودية باعتبارها القوة الأعلى في هرم قيادة وإدارة هذه الدولة، وهذا يعني أيضا أن الملك ستكون له سلطات سياسية أصيلة واضحة تعطيه الحق الدستوري عن طريق الإرادة الملكية في تكليف تشكيل الحكومة أوإقالتها إذا لم تنسجم مع السلطة التشريعية والقيام بمهامها أي برنامجها الحكومي بحيث تكون الحكومة أصلا مسؤولة امام السلطة التشريعية وبحيث يمكن للأخيرة التصويت على الحكومة بالثقة من عدمها وبمحاسبة الوزراء وكذلك المساءلة القانونية ومناقشة الميزانية والمصادقة عليها أورفضها، وأما من يكون الملك وهو رئيس هذه الدولة فهذا أمر يترك للأسرة السعودية وقد يكون من المناسب أن يقوم مجلس الاسرة والذي يفترض أن يتشكل بآلية ترضى الأغلبية عنها أوتتوافق عليها بعملية اختيار الملك، وتلك العناصر السابقة واللاحقة يجب أن ينص عليها دستور محدد النصوص وبموافقة شعبية عليه استفتاء شعبي ثم يربط ذلك الدستور للمراجعة أوالتعديل أو أي إضافة أوحذف فيه للسلطة التشريعية باعتبارها صاحبة الصلاحية في تلك الأمور، وتلك السلطة التشريعية والتي تأتي عن طريق آلية الانتخابات هي المؤسسة التي يتم من خلالها إشراك المواطن في الحكم وصناعة القرار، والسلطة التشريعية تلك يمكن أن تتكون من مجلسين بحيث يمكن إدخال القوى الاجتماعية الجديدة والشعبية وكذلك إيجاد التوازن مع القوى الاجتماعية التقليدية والأعيان والمشايخ وبعض الأقليات والعلماء، ولإتمام تلك العملية فإن مجلس الشورى الحالي يتطلب التطوير إلى سلطة تشريعية أصيلة وتحويله إلى مجلسـين، مجلس شورى منتخب للشعب وآخر للأعيان، ويمكن للأخير أن يتم اختيار أعضائه بالتعيين بحيث يضمن دخول تلك القوى التقليدية ومن في حكمها من أجل الموازنة وكذلك للإحاطة بالمسألة الاجتماعية·
وفي سياق تطوير مجلس شورى منتخب لربما هناك من يثير مسألة التخوف أو التخويف من الأبعاد القبلية والطائفية وكذلك الإشارة إلى عدم وعي الشعب في تلك الاتجاهات، وتلك حجة ليست قوية إذ أن بعض البلدان العربية (لبنان - الأردن - الكويت - اليمن) وكذلك الإفريقية وحتى في الهند ومناطق أخرى أتاحت المجال للانتخابات رغم التنوع القبلي أوالطائفي والعرقي ولم تتعطل العملية السياسية، فوق هذا ، فإننا نزعم أن القبيلة، كمؤسسة ناظمة مهيمنة على ومحركة لمن ينتمون إليها، في السعودية قد ضعفت وضعفت بدرجة كبيرة، وهذه الوضعية تنسحب على كافة القبائل في السعودية وإن كانت بنسب متفاوتة إذ هي بالشمال أضعف منها في الجنوب والوسط· وبغض النظر عن الفوارق تلك وأسبابها (ولعل هذه النقطة الأخيرة بما هي ظاهرة تحتاج إلى إعمال النظر والدراسة المعمقة لها) فإن فاعلية القبيلة في السعودية لم تعد واضحة إلا في مسألة الانتساب الاجتماعي وحل بعض المشاكل مثل الديات وتلك الأخيرة ليست أساسا مسألة سلبية بل إنها قد تكون إضافة في إطار بعض التكوينات للمجتمع الأهلي·
