رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 الأربعاء 15 شعبان 1425هـ - 29 سبتمبر 2004
العدد 1647

"الطليعة" تنشر الدراسة التي فُصل على إثرها د. متروك الفالح من جامعة الملك سعود
المستقبل السياسي للسعودية في ضوء 11/9:
الإصلاح في وجه الانهيار والتقسيم(الحلقة الخامسة والأخيرة)

   

 

·         الثقة بين المواطن والدولة ورد الاعتبار له هما اللذان يؤسسان لإقامة علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع

·         الأمير طلال بن عبدالعزيز من أكثر الأصوات التي تنادي بالإصلاح داخل الأسرة المالكة

·         الوليد بن طلال لـ "نيويورك تايمز": السماح للسعوديين بالمشاركة في العملية السياسية بحرية سيؤدي إلى احتوائهم

·         البيروقراطية والقوى المتنفذة تمثلان أكثر العقبات التي تواجه الإصلاح

·         لابد من محاربة الفساد والمحسوبية اللذين ينخران في أجهزة الدولة

 

أ·د· متروك الفالح

استاذ السياسة المقارنة والعلاقات الدولية (سابقاً)

قسم العلوم السياسية ـ كلية العلوم الادارية

جامعة الملك سعود ـ الرياض

العلاقات السعودية الغربية وبالذات بطرفها الأمريكي كانت تتسم بشكل عام بالتميّز طوال العقود الخمسة الماضية وحتى بداية الألفية الثالثة الميلادية· غير أن ذلك التميّزلم يكن، بالضرورة على وتيرة واحدة إذ شهدت العلاقات الغربية ـ السعودية، ومنها الأمريكية تحديدا، حالة من التوتر وعدم الاتساق خصوصا في فترة ما بعد 1995/1996 حيث تفجيرات الرياض والخبر ضد القوات الأمريكية والتي أسست وأرست لبداية قلق شعبي من الوجود الأمريكي، وكذلك عدم ارتياح رسمي من التدخل في الشؤون الداخلية خصوصا في إطار التحقيقات في تلك الأحداث· تلك الحالة العامة من العلاقات السعودية ـ الأمريكية والتي كانت على ما يبدو متميّزة، وان لم تخل من توتر كما أسلفنا، بدأت تتبدد على نحو لم يكن مسبوقا من قبل وذلك بعد الهجمات المميتة في واشنطن ونيويورك وبنسلفاينا في الحادي عشر من (سبتمبر) عام 2001·

ذلك الحدث وتوابعه في سباق ما سمي الحملة ضد الإرهاب بما في ذلك الحرب ضد أفغانستان ـ ولربما مستقبلا، ضد دول عربية أو إسلامية وكل ذلك يشير الى أن المسلمين ومنهم العرب تحديدا هم المستهدفون بدرجة واضحة من كل تلك الحملة واتجاهاتها ـ فتح ملف العلاقات الغربية العربية ومنها السعودية ـ الأمريكية تحديدا على مصراعيه باتجاه إعادة صياغتها أو تغييرها وعلى نحو بدا أنه يؤسس لأزمة ذات مخاطر على البلاد العربية عموما ومنها الدولة والمجتمع في السعودية تحديدا· تلك المخاطر تبدو هذه المرة مخاطر حقيقية وجدية وبالتالي تتطلب في المقابل معالجة حقيقية وجدية ولكن على أسس وصيغ جديدة لتتواكب وتتعامل مع مرحلة جديدة ومختلفة تماما عن سابقتها·

 

رابعا: معوقات

بديل الإصلاح ومحفزاته

 

