حدث··· بفعل فاعل
د· نادر القنّة
أيها السادة··
لصالح من؟ ولحساب من تجري عملية "تطفيش" الكوادر، والكفاءات العلمية والفنية والثقافية من مواقعها؟ ولماذا هذا الإصرار الغريب على محاربة كل طاقة فاعلة نشطة تؤكد حضورها في مواقع عملها، وتؤكد تميزها، واستقلاليتها، وشخصيتها في نتاجاتها وإبداعاتها؟
ولأن السؤال الواحد يجر معه عشرات الأسئلة فإننا نقول: هل "الغيرة" البشرية و"الحسد" الإنساني، سببان كافيان لإثارة حفيظة الحاقدين والفاشلين على الطاقات المنتجة، وصناع النجاح؟ وهل انقلبت المعادلة رأسا على عقب حتى صار أهل النجاح يتحملون "وزر" وخطيئة، وكسل أهل الفشل، من الذين لا يعملون، ولا يريدون غيرهم أن يعمل بجد ونشاط؟
وهل صار المجتمع - هنا - قوة طاردة للكفاءات والإبداعات والكوادر المخلصة؟ وعلى وفق هذا النمط من التفكير، هل صار الاشتغال والإنتاج "خطيئة" بشرية؟ وهل صار الإبداع "رجزا اجتماعيا"؟ وهل صار النجاح "محظورا"؟ وهل صار التميز "محرما"؟ وهل صار التفكير "فعلا" مشينا؟ وهل صار الطموح "نقيصة"؟ وهل صار العقل في رأس الإنسان "عبئا" و"هما" و"قلقا"؟ وهل صار النشاط الإبداعي المتطور سلوكا "معيبا"؟
لا أدري، أية حركة ثقافية وفنية هذه التي يتباهى فيها أهلها "جهارا نهارا" بطردهم للكفاءات، وتجميدهم للمبدعين، وتهميشهم للعاملين··· ولا أدري أية حركة هذه التي صار فيها العاطلون عن العمل والتفكير يوجهون دفتها بالاتجاه الذي يريدون، ووفق ما يتماشى مع مصالحهم·
هذه الهيمنة والسادية المطلقة، جعلت من هؤلاء العاطلين والمعطلين للعمل دعاة إرهاب فكري وثقافي وفني ضد من يعمل، وضد من يمارس حقه في التفكير والتجريب والإبداع، وصاروا حجر عثرة أمام العقليات المنتجة، والساعية الى التقدم والتطور والخلق والابتكار، وكأنهم يريدون لهذا المجتمع وغيره من المجتمعات الإنسانية أن تظل مؤكسدة، خامدة، خاملة، تراوح مكانها، خارج أنسقة التفكير الإنساني المتطور··· وكأنه يعز عليهم أن يأتي التطور والتقدم من خارج ما تملك أيديهم، ومن خارج إمكاناتهم·
وحتى لا نذهب بعيدا في التوصيف النظري، دعونا ننظر الى محيطنا القريب، وندلل تطبيقا على ما نقول باستحضار الوقائع والنماذج المشاهدة - بأم العين - في أرض الواقع من دون زخرفة أو تجميل·
لعل القارئ والمتابع للشأن الثقافي، لمس جيدا - وبنفسه - ما أثير في الأسابيع الأخيرة من لغط، وموجة إرهاب فكري تعرضت لهما الدكتورة نجمة إدريس أستاذة الأدب العربي الحديث بجامعة الكويت، وما حمله كتابها "خليفة الوقيان في رحلة الحلم والهم" من ومضات فكرية تنويرية على اعتبار أنه شاعر تنعكس في شعره وأدبه ملامح المجتمع وقضاياه وهمومه، كما عبرت الكاتبة عنه في تناولها لشعره·
وهذا المخرج المتألق الشاب عبدالله العابر، الذي أعلنوا الحرب عليه وعلى تجاربه الإخراجية منذ محاولته الأولى، التي أكد من خلالها أنه يتمتع بقدرات إخراجية خاصة، وأنه عقلية بوسعها تأويل الأشياء على خشبة المسرح·
اجتمع أهل "الحل والعقد" وعملوا على كبح جماحه، وإقصائه عن أية مشاركة مسرحية عربية، وضربه "تحت الحزام" في مشاركاته المهرجانية المحلية، وليس أدل على ذلك من موجة التعتيم الإعلامي التي لازمت تجربته الإخراجية الثانية "تخاريف كتب"، التي قدم فيها أفكارا إخراجية غير تقليدية·
وهذا الفنان المبدع وحيد عبدالصمد عندما قدم تجليات إخراجية رائعة في مسرحيته "ليلة دفن الممثلة جيم"، وجسدها برؤية غير مكررة تشكل إضافة حقيقية للنص وللعروض السابقة، جاءته الحرب مشتعلة من كل حدب وصوب، وكأنه ارتكب إثما·
وهذا الفنان المنطلق بعفوية "شايع الشايع"، الذي أداروا له ظهورهم في أجمل لحظات تجلياته الإخراجية "لست أنت جارا" رائعة الكاتب التركي "عزيز نيسين" حينما جعلنا نستنشق أكسجين الكوميدا السوداء، والمفاهيم الحقيقية للمسرح السياسي، حيث أغمض "دعاة الفن" أعينهم عن اجتهاداته، معلنين رفضهم لأفكاره الإخراجية الجريئة·
وهذا الفنان الشاب مساعد الزامل دفعوه بكل قوة الى إعلان التوبة عن المشاركة في أية مسابقة مهرجانية محلية، بعدما أحبطوه في تجاربه السابقة·
ونذكر في هذا السياق الكاتب وليد الأنصاري الذي تحمل من الضغط النفسي ما يكفي لدفعه الى اتخاذ قرار بالابتعاد عن الكتابة المسرحية في يوم ولادته·
أيها السادة:
الأمثلة كثيرة في الفن والثقافة، والأدب والفكر، ولكن من يفتش عنها ويعلنها للناس؟ ومن يملك الكتابة عن أناس تم إقصاؤهم عن دائرة الفعل الثقافي والإبداعي بفعل فاعل؟ من يملك ذلك فليكتب!!!
fonon@taleea.com