ومهما يكن من أمر فإن فاعلية القبيلة من حيث حركتها السياسية ومدى تحكم شيخها في تلك الحركة لم تعد محسوسة تماما، كذلك فإن القبيلة من حيث هي بنية ذات نظام سياسي واجتماعي وقانوني عرف ودينامكية في إطار الحمى الإقليمي والغزو باعتبار الأخير إحدى وسائل الحياة والعيش التي لم تعد قائمة أبدا ذلك أن الدولة أصبحت ليست فقط المنافسة بل المهيمنة خصوصا وأن الأخيرة هي المتحكمة بالموارد بكافة عناصرها، إضافة إلى ذلك فإن الانتخابات ومسألة البعد الاجتماعي منها إنما تحتاج إلى مزيد من الولوج باعتبار أن تلك تجربة تحتاج إلى المساهمة في إنضاجها، إن ذلك يتطلب البدء فيها وليس الانتظار لأنه ليس هناك نقطة نهائية للقول بالوصول عندها، أضف إلى ذلك كله أن تلك المخاوف يمكن تحييدها عن طريق آلية إيجاد المجلسين لكي تعطى الفرص المتوازنة لتلك القوى التقليدية مع القوى الأخرى وذلك من خلال مجلس شورى الأعيان وعن طريق التعيين لنسبة ما من أعضائه إن كان ذلك ضروريا وخصوصا في المراحل الأولى من العملية السياسية بصيغتها الإصلاحية، إضافة إلى ذلك كله فإن هناك من يرى وبناء على ملاحظة التجارب العالمية تاريخيا وحاضرا بأن التركيب القبلي أو الطائفي لم يكن عائقا تجاه التحول إلى المشاركة السياسية الانتخابية ذلك أن التوازنات القبلية بحد ذاتها وهي في سياق الندية والمساواة ستعمل على موازنة بعضها البعض وبالتالي قد تكون دعامة قوية ضد الطغيان والاستبداد ذاته، إضافة إلى السلطة التشريعية بشقيها (شورى الشعب والآخر للأعيان) فإن الحكومة (السلطة التنفيذية) يجب أن تشكل دائما بناء على اتجاهات الانتخابات في السلطة التشريعية ويكلف الملك الشخصية سواء أحد الأمراء أو أحد أبناء الشعب ويفضل الأخير وذلك بما يعفي الأسرة من مسؤوليات وتبعات إخفاق الحكومة وأدائها التي تشكل الحكومة من المجموعات أو القوى أو الكتل الأكثر وزنا (عدد المقاعد) داخل السلطة التشريعية لمجلس الشوري المنتخب، وبغض النظر عن من يرأس الحكومة فإن تشكيل الحكومة يجب أن يربط ببرنامج محدد ومسؤولية قانونية أمام مجلس شورى الشعب والأعيان بحيث يمكن التصويت على الحكومة وبرنامجها بالثقة أو سحبها ومساءلة الوزراء ومحاسبتهم وكذلك مناقشة الميزانية والموافقة عليها أو رفضها، وفي حالة تشكيل أي حكومة سواء في اعقاب الانتخابات التشريعية أو في حالة إحلال حكومة بدل أخرى نتيجة التصويت والأخيرة يجب أن تقدم استقالتها أمام الملك فإن ذلك يستند إلى صدور إرادة ملكية وبخطوط عامة للبرنامج الحكومي والذي يتحدد لاحقا بشكل تفصيلي لإقراره من السلطة التشريعية، ويمكن التأكيد على أن يحتل بعض المناصب الوزارية عدد من أفراد الأسرة السعودية وخصوصا بعض الوزارات السيادية (مثل الداخلية والدفاع والخارجية) وعلى نحو متعارف عليه وإلى فترة تشعر فيها الأسرة بنوع من الاطمئنان بأن الإصلاح لا يستهدف الإقصاء وإنما يستهدف التطوير وتمتين العلاقة بين الدولة والمجتمع بحيث يكون الأخير جزءا ومركبا أساسيا من أساسيات النطاق السياسي واتخاذ القرارات ومصدر مشروعيتها، وفي حالة التوجه إلى هذا البديل الإصلاحي فإنه على مستوى برنامج الحكومة، فإن مكافحة الفساد بكافة أشكاله وتجلياته باعتبار أن الفساد أصبح سرطانا يشمل الجميع ولا يستثني أحدا تقريبا وخصوصا في الأبعاد المالية والإدارية والمحسوبية وكذلك التأكيد على تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة يجب أن تحظى بأولوية قصوى لأي حكومة بهذا الاتجاه، ارتباطا ببديل الإصلاح في بعده السياسي والذي