إن تلك العناصر والتي فصلنا في بعضها، تشكل في شموليتها مشروعا يبدو هائلا وثقيلا ولربما من الصعب تحقيقه في كلياته وفي آن واحد ومع ذلك فإننا وإن كنا لا نقلل من أهمية المصاعب التي قد تواجهه وبالتأكيد ستواجهه، فإننا نرى في الوقت ذاته أن تنفيذ العناصر الأساسية من بديل الإصلاح أمر جوهري لإنقاذ البلد سلطة ومجتمع وإلا فإن مشهد الانهيار سيكون البديل - الإمكانية، ومشهد الانهيار هو استمرار الأوضاع كما هي علىه اعتقادا من القائمين على اتخاذ القرار بأن الأزمة تم تجاوزها من خلال المعالجات الظرفية والمؤقتة ذات الصبغة المهدئة والمسكنة والتي ترافقت لربما وحالة سكون ظاهرية لكنها قد تكون حالة خادعة ذلك أن تلك المعالجة لم تكن معالجة فقط شكلية وإنما كأنها وأصحابها لا تعترف أو لا تريد أن تعترف بوجود أزمة بالفعل في العلاقة بين الدولة والمجتمع والتي وصلت إلى حالة يمكن وصفها بأنها شجرة وصلت إلى شيخوختها قبل أو أنها بفعل النخر الذي بدأ يسري فيها من الفروع إلى الجذع والعكس صحيح وأنها فقط مرحلة أخرى لربما لن تطول لكي تأتي بعض من الرياح (أزمة أخرى) لتودي بها لكي يتأكد مشهد الانهيار·

هذا المشهد بالانهيار يمكن تجاوزه فعلىا ببديل الإصلاح وكذلك قطع مشهد التقسيم أو التفتيت إذا وصل الامر إلىه قبل مشهد الانهيار وهذا الأخير سيكون الحافز والعامل الحاسم في مسألة التسريع والتسهيل بتنفيذ مشهد التقسيم، ويجب التشديد هنا إن طرح ومناقشة بديل الإصلاح إنما يعكس توجهات ونقاشات عامة وخاصة ودعوات فردية ضمن مقابلات ومنابر وأطر إعلامية متنوعة، في هذا الصدد ولربما حتى بين أفراد الأسرة السعودية المالكة وخصوصا دعوات الأمير الوليد بن طلال والذي دعا إلى إيجاد نوع من الانتخابات لمجلس الشورى وإن قصرت في مراحلها الأولى على الرجال دون النساء قياسا بالتجربة الكويتية وكذلك دعوات والده الأمير طلال بن عبد العزيز والذي كان ولا يزال في كثير من مقابلاته وتصريحاته يدعو إلى تطوير وإصلاح تلك المؤسسات السياسية في السعودية، ومما قاله الوليد بن طلال، في دعوته للديمقراطية في السعودية 30/11/2001 في حوار مع صحيفة نيويورك تايمز، أنه لمعالجة عدم الرضا الداخلي خصوصا بعد التطورات الأخيرة فإنه اذا سمح للناس الحديث بحرية ومشاركة بقدر أكبر في العملية السياسية فسيكون بالإمكان احتواؤهم وجعلهم جزءا من العملية، وقال إنه كلما تمت عملية انتخابات مجلس الشورى بسرعة كلما كان أفضل للمملكة، وقل إنه يفضل إلغاء المخصصات الملكية السنوية والتي قال إنها تصل إلى 180,000 دولار أمريكي وذكر بأنه وهو يطرح تلك الأفكار فإنه يساهم في النقاشات داخل الأسرة حول فكرة الانتقال إلى ديمقراطية محدودة والتي تطرح علنا فيما بين أفرادها وإن لم تطرح علنا إعلاميا، وذكر في النهاية أن الأسرة مازالت بصدد دراسة أن تقول (نعم) أو (لا)·

ورغم أن الوليد لم يكشف مواقف أفراد الأسرة المالكة تجاه تلك الديمقراطية المحدودة، إلا أنه يبدو أن هناك عناصر من الأسرة المالكة، وإن لم يكن بالإمكان حصرها إما أنها تشاطر هذا التوجه أو أنها لا تمانع من سلوكه، ويبدو أن تلك العناصر والتي يصعب حصرها أو تحديد أعدادها تنطلق من مواقفها هذه من فكرة أن توسيع دائرة المشاركة السياسية في صنع القرار لا يمس فقط الأبعاد الشعبية وإنما يمسها هي كذلك إذ أنها وعناصر أخرى داخل الأسرة تشكل حلقات بعيدة أو مبعدة عن مراكز القرار وبالتالي عن دائرة ومقتسمات الثروة و/ أو النفوذ، وكذلك يبدو أن لهذه العناصر مصلحة في توسيع دائرة المشاركة انطلاقا من مصالح المصالح ليست بالضرورة مادية وقد تكون معنوية أو ذات صلة بالمكانة والنفوذ) تبدو غير محققة في ظل الوضع الراهن حتى وإن حصلت على بعض الامتيازات الهامشية بالمقارنة بالامتيازات الضخمة للحلقات ومراكز القوة الأساسية، والبعض الآخر منها ينطلق من إدراك ووعي بأن الأمور أخذت بالفعل بالتغيير في إطار علاقة الدولة بالمجتمع ومكونات الأخيرة وقواه، وإن أفضل طريقة لتماسك البلد بما هو دولة ومجتمع هو التنازل عن بعض الأشياء مقابل الاحتفاظ بالأشياء الأخرى أو ببعضها على الأقل·

