غزة - "الطليعة" - خاص:
في الوقت الذي كان فيه الناخبون الفلسطينيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، بدأت تتوالى التصريحات والتعليقات الإسرائيلية وهي تحمل الإملاءات المعهودة التي تطالب الرئيس القادم بالالتزام بالمطالب الإسرائيلية المعهودة، محاربة الإرهاب حسب التعبير الإسرائيلي، أي محاربة قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة وغير المسلحة، الأولى بحجة الصواريخ والقذائف والعمليات والثانية بحجة التحريض· واستدعى شارون رئيس السلطة الفلسطينية المنتخب للقائه بعد أسبوع من إجراء الانتخابات، لعقد صفقة أمنية كما تقول المصادر الإسرائيلية، تشمل وقف هجمات المقاومة الفلسطينية والتنسيق الأمني لتطبيق خطة الفصل·
ومضى وزير الخارجية الإسرائيلية سلفان شالوم إلى ما هو أبعد فقال تعليقا على تصريحات أبو مازن الأخيرة عن حق عودة اللاجئين ورفضه الاحتراب الداخلي الفلسطيني أنها ليست مقبولة في إسرائيل، بينما طالبه نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بالتحلي بالشجاعة والتخلي عن حق العودة، والقضاء على ما سماها المنظمات الإرهابية والفساد الداخلي·
والآن وبعد الإعلان عن فوز "أبو مازن" بنسبة %62 من أصوات المقترعين، سيكون موضوع هذه الإملاءات وردود فعل المعارضة الفلسطينية هو الأكثر أهمية في الأشهر المقبلة· ومن المتوقع أن تشكل عبئا على القيادة الفلسطينية الجديدة التي لم تعد في ضوء مسار هذه الانتخابات والنتائج التي أفرزتها مطلقة السلطة والإمكانية في تنفيذ الإملاءات الإسرائيلية كما كانت سابقتها في عهد عرفات، فقد ظهر ثقل المعارضة ووزنها، سواء بما حصلت عليه "المبادرة الوطنية الديمقراطية" التي مثلها مصطفى البرغوثي مرشحا للرئاسة، أو بما تحقق من آثار مقاطعة "حماس" و"الجهاد" التي تمثلت في تدني نسبة المقترعين إلى درجة دفعت إلى تمديد فترة الاقتراع لأكثر من ساعتين في بعض المناطق، وعبر عنها التذمر من قلة الإقبال على صناديق الاقتراع·
ولعل من النقط الإيجابية التي أظهرتها هذه الانتخابات، ورغم فوز "أبو مازن" الذي لم يشك أحد في فوزه بسبب الدعم الواسع الذي حظي به إعلاميا عن طريق استطلاعات منظمة سبقت الانتخابات، وأشاعت أن كثيرا من الناس سينتخبونه، وبسبب ظهوره بمظهر المدعوم دوليا وأمريكيا، فإن المعارضة الفلسطينية، سواء كانت ممثلة بقوى الانتفاضة أو بالتيارات السياسية، برزت على صعيد الساحة الفلسطينية بقوة ربما لأول مرة منذ سنوات طويلة مسلح معظمها ببرامج بديلة وواقعية·
النقطة الإيجابية الأخرى، هي أن التعهدات التي أطلقها أبو مازن، بالحفاظ على "الثوابت الوطنية" المعروف أنها تتعلق بحق العودة والقدس عاصمة للدولة الفلسطينية وإزالة المستعمرات الإسرائيلية من أراضي الضفة الغربية، ليست مما يمكن أن تتهاون به القوى الفلسطينية، حتى من داخل تنظيم فتح الذي جاء بأبي مازن مرشحا له·
وهذا يعني أن "أبو مازن" الفائز بالرئاسة لن يكون سعيدا تماما كما يتوقع البعض، بقدر ما سيجد نفسه واقعا بين ضغط الإملاءات الإسرائيلية، التي أصبحت أمريكية وأوروبية أيضا، وبين ضغط قوى المعارضة ضد أي انسياق في تطبيق المخططات الصهيونية· إن ما سيأتي إذن سيكون أكثر أهمية من كل ما قيل في الانتخابات وحولها، وربما حمل مزيدا من اشتداد الصراع بين الشعب الفلسطيني والمحتلين، مع وجود قيادة لم تحسم خيارها بعد في الانحياز لهذا الطرف أو ذاك·