يرتكز على فكرة قيام نظام ملكي دستوري رئاسي وهو ما يعني تنمية سياسية مطلوبة للتكيّف مع التحديات الخارجية والداخلية، فإن قيام نظام وسلطة قضائية مستقلة يعتبر من مكونات ذلك البديل وأركانه الأساسية، إن هذا يعني فيما يعنيه قيام وإيجاد نظام قانوني دستوري يحدد تلك السلطات والاختصاصات وعلاقاتها وبما يؤكد على سيادة القانون والذي يتمحور حول الإنسان وكرامته وحقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية في مقابل الواجبات الملقاة عليهم، ولكي يصار إلى هذا النظام القضائي فيمكن الدمج بين المصادر التشريعية الإسلامية باعتبارها المصادر الأساسية ولها الأولوية وبين المصادر القانونية الإنسانية وتلك الأخيرة أصبحت من ضرورات الحياة التي تحتاجها ولا تقوم من دونها ولا تتعارض بالمطلق مع الأولى·
وفي سياق تلك المسألة وتحقيقها فإن هناك حاجة ماسة إلى إعادة هيكلية وتأهيل الطاقم القضائي كاملا بحيث يجمع بين متطلبات الشريعة وضرورات القوانين العالمية وأن يكون لدى القاضي إلمام قانوني فقهي اسلامي وعالمي مقارن، وفي هذا السياق يؤكد على مساهمة العلماء والمشايخ كافة من المدارس والمذاهب الإسلامية في تلك المؤسسات القضائية كافة، وبما يعني الانفتاح على المذاهب الفقهية الأخرى وألا يكون حكرا على فئة أومدرسة فقهية بعينها، وينطبق هذا على التوجه بالانفتاح الديني على الاتجاهات العامة كافة بحيث يمكن للمواطنين من مختلف المدارس والمذاهب الفقهية المساهمة في المسألة الدينية وشعائرها بما في ذلك مهام الدعوة والإرشاد، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك في إمامة الصلوات وخصوصا في قائمة أئمة وخطباء المساجد وبالذات الجمع، إن تلك الإصلاحات القضائية والدينية ذات الصلة في سياق بديل الإصلاح وخصوصا وجود نظام قضائي دستوري متطور ومنفتح هو أيضا أصبح من متطلبات التوجهات العالمية وخصوصا فيما يتعلق بتسهيل انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية والتي تشترط أساسا حدوث إصلاحات جوهرية في تلك الأبعاد وبما يضمن الحقوق والممتلكات للمستثمرين ويسهل من مهمتهم ، قبل قبول الانضمام·
في المجال الاقتصادي
ورغم أن هذا مرهون بعمل الحكومة وبرنامجها الحكومي لفترة عملها فإن التأكيد هنا يكون على التشديد على مسألة التعامل مع قضية التنمية الاقتصادية وأبعادها كافة بما يحقق العدالة الاجتماعية والرفاهية والتقدم والكرامة للجميع أفرادا وجماعات ومناطق وهذا يتطلب أن تعاد صياغة أولويات التنمية والخدمات المتصلة بها (تعليميا - اجتماعيا - صحيا - مائيا - زراعيا···الخ) بحيث يكون هناك توزيع عادل ومتوازن للموارد وأن تتاح الفرصة الكاملة والمتساوية لأبناء البلد ومناطقها للحصول على تلك الخدمات والحاجات من خلال؛ أولا، توزيعها على المناطق وليس حصرها في مناطق أو مدن منها بعينها والذي يعني، في حالة استمرار انحرافها كما هي عليه الآن، المزيد من التشوهات الاقتصادية والاجتماعية وبما يزيد من الهجرات من مدن ومناطق بعينها وبما يراكم مشاكل ومتطلبات لا تستطيع معها تلك المدن أصلا ولا أجهزتها سواء خدماتية أو أمنية السيطرة عليها، وثانيا: إشراك المواطن على مستوى الدولة المركزية وعلى مستوى المناطق والمحافظات والمراكز بعملية صياغة السياسات التنموية ومخرجاتها وتقويمها، وفي هذا السياق فإن وجود لامركزية في المسائل المالية والصلاحيات في اتخاذ القرارات على مستوي المناطق قد يكون هو الخيار الأفضل مع توفير قدر كاف من الموارد المالية للمناطق حسب احتياجاتها التنموية حتى تصل إلى درجة معقولة من التوازن مع المناطق الأخرى ثم تصبح المسألة لاحقا حسب الاحتياجات النسبية لكل منطقة·