 

عناصر منفتحة

·· عناصر مغيبة

 

ومع ذلك فإن هذه العناصر المنفتحة على التغيير وولوج الإصلاح، لا يبدو أنها مسموعة في صوتها أو أنها كما هي العناصر الشعبية مغيّبة أو غير قادرة على البوح والمخاطبة والدفع بهذا التوجه، ولربما تشعر بالضغوط والقوة الممارسة علىها ضد هذا التوجه· في هذا السياق يلاحظ أن الأمير طلال والذي يبدو أكثر الأصوات داخل الأسرة ارتفاعا في إطار التوجه الإصلاحي، هو الآخر يشعر بتلك القيود ولربما بعض من معاناتها عندما يقول في حلقة ضمن برنامج بلا حدود (قناة الجزيرة الفضائية/ قطر) والتي خصصت لردود الفعل على حلقات شهادته على العصر، وذلك في 6/12/2000 أنه بعد هذا اللقاء فإنه لا يريد أن يتكلم عن الشأن العام وذلك لأنه: الآن عرف···؟ أن هناك ثلاثة أشخاص مصرح لهم بمثل هذا الحديث وهم الملك فهد والأمير عبد الله والأمير سلطان، ورغم أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوابعها وصلة ذلك بما سمي الحملة الأمريكية على الإرهاب وعلى السعودية، قد أتاحت حديثا آخر للأمير طلال، إلا أنه وفي مقابلة في برنامج بلا حدود - مرة أخرى (قناة الجزيرة الفضائية/ قطر) (في 23/1/ 2002) لم يشأ الخوض بالشأن العام الداخلي وركز جل همه على معالجة الأزمة من طرفيها الخارجي (الأمريكي تحديدا) عارضا فكرة استخدام ضغط المجمع المدني العربي ومن خلال شركة للعلاقات العامة تؤمن الدخول إلى الساحة الأمريكية، علما بأن الأمير طلال يعلم أن مؤسسات المجتمع المدني العربي ليست موجودة في عدد من البلدان العربية ومنها بالذات السعودية، وبالتالي فإن الإصلاح لا يكون من الخارج بل من الداخل بما في ذلك تفعيل ذلك التوجه (تنشيط عمل مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلي كما نفضل تسميته) داخليا وأولا وقبل كل شيء·

وحيث تلك هي التوجهات داخل الأسرة وخصوصا في إطار عدم الإفصاح عن مدي حجم وعدد الأصوات تجاه دعوات الإصلاح وكذلك عدم خروجها إلى العلن من أصوات عناصر واضحة، إضافة إلى أن المسألة كانت لا تزال تدور في إطار دراسة هل نقول نعم أم لا لفكرة الديمقراطية المحدودة وخصوصا الوصول إلى سلطة تشريعية منتخبة، وكذلك مع حالة السكون وما تعكسه من شعور بهدوء الأوضاع، فإن ذلك كله يشير إلى أن هنالك ما يبدو أنه معوّق بنيّوي ضد الإصلاح والديمقراطية المحدودة في ثنايا وأطر العائلة المالكة وحلقاتها·

وعلىه، فإن الأمر يبدو أنه وفي ثنايا تلك الحلقات من العائلة، فإن معوقا كبيرا للإصلاح والديمقراطية يبدو مرتبطا بعناصر من الأسرة والتي تسودها وتطغى علىها رؤية أو عقلية مغرقة بالماضوية، تلك هي عقلية ملكية الجميع ، بمعنى أن البلد ومن فيه بشر وأرض وموارد ومؤسسات ومخرجات هي ملك خاص في قبضة الىد والتي لها الحق من دون غيرها بالتصرف بما تشاء وكيفما تشاء ومتى تشاء، تلك العقلية بالملكية خاصة للجميع تستند وتنطلق من مقولة أخرى أكثر ضيقا في رؤيتها ألا وهي أن إقامة الكيان والدولة السعودية إنما تمت (بالقوة وبحد السيف) وأن من يريد أخذ شيء فليستخدم نفس الأسلوب والأداء، إن كان يستطيع طبعا، وتلك مقولة خطيرة لا من حيث التلويح بالقوة ولا باستعداء الآخرىن بالولوج لها باعتبار أن الإصلاح باب مقفل، فوق هذا وذاك فإن تلك العقلية تنسى أو تتناسيس أن تلك القوة التي كانت وراء تكوين الدولة السعودية (في السياق الداخلي فقط مع عدم إغفال أهمية العامل والقوى الخارجية في ذلك) لم تكن إلا من القوى المجتمعية والشعبية آنذاك سواء الحضرية منها القروية والفلاحية في بداية النواة الأولى للتكوين أم من القوى القبلية (رغم التصادم مع بعضها لاحقا عندما قامت شوكة الدولة) وكذلك دور بعض العائلات في المدن والأرياف والتي تحالفت مع الملك عبد العزيز وسهلت تلك المهمة بدرجة كبيرة في القصيم وحائل والإحساء والحجاز وعسير والجوف في مرحلة التمدد والتوحيد، لذلك تميزت المرحلة الأولى لقيام الدولة السعودية بالمشاركة والمساهمة لتلك القوى أو من يمثلونها في مقابل الاستقرار وإنهاء حالة الصراع الأهلية البينية المتعددة والمتواصلة قبل ذلك·

وفي إطار ذلك التوازن كانت تلك العقلية بالملكية لربما مقبولة في الفترة الماضية فترة التكوين وحتى لربما نهاية السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين أما في المرحلة الحالية وخصوصا منذ أزمة الخليج الثانية 1990 فصاعدا ومع التحولات في تركيبة المجتمع وقواه - والمتصلة بحركة التحديث منذ نهاية عقد الخمسينيات من القرن العشرين فصاعدا وكذلك مع التطورات المحلية والإقليمية والدولية بما في ذلك ثورة المعلومات والاتصالات - فإن تلك العقلية ورؤيتها ليست فقط غير صالحة للمرحلة بل إنها ستكون عبئا على الجميع دولة ومجتمعا بمن فيهم أصحاب وعناصر تلك الرؤية والعقلية·

 

عقبة بنيوية

 

إضافة إلى تلك العقلية المهيمنة والمنتمية إلى الماضي ولكنها فاعلة في الحاضر ولو إلى حين، فإن هناك عقبة بنيوية أخرى لربما تصل إلى أن تكون متساوية مع إن لم تكن أكبر من عقبة عقلية الملكية وبالتالي ستكون الأكثر فاعلىة ضد بديل الإصلاح، تتمثل تلك العقبة الأخرى بالقوى المتنفذة في أجهزة الدولة ومؤسساتها البيروقراطية وخصوصا في مستوياتها العلىا وأيضا حول عدد من العناصر القيادية في الدولة، هذه القوى المتنفذة هي ذات امتدادات مناطقية محددة وترتبط بعائلات بعينها من مدن أو قرى محدودة من تلك المناطق المحدودة رغم أنها ليست بالضرورة ممثلة لها أو لأهلها على الجملة·

تلك العائلات وأبناؤها وامتداداتها بدأت تسيطر على المناصب الرئيسية في القطاعات المهمة من الدولة وتستحوذ بالتالي على نفوذ لربما يتجاوز كثيرا من أفراد الأسرة المالكة، بل إن أعدادا من الأخيرة لربما لا يجدون مفرا من التعامل مع تلك الأسر وعن طريقها للوصول إلى دائرة القرار في مدخلاته أو مخرجاته، تلك القوى المتنفذة والمرتبطة بعائلات بعينها وذات امتدادات بقرى أو مدن من مناطق بعينها وإن كانت لا تمثلها بالضرورة، أخذت تستحوذ على النفوذ ورسم السياسات وتوزيع المناصب داخل الهياكل الحكومية وبالتالي أصبحت وبشكل متعاضد هي التي تعد وترسم وتنفذ سياسات الدولة وخصوصا الداخلية منها· من هنا يمكن ملاحظة أن السياسات التنموية لم تكن متوازنة بين المناطق وإشغالاتها الاجتماعية، لذلك فإن ما يتضح من تلك الاتجاهات هو أنه رغم أن الأسرة السعودية مازال بيدها القرار النهائي لتلك السياسات إلا أن من يقوم بالفعل بإدارة البلد هي تلك القوى من العائلات المتنفذة·