إن الاختلالات التنموية بين المناطق وخصوصا التدني في مستوياتها في المناطق الجنوبية والشمالية هو الذي يفسر إلى حد ما نزوع بعض الأفراد والجماعات من تلك المناطق إلى العنف أو تجاوز الدولة وهذا الربط بدأت تلحظه حتى المصادر الغربية، ورغم أن الدولة وقياداتها وخصوصا بتوجيهات الامير عبدالله تحاول منذ أكثر من سنتين توجيه الاهتمام إلى تلك المناطق وبالذات الجنوبية على أثر انتشار حمى الوادي المتصدع، وبدرجة أقل الشمالية ، فإن الأمور مازالت تسير ببطء، إن حالة نزوع الأفراد إلي العنف نتيجة الفقر والإفقار والاختلالات الاقتصادية لايجب أن ينظر إليه في بعد التظلم الفردي للفقر والإفقار وتلك حالة وإن كانت عامة، إلا أنها وفي سياق الربط بالتظلم الجماعي أو المناطقي - قد تكون هي المحرك لذلك النزوع العنفي حتى وإن كان بعض الأفراد المنخرطين فيه من موسري الحال، وفي سياق المعالجة الاقتصادية فإن معالجة البطالة والتوظيف والديون وتطوير إدارة موارد الدولة يجب أن تحظى بأولوية قصوى لحكومة الإصلاح·
في المجال الاجتماعي
المجال الاجتماعي هناك حاجة ماسة لتطوير قوى ومكونات المجتمع الأهلي في كافة القضاءات والإشغالات الاجتماعية كافة، وألا تربط بتشكيلات رسمية أو قيود وبما يعني ويضمن إنهاء الوصاية الفوقية على تلك التكوينات (الجمعيات) الاجتماعية بحيث يمكنها القيام بمهام وأدوار أصبحت الحاجة إليها في هذا العصر وفي سياق تقديم خدماتها في المجالات التنموية المعنوية والمادية كافة لكثير من الأفراد والمجموعات - ضرورة من ضرورات الحياة والعيش المشترك خصوصا مع تراجع قدرات الدولة في تقديم تلك الخدمات ومع تزايد الأدوار والمهام للقطاعات الخاصة الأهلية في الدول كافة، وبما يتماشى واتجاهات العولمة وتحدياتها، إن ذلك التطوير والتفعيل لمكونات المجتمع الأهلي في القضاءات والإشغالات الاجتماعية كافة يعني فيما يعنيه وبدرجة جوهرية تفعيل جمعيات أهلية مستقلة للإنسان في مجال الحقوق والحريات وكذلك البيئة والصحة والاستهلاك إلى جانب وجود جمعيات رسمية أوحكومية، إن إعلان الحكومة السعودية منذ أكثر من سنتين عن تشكيل جمعيات حقوق إنسان أهلية ورسمية خطوة في الطريق الصحيح والتي يجب أن يؤكد عليها مرة أخرى ولكن بشكل يتطلب فكرة اكتساب المشروعية الأهلية والقانونية وذلك بأن يشرع لها، من قبل السلطة التشريعية المتكونة في سياق بديل الإصلاح، وبما يحدد مهامها أوضوابط عملها انطلاقا من صدور تشريع أوقانون لتلك الجمعيات وقوى المجتمع الأهلي، وفي سياق الإصلاح الاجتماعي، يجب التأكيد على مراجعة جدية وحقيقية لأوضاع وأدوار المرأة في العملية التنموية بكل أبعادها وكذلك في الأبعاد الأخرى ذات الصلة بالعملية الإصلاحية·
يتبع