إن تلك القوى المتنفذة هي ما يمكن أن يطلق عليه الحرس القديم - الجديد، أما كونه قديما فليس المقصود به هو إنه من القوى القديمة من الناحية الزمنية وإنما لأنه يمثل الاعتراض على الجديد في الإصلاح، وأما كونه جديدا فالمقصود به ليس لأنه يمثل التكوينات الاجتماعية الجديدة بالضرورة، وإنما لأنه في مرحلة ما وهي السبعينيات من القرن العشرين كان قد أخذ يحل وبشكل تدريجي محل النخبة السابقة والتي كانت تنتمي إلى عائلات من منطقة أخرى بعينها التي كانت لها الهيمنة في بيروقراطية الدولة آنذاك، تلك القوى المتنفذة هي التي تنعم بمكتسبات الدولة وخدماتها من مالىة وخدماتية ومعنوية بما في ذلك وبدرجة مهمة مسألة النفوذ والمكانة، باعتبار أن النفوذ ذاته جالب للخيرات والملذات كما يقول بذلك ابن خلدون: أنها تحصل على مرتبات ومخصصات عالية، وتحصل على تعلىم عال ولربما خاص، وتحصل على خدمات صحية عالية حكومية وخصوصا ولربما على حساب الدولة ونفقاتها وكذلك تحصل في مناطق سكنها على خدمات بلدية لايمكن أن تجدها في أي من الأحياء الأخرى غير المشغولة بتلك الفئات وعناصرها، لذلك فإن تلك الفئات والعائلات وقواها المتصلة بها لن تكون مع الإصلاح بل إنها ستكون العائق الأكبر لربما في هذا الاتجاه·

من هنا فإن استمرار تلك العقبة ذات الصلة بالقوى المتنفذه والمتعاضدة والمتحالفة مع العقبة الأولى عمداً أو جهلاً منهما أو كلاهما، سيشكل العامل الحاسم والمحوري في تواصل عملية النخر في ظل تواصل عقبة أخرى هي الفساد بكافة تجلياته وبالذات المالية والإدارية والمحسوبية واستشراء المصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة وفي غياب القانون والمحاسبة وبالتالي ستكون تلك العقبات وخصوصا الأولى والثانية المسؤولة عن تعويم بديل الانهيار أو الوصول بالبلد إلى مشروع التقسيم والتفتيت·

وحيث الأمر كذلك، فإن بديل الإصلاح المطروح ينبه إلى ضرورة الالتفات إلى خطورة تلك العقبات وبالتالي معالجتها معالجة تفضي إلى إيقاف مخاطرها تلك، وعلىه في هذا السياق فإن الحاجة ماسة إلى معالجة المعضلة المتمثلة بتلك القوى المتنفذة ووقوفها ضد العملية الإصلاحية وما تمثله تلك العقبات ومواقفها من بقاء الأوضاع كما هي، وتلك الأخيرة تمثل البيئة التي تترعرع وتنمو فيها بذرة الانهيار ولربما تمهد في تنامي فرص مشهد التفتيت خصوصا وأن الغرب وتحديدا الولايات المتحدة عازمة جازمة هذه المرة على ألا تترك السعودية على ما كانت علىه وأن ذلك فقط يحتاج إلي الانتهاء من الأولويات في سياق مشروعها الكوني وتسلسل حلقاته، والمعالجة تلك وأمرها لا يجب أن يفهم منهما بأن ما هو مطلوب هو استبدال تلك العناصر بعناصر أكثر طيبة ونظافة ونزاهة لتقويم الأداء الحكومي والذي بدا أن القيادة بدأت تلحظ قصورا واضحا فيه وتحذر منه وآثاره على المواطنين وذلك أمر محمود بذاته كما فعل ونبه إليه الأمير عبد الله ولي العهد وخصوصا مؤخراً، وإنما الأمر في الإصلاح يتركز على الإحاطة بجوهر المشكلة·

إن المعالجة لها والوصول إلىها ليس فقط بالرجال الأكفاء وإن كان ذلك مهما ولا يقلل من شأنه في ذاته، وإنما بوجود مؤسسات وآليات ذات صلة بالتكيّف السياسي للنظام وأبعاده الأخرى بحيث تتكون آلىات ومؤسسات تستطيع القيام بمهام المسؤولية والمحاسبة القانونية تجاه تلك العناصر والممارسات أي كان مصدرها وبغض النظر عن أصحابها وذلك ضمن إطار قانوني ودستوري يعتمد على إشراك المواطن في دائرة الحكم ولا يقصيه أو يستثنيه كما هو قائم حالىاً· إن الثقة في المواطن وإعادة الاعتبار إليه في كل تلك الحلقات هو الذي يؤسس إلى إقامة علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع والتي تستطيع بالتكيّف للنظام طبقاً للاتجاهات وظروفها أن تصمد أمام التحديات داخلية كانت أم خارجية، خصوصا وأن المقبل منها وبالذات الأمريكي منها على وجه التحديد - وفي سياق توجهاتها المستقبلية للمنطقة وهي تشدد على أن الحالة السعودية يجب ألا تبقى كما كانت حتى ولو تتطلب ذلك تفكيكا لها أو إعادة هيكلة على نحو ما - هو أكبر مما يتصوره البعض·  إن الخوف كل الخوف أن تستمر عقلية التوهم بأن الخطر زال وأن الأزمة انقشعت وأن الأوضاع وأطرافها ساكنة هادئة وبالتالي لا ضرورة لمعالجة أو لإصلاح·

إن الانتظار مطولاً عند فكرة الإصلاح أو التردد تجاهها قد يكلف البلد (الدولة والمجتمع) ثمنا باهظاً قد يصل إلي فنائه وبالتالي يجب عدم الانتظار حتى تفرض الأمور من الخارج بهذا الاتجاه أو ذاك، أليس الأجدى والأكثر كرامة ولربما استحقاقاً للتقدير أن تأتي الإصلاحات من وعي ورغبة وقدرة وجرأة للنخب الحاكمة؟ إن الأمل معقود على أن هناك عناصر من النخب المسؤولة من لديهم بالفعل من العقلانية والحكمة والرشاد ما يؤسس لمثل هذه التوجهات الإصلاحية· إن الأمر بدرجة كبيرة يرتبط بوجود رؤية لمشروع دولة بحيث إنها لا تقصي ولا تستثني وإنما تقوم على فكرة المساهمة والمشاركة للجميع أفرادا وجماعات ومناطق وبصيغ وآليات ومؤسسات عصرية تصون الحقوق وتحفظ الكرامة وتحقق العدالة والرخاء والتقدم·

في النهاية نقول إن هذه الورقة، وبما تضمنته من أفكار انطلقت من تصورات ومتابعات أكاديمية موضوعية وإيماناً بالمكاشفة والمصارحة للمساهمة في إنقاذ البلد والأمة، لاتدعي أن صيغة الإصلاح المقدمة، هي الصيغة الوحيدة أو الكاملة· إن هناك بالتأكيد طاقات وقدرات في أبناء هذا البلد وأبناء البلاد العربية عموما والذين إذا ما أتيحت لهم الفرصة فإنهم بلا شك سيعملون على صياغة مشروع وعقد (ميثاق اجتماعي جديد) لبلدانهم وأمتهم· إن كل ما تسعى إلىه هذه الورقة هو أنها تريد أن تلفت الانتباه إلى المخاطر والتحديات ومنها الداخلية بدرجة أكبر وكذلك الخارجية ذات الصلة ببنيان وتماسك الدولة والمجتمع والأمة في الحاضر والمستقبل، وثانياً فإنها وبتلك الأفكار تفتح المشروع والأسئلة ذات الصلة بالدولة والمجتمع في السعودية تحديداً ولربما في البلاد العربية الأخرى قياساً على الآخرين المناصرين والمناهضين وسواء من أهل الثقافه أو الفكر أو أهل القرار وقواه وذلك للتعامل معها وبالطريقة التي قد تصل بهم إلي الأجوبة وأبوابها التطبيقية أو لربما لفتح مزيد من الأسئلة والبحث في النماذج الإصلاحية·

طباعة